واجاب للأستاذ محمود الشين

د. قاسم نسيم

وما يزال الأستاذ محمود الشين يطوِّف بنا مدنَ السودان وبيادرَه ونجوعَه، حاملًا فانوسه يضيء لنا عتماته، ويُجلِّي لنا مغيَّباته، ويكشف لنا عوراته. وهذا شقٌّ من النضال فيه، وشقٌّ آخر هو شقُّ الجمال والمعرفة، يُبيِّنه ويُعرِّف به. فكم انكفأنا على أنفسنا، في جزرنا المصونة، نجهل بعضنا بعضًا. إنه يقرع الأجراس لأهل تلك المدن والبيادر، لعلهم راضون بحالهم، وقد لا يتفطَّنون لسوء حالهم وسواد مآلهم لرضاهم، فبالرنين يدركون أن حيفًا قد وقع عليهم، فيحثهم اضطرادُه، ويوجِّه نظر الدولة إلى ذلك الحيف، لعلها تبتدر إلى إصلاحه ابتداءً.
وكان عادلًا متزنًا في كل نقوده، فلا يجاري المشطِّين المغالين في المطالب. رأينا نهجه هذا في كتبه: قصتي مع أسوأ كارثة في العالم، ونيالا – الناس والأشياء، وجبال النوبة – سنوات الخوف، وأم درمان – الأمس حلم سيعود. وله كتاب آخر خرج به عن الإطار المحلي إلى إفريقيا، وهو كتاب كمبالا – تأملات في لؤلؤة إفريقيا، وهو ذو منحًى مختلف.
اليوم في واجاب يطرق أبواب وادٍ جديد، وادي الشرق، ليُجيب وعدًا قطعه معهم، ويحلَّ دينًا عن عنقه طالما ناء بحمله، فكان «واجاب» اسمًا مستلهمًا من كلامهم، يردُّ به على سؤالهم.
ابتدر رحلة كتابه من أمدرمان، وفي وسط انشغالاته بالتحضير لليوبيل الذهبي لمركز شباب أمدرمان، طلب الشاعر الكبير إسماعيل الإعيسر إليه مرافقته إلى القضارف للمشاركة في منتدى الجبراكة الثقافي. انظر إلى عنوان المنتدى، كيف اقتلعوا كلمة «الجبراكة» من سياقاتها، وقذفوا بها إلى جوِّ الإبداع؛ مؤاخاةً بين الفعل الثقافي وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية. فالجبراكة تمثل لهم كل شيء، هي مبعث معاشهم ومنشط حياتهم، فما أجمل هذا التلاقي وأعذبه، وأوكد اضطجاعًا بين البيئة والمكان.
وبدأ الشين يروي بعبارات متناثرة في مقالته الأولى «مساومة جريئة» عباراتٍ قلقة لا تستقر على معنى، لنعرف ما يريد، حتى بلغ بنا «اللاماب»، فبدأنا نحس بنوع من الاستقرار في اتساع مساجدها، واتساق نظامها الاجتماعي، ومكتبة «المستبدة» — يا له من اسم! أُحيلك إلى الكتاب لتعرف قصته. فكم كان أكثر ما استبدَّنا! وقديمًا قال عمر بن أبي ربيعة:
ليت هندًا أنجزتنا ما تعد
وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرةً واحدةً
إنما العاجز من لا يستبد
ولولا خوفي من الإطالة لأثبتُّ القصيدة كلها لروعتها وجمالها.
وهم يهزمون الزمن في سبيلهم إلى الميناء البري، ومتاريس ثوار الصحافة تضحك في وجوههم وتخذل من إرادتهم.
بدأ الشين يوزع التهم والشكاوى على الحكومة بعد أن صعدوا الباص، من إهمال شارع القضارف ومشروع الجزيرة. ولم تنسَ كاميرته التقاط لقطة مهمة، وهي صورة الأطفال في سنِّ الطلب يرعون الماشية بالقرب من الفاو والقدمبلية. إنها صورة مؤثرة تعني لنا أننا لعشرات السنين القادمة سوف نعاني ما نزال نعانيه من الأمية؛ واقعٌ موحش.
ولما حاذى الشوك تطرَّق لمشكلة مياه الشرب التي ستصحبنا طويلًا في مشوارنا هذا، وذكر أن جُمَلًا مكرَّرة ظل يسمعها في كل منابر الساسة عن كيفية مدِّ خطوط أنابيب المياه من منطقة الشوك لمدن الشرق، وفي ذات الوقت يسمع من آخرين استحالة نجاح هذا العمل، فيسمع الأمر ونقيضه، وتضيع الحقيقة بينهما. وهل تُرتجى من سياسيٍّ حقيقة؟
وهكذا بلادنا، فكلنا يشتكي ذات الشكوى، وكلنا يعرف الحل، ولا حل.
كان الكاتب والشاعر إسماعيل الإعيسر ومعهم الفنان الشاب الخطيب الشفيع رفقاء هذه الرحلة، وعاد يشتكي كلما وطئت إطارات الباص حفرة من حفر الطريق التي أحالت سائقي الباصات إلى لاعبي كرة مهرة، يجيدون مناورة الحفر وتخطيها. كما أشار إلى افتقار المدينة لمطار دولي، وقد تستعين أحيانًا بمطار جارتها كسلا. ورغم ذلك كان سكان القضارف متأدبين سياسيًا — وهذه ملاحظة مهمة أوردها الكاتب — فلم تثر ثائرتهم وهم الأكثر إنتاجًا ودخلًا للدولة السودانية، ولم تقم فيهم معارضة. ولعل تخالف أعراقها الشديد أضعف فيهم العصبيات السياسية، وصرفهم إلى العمل فقط.
هكذا الشين يساوق بين السياسة والمجتمع والثقافة في كتاباته، يمزج بينها مزجًا يصعب انحلاله، ودأبه هذا يدل على تفسُّح الرجل في مختلف المجالات وقوة عارضته فيها.
ومن هنا لا يبدو انتقاله إلى ذكر الشاعر عبد المنعم عبد الحي انتقالًا عارضًا، بل وثبة وعيٍ بين الثقافة والسياسة. فقد ورد اسمه عرضًا عند ذكر المدير التنفيذي لمكتب والي القضارف، غير أن الشين لم يلبث أن أفرد له مساحة تليق بغزارة عطائه؛ فتحدث عن أغانيه حديث العارف المتضلّع، يُحصي نصوصه، ويستدعي الأصوات التي حملتها إلى الناس.
ثم ارتفع من سيرة الرجل إلى الفكرة الكبرى: فكرة الوحدة. فرأى أن جهد المبدع المؤمن بوحدة شطري البلاد فاق، في أثره المعنوي، ما بذلته الحكومة حين رفعت شعار «الوحدة الجاذبة» عقب اتفاقية نيفاشا؛ إذ انصرفت إلى مشروعات فوقية لم تمسّ جوهر الإحساس الجمعي، ولم تُقنع الجنوب بتراضٍ ثقافي واجتماعي، فكان الانفصال. وهنا يطرح سؤاله العميق: كيف يُقنع ساسة الشمال أن المسألة مسألة هوية وبحث عن ذاتٍ ثقافية غائبة؟ فالعمران لا يرمم ما يتصدّع في المعنى، إذا لم تسنده روحٌ تصالح وجدان الأمة مع نفسها.
ومن هذه العتبة يعود إلى التاريخ؛ إلى عهد النميري والمصالحة الوطنية مع الصادق المهدي وآخرين في بورتسودان، ثم إلى اتفاقية أديس أبابا 1972 التي أُعجب بها؛ لأنها أول اتفاقٍ أقرّ الحقوق الثقافية واعترف بضرورة إدارة التنوع. فالتاريخ عنده ليس سردًا، بل مختبرًا تُقاس فيه جدوى المعالجات السياسية.
ثم يمعن في قضايا الشرق، مؤرِّخًا لقيام مؤتمر البجا في 14 أكتوبر 1957، مستفهمًا في لهجة المتأمل: أكان قيامه وليد خيبة أملٍ جديدة في كيان الختمية، على خلفية صراع الوطني الاتحادي وانشقاق حزب الشعب الديمقراطي عام 1956؟ يتريث قليلًا… ثم يقول: لا أدري. غير أن مطلب التنمية الشاملة ومحاربة ثلاثية الفقر والمرض والأمية، والدعوة إلى نظام فدرالي، يوحي بأن الأمر أعمق من مجرد خلاف حزبي؛ إنه شعورٌ مبكر بالتهميش.
ويشير إلى نجاح المؤتمر في انتخابات 1965 بحصوله على أحد عشر مقعدًا، رقمٌ يقارب ما ناله اتحاد جبال النوبة آنذاك، بما يكشف عن تشكّل وعيٍ إقليمي سياسي أخذ يتمايز عن المركز. ثم جاءت مايو فألغت الأحزاب وحلّت الإدارات الأهلية، ليعود المؤتمر بعد سقوطها بألقٍ أخفت، ولا يحصد في انتخابات 1986 سوى مقعدٍ واحد؛ تراجعٌ كبير أوجب مراجعةً داخلية لتجربة العمل السياسي في الشرق.
ويمضي إلى مرحلة التحالفات المسلحة، ناقلًا حديث لام أكول عن تنسيق مؤتمر البجا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وضم مقاتليه إلى معسكرات الجيش الشعبي، في إطار «لواء السودان الجديد» الذي شكّله جون قرنق عام 1996 بالجبهة الشرقية، وأسند قيادته العسكرية إلى باقان أموم. ويُبرز دور أبناء البجا في إسناد هذا اللواء، حتى تمكّن من قطع الطريق القومي بورتسودان – الخرطوم وتهديد كسلا واحتلال همشكوريب. غير أن التحالف لم يدم؛ إذ انسحبت الحركة الشعبية عام 2004، وبدأت مفاوضاتها مع المؤتمر الوطني، بينما ظلت مطالب البجا دون الاستجابة المأمولة، مع بروز تنازعٍ تمثيلي مع الحزب الاتحادي الديمقراطي.

ثم يقف عند أحداث 26 يناير 2005 في بورتسودان، حيث قُدمت مذكرة مطلبية باسم إنسان الشرق، فقوبلت بعنفٍ أفضى إلى مجزرةٍ راح ضحيتها عشرات من أبناء البجا. كانت المأساة نقطة تحوّل، سلّطت الضوء على قضيتهم، ومهّدت لاتفاقية سلام الشرق الموقعة في أسمرا في 14 أكتوبر 2006، التي منحت قادة جبهة الشرق مناصب دستورية، وتضمّنت مشروعات طرق استراتيجية عدّها الكاتب مكسبًا للإقليم، وإن لم تُنهِ جذور الأزمة.
وفي قلب بورتسودان يطرح السؤال الأبسط والأكثر إيلامًا: كيف يحصل الناس على ماءٍ صالح للشرب، والشرق يعوم على موارد ضخمة؟ ما نصيب الإنسان البجاوي من ذهب أرياب، ومن دخل الميناء؟ سؤال العدالة يعلو هنا فوق كل خطاب.
ولا يغفل المؤلف قضية تحديث الموانئ؛ فيرى أن التطوير التقني ضرورة، شريطة أن يصحبه تأهيلٌ للعمال، حتى لا يُتخذ التحديث ذريعة لإقصائهم، ولا تُتخذ مقاومته ذريعة لإبقاء الميناء أسير الماضي. فالنهضة عنده شراكةٌ بين الإنسان والآلة، لا صراعٌ بينهما.
ثم يعود إلى فكرته المركزية: الاستثمار في الإنسان. فالأرض والبنية التحتية على أهميتهما لا تغنيان عن تعليمٍ كريم، وبيئةٍ تحفظ الكرامة، وتمكينٍ حقيقي لأهل الإقليم من خيرات أرضهم.
ويفتح نافذةً على الغناء البجاوي، مستضيئًا بملاحظاته وملاحظات باحثين، ومتوقفًا عند الشاعر أوهاج أونور الذي جمع بين الرسالة الفنية والدعوة إلى وحدة كيان الشرق وترقية خدماته. ثم يعدد أعلام الإبداع من الشرق: محمد عثمان كجراي، والنور عثمان أبكر، وحسين بازرعة، وأبو آمنة حامد، وعبد الوهاب هلاوي، وإسحق الحلنقي، وعبد الكريم الكابلي، وروضة الحاج، ويخصّ إركة محمد صابر بصفة «الشاعر الرسالي»؛ إذ جعل شعره وقفًا على قضايا النضال وكرامة البقاء في الشرق الكبير. غير أن حاجز اللغة ظل عائقًا أمام انتشار الإبداع البجاوي خارج محيطه.
ويتذكر الكتاب المدرسي «أصدقائي في السودان»، الذي كان نافذةً صغيرة على تنوع البلاد، قبل أن يُسحب من المنهج، كما يستعيد مشروع الجزيرة، درة المشاريع التي أنشأها الإنجليز، وكيف أفسدتها المحاباة وسوء الإدارة.
ومن أمتع فصول الكتاب حديثه عن جماليات الوصف في البيئة البجاوية؛ حيث لا تُشبَّه المرأة بالوردة أو الغصن المتأود، فالصحراء لا تعرف تلك الصور، بل تُستعار التشبيهات من عناصر البيئة: من الحية الطرية في انسيابها، ومن السحابة السوداء في انهمارها. بيئةٌ تلد بلاغتها من تربتها، وتمنح العربية أفقًا تصويريًّا جديدًا لو أحسنّا الإصغاء إليه.
ويختم بعادات القوم، من مجانبة اختلاط الرجال بالنساء، إلى طقوس القهوة وأطعمتهم، في صورةٍ اجتماعية تكمل المشهد الثقافي والسياسي.
هكذا يظل محمود الشين، في هذا الكتاب كما في سابقيه، جامعًا بين السياسة والثقافة والمجتمع، لا يكتب عن مدينةٍ أو إقليمٍ إلا أحاط به إحاطة العارف، بعمقٍ واستنارةٍ وإنصاف. وفي جعبته الكثير، ينتظر تمام النضج، ليضيف صفحةً أخرى إلى دفتر الوطن.

قاسم نسيم حماد حربة
gasim1969@gmail.com

عن د. قاسم نسيم حماد حربة

شاهد أيضاً

يوغندا، مشاهد ومواقف نقتدي بها

د. قاسم نسيمgasim1969@gmail.com كثيرون خرجوا من ديارهم ساعتئذ، لأول الهول، وما يدرون أين ستستقر بهم …