ورقة مخفية!!

الجريدة هذا الصباح…
حقق مؤتمر برلين أهدافه الإنسانية والسياسية، ولكن هل ستكون منصته محطة انطلاق لمحاسبة المتورطين في الحرب، ونداءً للمحكمة الجنائية الدولية لتحقيق العدالة قريباً!!
أطياف
صباح محمد الحسن
ورقة مخفية!!
طيف أول:
أيها الشعب،
أنت وحدك من يمنح الوطن معراجه،
لا شيء يشبهك،
سوى القصائد الثائرة!!
وأهم ما ميّز مؤتمر برلين عن غيره من المؤتمرات السابقة، بجانب توسيع دائرة المشاركة وقيمة التعهدات المالية التي بلغت 1.3 مليار يورو (حوالي 1.5 مليار دولار أمريكي) لدعم الاستجابة الإنسانية، وأن هذا الرقم يُعد أكبر تعهد مالي منذ بداية الحرب قبل ثلاث سنوات. كما شهد المؤتمر زيادة في الجرعة السياسية، وعمقاً في التسمية “مؤتمر برلين لأجل السودان” مقارنة بمؤتمر باريس “المؤتمر الدولي حول السودان ودول الجوار”.
ورغم ذلك، فإن أهم ما جعل برلين مختلفاً هو مشاركة المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك لأول مرة، إذ لم تتم دعوته في مؤتمري باريس ولندن، وهو ما يعكس أن برلين قصدت أن يكون للمؤتمر اتجاهاً دولياً نحو ربط الدعم الإنساني بالضغط القانوني والسياسي على طرفي الصراع، من خلال تسليط الضوء على جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، وليس فقط على الاحتياجات الإنسانية.
فكلمة المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في مؤتمر برلين كانت بالفعل من أهم الكلمات، لأنها كسرت النمط التقليدي للحديث عن “المساعدات الإنسانية” فقط، ووضعت الأزمة السودانية في إطار قانوني وأخلاقي دولي، وأعادت النقاش إلى جوهر الأزمة: أن القضية ليست مجرد نقص غذاء ودواء، بل جرائم دولية تستوجب المحاسبة.
ووصف الرجل الوضع في السودان بأنه كارثة إنسانية غير مسبوقة، مع جرائم قتل جماعي، وعنف جنسي، وتهجير قسري. وشدد على أن المجتمع الدولي لا يمكنه الاكتفاء بالتمويل، بل يجب أن يتحرك لحماية المدنيين بشكل مباشر. ولم يكتف بذلك، بل طالب بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يطيل أمد الحرب، ودعا إلى فرض حظر شامل على تدفق الأسلحة إلى السودان.
وكانت رسائله قوية بأن الأزمة ليست فقط “مأساة إنسانية”، بل هي أيضاً قضية عدالة ومساءلة دولية.
إذن يمكننا أن نستدعي السؤال معاً: هل يمكن أن يكون مؤتمر برلين منصة نداء دولي موجَّه نحو المحكمة الجنائية الدولية، أو على الأقل نحو آليات المساءلة القانونية؟
فالمفوض شدد في كلمته على أن الجرائم المرتكبة في السودان هي جرائم دولية جسيمة (قتل جماعي، عنف جنسي، تهجير قسري)، وهذه كلها تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. حتى دعوته إلى حظر السلاح ومحاسبة المسؤولين تعني أن المجتمع الدولي بدأ يربط الأزمة السودانية بمسار العدالة الجنائية، لا فقط بالعمل الإنساني.
وقد كان لهذه الكلمة أثر واضح على مخرجات المؤتمر، إذ استشهد وزير الخارجية الألماني مباشرة بمطلب تورك حول حظر الأسلحة. لذلك فإن كلمة فولكر أعطت طابعاً وبُعداً قانونياً، ووضعت المؤتمر أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية، لا مجرد التزامات مالية، وهو ما يجعلها نقطة تحول في المؤتمر.
فلغة الخطاب للمفوض دعت إلى وضع الأطراف أمام مسؤولية قانونية، وهذا يفتح الباب أمام خطوات لاحقة قد تشمل دعم تحقيقات أممية، أو الدفع نحو إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن.
وكانت مشاركة فولكر رسالة ضمنية للمجتمع الدولي ألا يكتفي بالمال، بل يضغط على طرفي الصراع عبر الجرائم والانتهاكات التي ارتكبوها. لذلك فإن القراءة للورقة الخفية في هذا المؤتمر هي نية المجتمع الدولي للتقدم بخطوة في اتجاه وضع ملف السودان على طاولة العدالة الدولية قريباً، بعد أن كان التركيز في باريس ولندن منصباً على التمويل الإنساني فقط.
وأبقى معي لنقرأ ما قاله عبد الله حمدوك، فأهم ما ذكره رئيس الوزراء السابق عن برلين هو قوله: “إن هناك إرادة دولية صادقة وخطة موثوقة لإنهاء الحرب وكسر حلقة العنف في السودان”، وهو ما يعني أن هناك خطة متكاملة تتم بهدوء من جهات مختلفة لإنهاء هذه المهزلة.
حتى عملية توسيع إشراك المدنيين في المؤتمر، التي شملت الكتلة الديمقراطية، لم تكن صدفة، فالدول الأوروبية قصدت أن تقدم لها الدعوةلتوسيع دائرة المشاركة السودانية لكي تعطي شرعية إضافية لأي مسار قانوني قادم.
ومن المتوقع أن يرفع المفوض السامي لحقوق الإنسان تقارير مفصلة إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة، لتُستخدم هذه التقارير كأساس قانوني لإثبات الجرائم الدولية، سواء كانت جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وأن مجلس الأمن يمكنه أن يصدر قراراً بإحالة الملف السوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية (كما حدث مع دارفور عام 2005). وإذا تعذّر ذلك، يمكن أن يتم إنشاء آلية تحقيق مستقلة لجمع الأدلة وتحضير ملفات المحاسبة.
ولهذا السبب رفضت ألمانيا مشاركة الأطراف المتحاربة والحكومة الكيزانية، باعتبارها تنظر إليهم كأطراف منتهكة لحقوق الإنسان، وأعدت العدة في المؤتمر للمساءلة، فلا يمكن للمفوض السامي أن يشدد على المحاسبة والعدالة بحضور وإشراك من يُتهمون بارتكاب الجرائم.
وجاء بيان تحالف “صمود” حول الوثيقة المشتركة لوقف الحرب متسقا مع هذا الاتجاه عندما قال إنه يولي الوثيقة اهتماماً خاصاً بمسألة العدالة، من خلال الدعوة إلى إطلاق عملية شاملة للعدالة والعدالة الانتقالية، تضمن عدم الإفلات من العقاب، وإنصاف الضحايا، وتحقيق المصالحة الوطنية على أسس عادلة ومستدامة.
طيف أخير:

لا_للحرب

فشلت الفلول كعادتها في هزيمة مؤتمر برلين عبر التظاهر المدفوع، وأكدت للعالم ما كان يجب أن تنفيه: أنها حريصة على استمرار الحرب وتعرقل سبل السلام، فما كانت القوى المدنية تتهمه بها وتصدره للخارج، ذهبت هي لتثبته بنفسها!!

عن صباح محمد الحسن

صباح محمد الحسن

شاهد أيضاً

القافلة تسير

الجريدة هذا الصباحمشاركة “صمود” في مؤتمر برلين وتقديمها لمسودة تسهم في الحل تعني هزيمة واضحة …