السؤال الذي يخشاه “بيان بورتسودان”

نزار عثمان السمندل

توترٌ ظاهر في لغة السلطة. بيانٌ خرج من بورتسودان يحمل مطلباً بتصنيف قوات الدعم السريع تنظيماً إرهابياً. كلمات تبدو في ظاهرها امتداداً طبيعياً لحرب تمزق البلاد، غير أن القراءة المتأنية تكشف درجة أعمق من القلق السياسي داخل السلطة السودانية بعد القرار الأميركي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً.

سجل قوات الدعم السريع مثقل بانتهاكات جسيمة ضد المدنيين. تلك حقيقة راسخة في تقارير المنظمات الدولية وفي ذاكرة المدن التي ذاقت أهوال الحرب. الخراب الذي أصاب الخرطوم ودارفور ومدناً كثيرة يضع هذه المليشيا المسلحة في دائرة مساءلة أخلاقية وقانونية لا لبس فيها. هذه الحقيقة قائمة بذاتها، ولا تغير طبيعة السؤال الذي فتحه القرار الأميركي حول بنية السلطة في السودان.

القرار الأميركي أصاب منطقة حساسة في الجسد السياسي للدولة. تاريخ طويل من التداخل بين المؤسسة العسكرية وشبكات الإسلام السياسي عاد فجأة إلى دائرة الضوء. سلطة بورتسودان وجدت نفسها أمام سؤال ثقيل عن طبيعة تكوينها وعن المسافة التي تفصلها فعلاً عن النظام الذي بناه عمر البشير مع الإسلاميين طوال ثلاثة عقود.
رد الفعل جاء سريعاً. البيان دفع النقاش باتجاه الخصم العسكري الحاضر في الميدان. لغة الاتهام ارتفعت، ومصطلح الإرهاب دخل السجال باعتباره عنواناً للصراع. حركة الخطاب بدت محاولة واضحة لتبديل مركز الضوء في النقاش الدولي. سؤال النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات الدولة تراجع في النص، وحل مكانه توصيف الحرب على أنها مواجهة مع تنظيم إرهابي.

الخطاب السياسي هنا يكشف طبيعة اللحظة. دولة تخوض حرباً مفتوحة، وسلطة تسعى إلى تثبيت رواية تمنحها الشرعية في نظر العالم. الكلمات تتحول إلى أدوات دفاع. المصطلحات القانونية تصبح جزءاً من المعركة السياسية. مفهوم الإرهاب يغدو أداة في حرب الروايات بقدر ما يمثل توصيفاً قانونياً لجماعة أو قوة مسلحة.

تفاصيل المشهد داخل السلطة تضع هذا الخطاب تحت عدسة أكثر قسوة. تركيبة الحكم في بورتسودان تحمل أسماءً ارتبطت طويلاً بمسار الإسلام السياسي في السودان. وزير المالية جبريل إبراهيم موضوع على لائحة العقوبات الأميركية على خلفية صلاته بالحركة الإسلامية وارتباطات مالية وعسكرية تعود إلى سنوات النظام السابق. جهاز المخابرات يقوده الفريق أحمد إبراهيم مفضل، أحد الأسماء التي تشكلت داخل منظومة الحكم في عهد البشير.
حضور هذه الشخصيات في قلب السلطة يطرح سؤالاً عميقاً عن طبيعة القطيعة مع الماضي. الدولة التي تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها مرحلة جديدة تواجه مهمة معقدة تتعلق بإقناع العالم بأن إرث الإسلام السياسي خرج فعلاً من مؤسساتها. التاريخ القريب يقف شاهداً ثقيلاً فوق الطاولة.
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يقود السلطة في لحظة حرب وانقسام واتهامات دولية. العقوبات الأميركية التي طاولته تضيف طبقة أخرى من التعقيد. صورة السلطة في الخارج تتشكل تحت ضغط الحرب وملفات حقوق الإنسان ومسار الانتقال السياسي المتعثر.

الروايات المتداولة في الأوساط الدولية تتحدث عن دور لعبته شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية في دفع البلاد نحو المواجهة العسكرية. تلك الروايات تمنح الحرب بعداً يتجاوز صراعاً بين جيش وتمرد. السودان يظهر في أعين كثيرين ساحة صراع بين بقايا نظام قديم ومحاولات إعادة تشكيل السلطة.
بيان بورتسودان يدخل هذه الدوامة باعتباره وثيقة سياسية قبل أن يكون موقفاً قانونياً. اللغة التي اختارها تكشف رغبة في الإمساك بالمبادرة في معركة الروايات.
الحروب الحديثة تُدار بالكلمات بقدر ما تُدار بالمدافع. الشرعية الدولية تُبنى في فضاء الخطاب مثلما تُبنى في ساحات القتال.

مدن السودان دفعت ثمناً فادحاً من دم أبنائها تحت نيران هذه الحرب. انتهاكات قوات الدعم السريع حاضرة في ذاكرة الضحايا وذويهم، مثلما يحضر إرث النظام القديم داخل مؤسسات الدولة.
المأساة السودانية أوسع من رواية طرف واحد، وأعمق من بيان سياسي يبحث عن موقع في معركة المرويات.
مستقبل البلاد يتطلب قطيعة حقيقية مع منطق المليشيا ومع شبكات السلطة القديمة معاً، وفتح أفق سياسي جديد يعيد للدولة معناها وللمواطنين حقهم في وطن لا تحكمه البنادق ولا تسيّره التنظيمات المغلقة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميع

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميعفي مواجهة خطاب يشرعن اغتيال خالد سلكنزار عثمان السمندل لغةُ …