مأساة أبيمنم… حين يصبح المدنيون وقوداً لصراع لا ينتهي

بقلم: لوال كوال لوال

ليست المأساة التي شهدتها مقاطعة أبيمنم حادثة عابرة يمكن طيّ صفحتها ببيان إدانة أو وعد رسمي مؤقت. ما يحدث هناك أصبح نمطاً متكرراً من العنف الذي يحصد أرواح المدنيين الأبرياء، ويكشف في الوقت ذاته هشاشة البنية الأمنية وعجز الدولة عن أداء واحدة من أهم وظائفها الأساسية، وهي حماية مواطنيها أينما كانوا. فالمجتمعات التي تُترك مكشوفة أمام الهجمات المسلحة لا تعيش فقط حالة خوف، بل تدخل تدريجياً في دائرة فقدان الثقة في مؤسسات الدولة نفسها. في العام الماضي، قُتل نحو أربعين شخصاً، جلّهم من النساء والأطفال والعجزة، نتيجة هجمات ميليشيات «الجيش الأبيض» التابعة لمقاطعة ميوم بولاية الوحدة. ولم تمضِ فترة طويلة حتى تكررت المأساة هذا العام بصورة أكثر دموية، حيث سقط ما يقارب 170 قتيلاً من الفئات نفسها التي لا حول لها ولا قوة. وبين الرقمين تتجلى حقيقة مؤلمة مفادها أن أبيمنم أصبحت منطقة منكشفة أمنياً، وأن دورة العنف فيها لم تُكسر بعد. إن قراءة ما جرى لا ينبغي أن تقف عند حدود الإدانة الأخلاقية، بل يجب أن تتجه إلى تفكيك الأسباب العميقة التي جعلت هذه المنطقة عرضة للاستهداف المتكرر. فالجغرافيا وحدها لا تفسر ما يحدث، رغم أن طبيعة المنطقة المفتوحة تسهّل حركة المجموعات المسلحة. المشكلة الأعمق تكمن في تراكم فراغ أمني مزمن، وضعف في الانتشار الوقائي، وتأخر في الاستجابة، إلى جانب تسييس النزاعات المحلية بحيث لم تعد مجرد احتكاكات تقليدية بين مجتمعات متجاورة، بل أصبحت تتغذى على توترات سياسية أوسع. الأخطر في المشهد هو التحول التدريجي نحو منطق الانتقام الجماعي. بعض المهاجمين لم يعودوا ينظرون إلى أبيمنم باعتبارها طرفاً في نزاع محلي محدود، بل بوصفها ساحة لتفريغ الغضب المرتبط بصراعات أكبر مع الحكومة المركزية. هذا التحول شديد الخطورة لأنه يوسّع دائرة الاستهداف ويضع المدنيين في قلب المواجهة. وعندما تصبح النساء والأطفال وكبار السن ضمن الأهداف، فإن ذلك يشير إلى تآكل خطير في الضوابط المجتمعية التي كانت تاريخياً تحدّ من انفلات العنف. في مثل هذه الظروف، يبرز سؤال جوهري يردده المواطن البسيط قبل المحلل السياسي: أين الدولة؟ فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بوجود مؤسساتها في العاصمة، بل بقدرتها على بسط الحماية في الأطراف البعيدة. وتكرار الهجمات في المكان نفسه عاماً بعد عام يبعث برسالة سلبية مفادها أن الردع غير كافٍ، وأن الإجراءات المتخذة حتى الآن لم تغيّر معادلة الخطر على الأرض. الواقع أن الاكتفاء ببيانات الشجب بعد كل حادثة لم يعد مقنعاً للمجتمعات المتضررة. سكان أبيمنم لا يحتاجون إلى تعاطف موسمي بقدر ما يحتاجون إلى حضور أمني دائم واستراتيجية وقائية تمنع الهجوم قبل وقوعه. فالأمن الفعّال لا يُقاس بسرعة الوصول بعد الكارثة، بل بقدرة الدولة على منع الكارثة من الأساس. وكل تأخير في سد الثغرات الأمنية يمنح المجموعات المسلحة مساحة أوسع للمناورة. وراء الأرقام المعلنة قصص إنسانية موجعة لا تظهر في التقارير المختصرة. كل ضحية هي أسرة مكلومة، وقرية فقدت جزءاً من ذاكرتها، وأطفال نشأوا على أصوات الرصاص بدلاً من أصوات المدارس. ومع تراكم هذه الصدمات، لا يبقى الأثر محصوراً في الخسائر البشرية المباشرة، بل يمتد إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وازدياد موجات النزوح، وتعميق مشاعر المرارة بين المجتمعات المتجاورة. وهذا أخطر ما في الأمر، لأن الجروح المجتمعية العميقة تحتاج سنوات طويلة حتى تلتئم. ومع أن العبء الأكبر يقع بلا شك على عاتق الحكومة في توفير الحماية، فإن معالجة الأزمة تتطلب مسؤولية وطنية أوسع. فالقيادات المجتمعية مطالبة بإحياء آليات الصلح التقليدي التي أثبتت في مراحل سابقة قدرتها على احتواء النزاعات المحلية. كما أن النخب السياسية والإعلامية مطالبة بخفض حدة الخطاب التحريضي، لأن الكلمة في البيئات الهشة قد تتحول سريعاً إلى فعل عنيف. أما الشركاء الدوليون، فدورهم ينبغي أن يتجاوز الاستجابة الإنسانية بعد وقوع الكوارث إلى دعم أنظمة الإنذار المبكر وبناء قدرات الحماية المدنية. إن منع تكرار المأساة في أبيمنم يتطلب خطوات عملية واضحة، في مقدمتها تعزيز الانتشار الأمني الثابت، وإنشاء آليات إنذار مبكر فعالة، وفتح تحقيقات شفافة تفضي إلى محاسبة حقيقية للمسؤولين عن الهجمات، إلى جانب دعم مسارات المصالحة بين المجتمعات المتجاورة. فالمقاربات الجزئية لن تكفي في بيئة معقدة كهذه؛ المطلوب رؤية شاملة تعالج الأمن والسياسة والمجتمع في آن واحد. ما يحدث في أبيمنم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة ثغرات يمكن معالجتها إذا توفرت الإرادة السياسية والجدية المؤسسية. استمرار سقوط المدنيين بهذه الصورة يضع علامة استفهام كبيرة أمام قدرة الدولة على حماية مواطنيها في المناطق الهشة. ودماء الأبرياء هناك يجب أن تتحول إلى جرس إنذار وطني حقيقي، لا إلى خبر عابر في نشرات الأخبار. فالدول لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات والخطابات، بل تُبنى حين يشعر المواطن البسيط في أبعد قرية أن حياته مصونة، وأن الدولة حاضرة قبل الخطر لا بعده. وأي تباطؤ في معالجة جذور ما يجري في أبيمنم يعني ببساطة أننا لا نمنع المأساة القادمة، بل نؤجلها فقط.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (4-5)

بقلم: لوال كوال لوال عندما أُعلن استقلال جنوب السودان، بدا وكأن التاريخ يمنح هذا الشعب …