نزار عثمان السمندل
عام ثالث تُطوى صفحته بصوت المعدن لا صوت السياسة. دخان المدن يعلّق على سماء الخرطوم، وخراب الأطراف يتمدّد كحكاية تاهت عنها خاتمتها.
حرب بدأت كاشتباك على السلطة، ثم أخذت شكلها الأوسع؛ في صراع على معنى الدولة نفسها، وعلى من يملك الحق في تمثيلها حين تتكسر مؤسساتها وتُستنزف مواردها.
القتال الذي اندلع في أبريل 2023 لم يعد قابلا للوصف كجولة بين قوتين واضحتين. الزمن فعل فعله، فزاد عدد البنادق وتبدّلت طبيعة الميدان. قتال الشوارع الذي طبع البدايات تراجع لصالح سماء مزدحمة بطائرات صغيرة، تراقب وتضرب وتتوارى. حربٌ تتعلّم الاقتصاد في الخسائر المباشرة، وتستعيض عنه بإنهاك بطيء يطال كل شيء؛ البشر، والبنية، والقدرة على الاحتمال.
توازن القوة، ذلك الذي يمنع الانتصار السريع، صار هو القاعدة. كل طرف يملك ما يكفي للصمود، ولا يملك ما يكفي للحسم. خطوط التماس لا تثبت طويلا، لكنها لا تنهار أيضاً. تبدّل المواقع يجري ببطء، أشبه بتآكل لا يُرى بالعين المجردة، بينما الكلفة الإنسانية تُرى وتُحصى وتُضاف إلى سجل يثقل يوماً بعد يوم.
المشهد لم يعد ثنائياً. دخول فاعلين جدد، وفي مقدمتهم الحركة الشعبية ـ شمال، أعاد تشكيل المعادلة. تعدد الجبهات فتح أبواباً لم تكن في الحسبان، من دارفور إلى كردفان وصولاً إلى النيل الأزرق. كل جبهة تحمل منطقها الخاص، وحساباتها، وتحالفاتها التي لا تُعلن دائماً. الإقليم يراقب ويتدخل بطرق مختلفة، والسلاح يجد طريقه إلى أيدي المحاربين، كأنه جزء من الجغرافيا لا من السياسة.
في هذا المناخ، تتراجع قدرة الدبلوماسية على الإمساك بالخيوط. المبادرات تتكاثر، لكن أثرها يتبدد أمام وقائع الميدان. الاجتماعات تنتج بيانات، والبيانات تعود إلى الأدراج، فيما الطائرات المسيّرة تعيد كتابة المعادلات على الأرض. الحديث عن تسوية يبدو أحياناً كأنه قادم من زمن آخر، زمن كانت فيه السياسة تسبق الرصاص.
ومع ذلك، تبقى احتمالات الاختراق قائمة. ضغط دولي يتصاعد كلما اتسعت المأساة، ووعي متزايد بأن استمرار النزاع يهدد الإقليم بأكمله. هدنة إنسانية قد تُفرض، أو مسار تفاوضي قد يُفتح على عجل، بدافع الخوف من انهيار شامل. غير أن هذه الفرضيات تصطدم بحقيقة مرة، مفادها أن الأطراف المقاتلة لم تصل بعد إلى القناعة التي تدفعها إلى التراجع خطوة واحدة.
السيناريو الأكثر قتامة لا يحتاج إلى خيال واسع. إنهاك طويل يضرب البنية الداخلية للقوتين، فيفتح الباب أمام حرب استنزاف عمادها الانشقاقات والتفكك، حيث تعود الولاءات إلى أصلها الأول، سواء كانت قبيلة، منطقة، أو رابطة ضيقة تبحث عن حماية ذاتها. عندها، يتغير شكل الحرب من صراع على الدولة إلى صراعات داخل الدولة، فتتوزع الأرض بين قوى أصغر، لكل منها علمها وسلاحها وخطابها.
سلاح المسيّرات يلعب دوراً محورياً في هذا التحول. القدرة على الضرب من مسافة، واستهداف البنية التحتية، وإرباك الدفاعات، تمنح الأطراف أدوات جديدة للاستنزاف. المطارات، محطات الكهرباء، ومرافق الحياة اليومية تتحول إلى أهداف، ليس فقط لإضعاف الخصم عسكرياً، وإنما لزيادة الضغط الاقتصادي والاجتماعي. الحرب هنا تتجاوز الجبهات، لتدخل في تفاصيل الحياة اليومية.
توزع السيطرة الحالي يرسّخ واقعاً صعباً. الجيش يمسك بالمركز والشمال والشرق، بينما تتمدد مليشيا الدعم السريع في الغرب، لاسيما في دارفور. هذا التوزع لا يُعلن كتقسيم، لكنه يُمارس كحقيقة يومية. إدارات موازية تظهر، وسلطات محلية تفرض نفسها، وكأن البلاد تنزلق نحو شكل من الانقسام غير المعلن، الذي يتغذى على استمرار القتال.
المناطق التي كانت تُعد بعيدة عن الخطر ما عادت كذلك. الطائرات المسيّرة قادرة على الوصول، والرسائل العسكرية لم تعد تحتاج إلى جبهة مفتوحة. هذا الاتساع في رقعة الاستهداف يرفع منسوب القلق، ويجعل كل مكان قابلاً لأن يكون ساحة. المدنيون يدفعون الثمن الأكبر، كما جرت العادة في الحروب الطويلة، حيث تختلط خطوط القتال بحياة الناس.
الحدود بدورها لم تعد خطوطاً صامتة. التوترات على الأطراف تفتح الباب أمام احتمالات تدخلات أوسع، بدافع حماية المصالح أو منع امتداد الفوضى. الإقليم يراقب بحذر، لكنه يدرك أن النار التي تستمر طويلاً يصعب حصرها داخل حدود مرسومة على الورق.
ثلاثة أعوام كانت كافية لتغيير شكل الدولة، وإعادة تعريف الصراع، وخلق واقع جديد على الأرض. العام الرابع يطل محمّلاً بالأسئلة نفسها، لكن بإجابات أكثر قتامة. الحرب تحولت من حدث طارئ، إلى بنية قائمة بذاتها، تنتج منطقها وتعيد إنتاج شروط استمرارها.
في مؤتمر برلين، المقام تزامنا مع في ذكرى اندلاع الحرب التي أغرقت ملايين السودانيين في الجوع والفقر المدقع، تعهد المانحون بتقديم 1.5 مليار دولار على شكل مساعدات، وقدموا كلمات تحض على إنهاء الكابوس، وتحذيرات من تداعيات تتجاوز السودان. الصوت الدولي حاضر، لكنه يبدو بعيداً عن صخب الميدان. بين قاعة المؤتمرات وضجيج الطائرات المسيّرة، مسافة تختصر مأزق العالم مع هذه الحرب: إدراك حجم الكارثة، وعجز عن إيقافها.
يدخل السودان عامه الرابع في هذا المسار المفتوح. بلد تتنازعه القوى، ويثقل كاهله النزوح والجوع، ويبحث عن مخرج لا يظهر بعد في الأفق. الزمن هنا لا يُقاس بالتقويم، يُقاس بقدرة الناس على البقاء، وقدرة الحرب على الاستمرار.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم