من أرشيف بابي “ومع ذلك”

الإسلاموعربية .. تاني

أرجو أن يتدبر الحاملون على الثقافة العربية جيداً إن كانوا راغبين في المضي في حملتهم هذه إلى حدودها المنطقية وهي أبلسة حملتها وصيدهم صيد الساحرات متي استوى لهم الأمر وأصبح بيدهم الحل والعقد. وأول صيد الساحرات نفي المستهدف عن اسمه ورسمه. فقول المستهجنين لحملة الثقافة العربية الإسلامية أنهم بغير فرز “إسلاموعروبيون” من باب تذليل مهمة إقصائهم وتصفيتهم في يوم قريب.

بل بدا لي من بعض المناقشات حول المتنبي أن هناك من يعد الحطب لحرق بعض إرثه لخوضه فيما لا يرضي عداة الإسلاموعربية. ولو فعل الناس جميعاً ذلك بإرثهم لما تبقي من المواريث إلا لماماً. وسيكون أول حطب النار الدستور الأمريكي. ففي مناسبة مرور 50 عاماً علي ذكرى قضية (بروان ضد مكتب التعليم)، التي قضت بلا دستورية تعليم البيض بانفصال عن السود، قال مولانا برير، عضو المحكمة العليا الأمريكية، أن المادة 14 من الدستور غطت البيض بحماية القانون دون السود. وقال إن عظمة حكم المحكمة العليا أنه مدد مظلة حماية القانون لتشمل السود منذ 50 عاماً فقط.

الثقافة العربية الإسلامية كيان خطابي بحر وخضم متلاطم. ولم نر منه بعد في السودان سوى واحدة من أبأس نسخه وهي التي يتوسل بها الحاكم لتسويغ حكمه. وقد سميتها في موضع آخر ب”البلدوية” نسبة إلى المرحوم علي بلدو الذي كان أول من زج بالدين لإدارة المديرية الاستوائية في عهد المرحوم عبود في أوائل الستينات. ولم يحتج بلدو لينظر لأبعد من عهد الإنجليز ليؤسس هذه السياسة. فالبلدوية هي عكس بسيط لسياسة سلفه الإنجليز. فقد قصر الإنجليز الجنوب على تعلم الإنجليزية والتدين بالمسيحية. وأرادت البلدوية أن تقصر الجنوبيين على تعلم العربية والإسلام. ثم توسع نميري والبشير في البلدوية كما هو مشاهد.

ووجب التذكير مع ذلك أن الجنوب لم يكن هو ميدان البلدوية الحيوي. فساحة البلدوية الجد كانت في الشمال وبانت أسنانها فيه أولاً. فقد انعقدت البلدوية للدولة بشكل أدق في حربها للحركة الجماهيرية والشيوعية الشمالية بالأساس بعد ثورة أكتوبر 1964. فقد جاءت هذه الثورة بجذرية في المقاصد والوسائل أخملت الفكرة الأزهرية الوطنية المجردة. ولعزل الشيوعيين احتاجت الفكرة الوطنية لترتدف الدين حفاظاً على شرعيتها وقيادتها. ووجدت الحركة الإسلامية الطرفية هذا الشق ووسعته. وهذا فصل في “تديين الدولة” مهجور في خطاب ومباحث اليوم (من يريد أن يتكلم عن القشيرية في منابر الغرب؟ ومن يريد عكننة مانحي الزمالات ومال البحث ومدبري المنتديات بحديث القشيرية؟ من؟). فراج أن هذا التديين مما قصد به الجنوب لا غير. وهذا غلط. فلم تشفع لعبود بلدويته عند المسلمين في الشمال. فقد عارضوه وألحوا عليه أن مشكلة الجنوب مسالة سياسية وحلها يقع في حيز السياسة. ولم يشذ عن ذلك حتى الإخوان المسلمين (ممن كان الدستور الإسلامي شغلهم الشاغل) الذين لم يقبلوا بعبود لمجرد خروجه مجاهداً باسم الدين في الاستوائية. إن أسنان البلدوية بانت في الشمال قبل الجنوب. . . وماتزال.

البلدوية هي ثقافة عربية إسلامية في حدها الإداري. استصحبت لمهمة التبشير بالعروبة والإسلام المعاهد العلمية وأكثرت منها في الجنوب. ولم يكن أبناء الشمال أنفسهم يقبلون بالدراسة بالمعاهد العلمية إلا مضطرين لزراية الدولة بها. وهي زراية موروثة من الإنجليز. كما أزرت البلدوية، الثقافة العربية في حدها الإداري، بحملة الثقافة العربية الإسلامية ممثلين في مدرس اللغة العربية والدين الإسلامي والقاضي الشرعي. فمن جهة المرتب فقط تساوى القاضي الشرعي مع زميله المدني في 1967 بعد نضال نقابي ومشائخي ذكي (أنظر كتابي “الشريعة والحداثة”). وهو نفس العام الذي نالت فيه النساء أجراً مساوياً للرجال للعمل المتساوي. أما معلمو العربية والدين فقد ناضلوا حتى الثمانينات للتساوي مع معلمي المواد الحديثة. ودونك كتاب المرحوم عبد الله الشيخ البشير المعنون “فيض الخاطر” لتري آيات هذا الجهاد في حتى دولة النميري التي تبجحت بالإسلام وجعجعت بالعروبة طويلاً. فأي دولة، ناهيك عن دولة تزعم الإسلام والعروبة، ترضي بتحقير مستخدمين فيها مثل هذا التحقير.

قال رجل من جنوب النوبة محتجاً على حكم من قاض شرعي: “أهذا الإسلام؟ هذا إسلام الحكومة وبوليس كادوقلي.” وهذه صفة البلدوية. والعربية بحر. والإسلام محيط. ومن قصد البحر استقل السواقيا.

ibrahima@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

من اين جاء هؤلاء الكابلي؟

جلسة للوطن: شاملة جامعة النجبا اللباب طلب مني اتحاد الكتاب السودانيين في فبراير 1989 أن …