مختار العوض موسى
جاءت توجيهات عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني بتكوين لجنة عليا لإسناد التعليم في البلاد، إلى جانب توجيهاته بصرف متأخرات خمسة أشهر للمعلمين بولاية الخرطوم وصيانة مطبعة وزارة التربية والتعليم المعنية بطباعة الكتاب المدرسي، خطوة مهمة تعكس إدراكاً متزايداً لحجم التدهور الذي أصاب القطاع التعليمي خلال سنوات الحرب. صحيح أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، لكن الحكمة الشعبية تقول ” أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً”.
إلا أن حجم الدمار الشامل الذي لحق بالعملية التعليمية في البلاد يضع هذه اللجنة أمام اختبار تاريخي حقيقي، فالقضية لم تعد مجرد معالجة اختلالات إدارية أو مالية، بل أصبحت مسألة إنقاذ جيل كامل من الضياع المعرفي والتربوي.
لقد كشفت الحرب هشاشة البنية التعليمية في البلاد؛ فالمدارس أُغلقت في مناطق واسعة، والجامعات تعطلت أو نزحت إلى مدن أخرى، والمعلمون أنفسهم أصبحوا ضحايا للأوضاع الاقتصادية القاسية؛ كما تحولت كثير من المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، وهو أمر يعكس حجم المأساة الإنسانية التي فرضتها الحرب على المجتمع.
وفي ظل هذه الصورة القاتمة، فإن مهمة لجنة إسناد التعليم يجب ألا تقتصر على إجراءات إسعافية قصيرة المدى، بل ينبغي أن تتحول إلى منصة لوضع رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء التعليم في السودان على أسس جديدة أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
أول التحديات التي تواجه التعليم هو التدمير الواسع للبنية التحتية التعليمية؛ فعدد كبير من المدارس تعرض للتخريب أو الإهمال، بينما تحتاج مدارس أخرى إلى إعادة تأهيل شامل؛ ولا يمكن استعادة العملية التعليمية دون خطة وطنية لإعادة إعمار المؤسسات التعليمية وتوفير بيئة مدرسية آمنة وصالحة للتعلم.
أما التحدي الثاني فيتمثل في أوضاع المعلمين؛ فالمعلم هو حجر الزاوية في أي نظام تعليمي ناجح، غير أن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها كثير من المعلمين دفعت البعض إلى ترك المهنة أو البحث عن مصادر دخل بديلة؛ ولذلك فإن تحسين أوضاع المعلمين المادية والمهنية ينبغي أن يكون في صدارة أولويات الإصلاح التعليمي.
التحدي الثالث هو الفاقد التعليمي الهائل الذي خلفته الحرب؛ فآلاف الطلاب انقطعوا عن الدراسة لفترات طويلة، وبعضهم قد لا يعود إلى المدرسة مطلقاً إذا لم توضع برامج عاجلة لمعالجة هذا الفاقد، مثل برامج التعليم التعويضي والدعم النفسي والتربوي للطلاب المتأثرين بالحرب وتقديم تسهيلات لهم.
أما التحدي الرابع فيتعلق بالمناهج التعليمية نفسها؛ فالعالم يتغير بسرعة هائلة، بينما لا يزال التعليم في كثير من الأحيان يعتمد على أساليب تقليدية تقوم على الحفظ والتلقين؛ ولذلك فإن إصلاح المناهج يجب أن يركز على تنمية التفكير النقدي والمهارات العلمية والتكنولوجية التي يحتاجها الطلاب في القرن الحادي والعشرين.
ويبرز التحدي الخامس في ضعف التمويل المخصص للتعليم؛ فالدول التي نجحت في تحقيق نهضتها جعلت التعليم في مقدمة أولوياتها الوطنية، بينما عانى التعليم في السودان لسنوات طويلة من محدودية الموارد وضعف الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
ويتمثل التحدي السادس في الفجوة التعليمية بين الأقاليم؛فكثير من المناطق الريفية تعاني أصلاً من ضعف الخدمات التعليمية، وقد زادت الحرب من اتساع هذه الفجوة، مما يتطلب سياسات تعليمية تراعي العدالة في توزيع الفرص التعليمية بين مختلف مناطق البلاد.
أما التحدي السابع فهو مواكبة التحولات العالمية نحو التعليم الرقمي الذي أصبح اليوم جزءاً أساسياً من منظومة التعليم الحديثة، ويمكن أن يشكل فرصة مهمة للسودان لتوسيع فرص التعلم والوصول إلى المعرفة، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف المؤسسات التعليمية التقليدية؛حيث لم تعد نهضة الدول في عصرنا الحديث تقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية فحسب، بل بقدرتها على امتلاك المعرفة وتوظيف التكنولوجيا في خدمة التنمية؛ فالعالم يشهد اليوم ثورة رقمية هائلة أعادت تشكيل الاقتصاد والتعليم وأنماط الحياة، وأصبح التعليم الرقمي من أهم ركائز الاقتصاد العالمي الجديد؛ فلنهتم به لتجاوز كثير من التحديات التي واجهت نظامنا التعليمي لعقود طويلة، فالتكنولوجيا تتيح إمكانات واسعة لنشر المعرفة وتوفير التدريب المتخصص دون التقيد بالحدود الجغرافية أو الإمكانات التقليدية للمؤسسات التعليمية؛ كما أن هذا التوجه يفتح آفاقاً جديدة لعمل الشباب في مجالات البرمجيات والخدمات الرقمية التي يمكن تقديمها للأسواق العالمية.
ولتحقيق هذا الطموح نحتاج لعدد من المقومات الأساسية، من بينها تطوير البنية التحتية الرقمية، وتحسين خدمات الإنترنت، وتحديث المناهج التعليمية بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الرقمي، إلى جانب دعم البحث العلمي وتشجيع الابتكار في الجامعات ومراكز التدريب.
إن مواجهة تحديات التعليم في بلادنا تتطلب رؤية شجاعة تعيد تعريف التعليم باعتباره قضية أمن قومي لا تقل أهمية عن القضايا السياسية أو العسكرية. فالدول لا تُبنى بالجيوش وحدها، بل تُبنى بالعقول التي تتشكل في المدارس والجامعات.
ولذلك فإن نجاح لجنة إسناد التعليم لن يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها، بل بقدرتها على تحويل هذه اللحظة الصعبة إلى نقطة انطلاق نحو إصلاح تعليمي حقيقي يعيد الأمل إلى ملايين الطلاب السودانيين؛ فالتعليم ليس مجرد قطاع خدمي، بل هو المشروع الأكبر لبناء المستقبل؛ وإذا ضاع التعليم ضاع معه مستقبل الأجيال القادمة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع هذه اللجنة أن تتحول من مجرد لجنة إدارية إلى مشروع وطني لإنقاذ التعليم في السودان؟
والله من وراء القصد.
mokhtaralawad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم