رافضو مؤتمر برلين؛ عِنادُ العقول، وفقرُ الأخلاق، والتمسّكُ الأعمى بالأذى

علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com

سيكولوجيا العناد الأعمى وتاريخه
ليس أكثر إثارةً للقلق من إنسانٍ يغيّر جغرافيته ولا يغيّر وعيه؛ يبدّل عنوانه، لكن لا يبدّل بنيته الذهنية. فالهجرة، في معناها العميق، ليست انتقالاً في المكان فحسب، بل اختبارٌ قاسٍ للقدرة على مراجعة الذات. غير أن بعض البشر يعبرون الحدود كما تعبر الظلال الجدران؛ بلا أثرٍ يُذكر على جوهرهم، وارتباكٍ فكري، بلا مساءلةٍ داخلية. وهنا تبدأ المعضلة؛ جسد في فضاءٍ حر، وعقلا أسير في سجنٍ قديم.

ما حدث في برلين ليس مجرد تناقض سلوكي عابر، بل يفتح نافذةً على ظاهرةٍ إنسانية موغلة في التاريخ؛ ظاهرة أولئك الذين يرفضون الواقع الجديد حتى وهم يعيشون في قلبه، ويتمسكون بأنماط فكرية بائسة رغم سقوطها الأخلاقي والعملي. ففي التاريخ؛ حين عاندت العقول الزمن ليست كظاهرة وليدة اللحظة السودانية، ولا حتى سياق العالم العربي. فلقد عرف التاريخ نماذج صارخة لمن حملوا عقولهم القديمة إلى عصور جديدة دون أن يمسوها بشيء؛
في أعقاب الثورة الفرنسية، فرّ كثير من أنصار الملكية إلى دولٍ أوروبية أكثر استقراراً، لكنهم ظلوا هناك يحرّضون على عودة الاستبداد الملكي، رافضين كل تحولات الحرية التي أنقذتهم شخصياً من المقصلة. وبعد الحرب الأهلية الأمريكية، هاجر بعض أنصار الكونفدرالية إلى أمريكا اللاتينية، لكنهم حملوا معهم أيديولوجيا العبودية والتفوق العرقي، وظلوا يدافعون عنها حتى وهم يعيشون خارج سياقها التاريخي. وفي القرن العشرين، شكّل أنصار النازية في المنافي الأوروبية والأمريكية خلايا دعائية ظلت تمجّد نظاماً دمّر القارة التي احتموا بها، في مفارقة تكاد تختصر عبث الإنسان حين يرفض مواجهة الحقيقة.

هذه النماذج لا تختلف جوهرياً عن صورة “المهاجر الذي يسبّ الحرية من قلبها”، بل هي امتدادٌ لنفس البنية الذهنية؛ العجز عن التكيّف، والخوف من الاعتراف بالخطأ، والارتهان لهويةٍ ماضوية حتى لو كانت مدمّرة. والسؤال الملّح في علم النفس؛ لماذا يتمسك الإنسان بما يؤذيه؟ علم النفس لا يفسّر هذه الظاهرة بوصفها “غباءً” فحسب، بل يراها تركيباً معقداً من الآليات الدفاعية والانحيازات الإدراكية؛
أولها؛ التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance). حين يعيش الإنسان تناقضاً صارخاً بين واقعه (الاستفادة من الحرية في أوروبا) ومعتقده (تمجيد الاستبداد)، فإنه بدلاً من تعديل معتقده، يلجأ إلى تشويه الواقع أو إنكاره ليحافظ على تماسكه الداخلي. ثانيها; انحياز التأكيد (Confirmation Bias). إذ يبحث الفرد فقط عن المعلومات التي تؤكد قناعاته القديمة، ويقصي كل ما يناقضها، حتى لو كانت تجربته الشخصية نفسها دليلاً ضدها. ثالثها; ما يسميه بعض علماء النفس الهوية الدفاعية. حين تتحول الفكرة إلى جزء من “أنا” الإنسان، يصبح التخلي عنها أشبه بانتحارٍ نفسي، فيدافع عنها لا لأنها صحيحة، بل لأنها تمثّله. ورابعها، وهو الأخطر; الاغتراب المعكوس. حيث يشعر الفرد في المجتمع الجديد بأنه مهدّد ثقافياً أو نفسياً، فيلجأ إلى التصلّب والتطرف كوسيلة لحماية ذاته، فيتحول من مهاجرٍ باحث عن الأمان إلى حارسٍ متشنجٍ لماضٍ متخيل.

اما في الفلسفة؛ فاوجه منها كثيرة اجابت عن ظاهرة الإنسان حين يهرب من الحرية،
منذ إريك فروم في كتابه “الهروب من الحرية”، إلى جان بول سارتر في حديثه عن “سوء النية”، قدّموا قراءة أكثر عمقاً لهذه الظاهرة. فروم يرى أن الحرية ليست دائماً مرغوبة؛ فهي عبءٌ ثقيل يتطلب مسؤولية وقلقاً وجودياً. لذلك، يهرب بعض الناس منها إلى أنظمةٍ شمولية تمنحهم يقيناً زائفاً. أما سارتر، فيرى أن الإنسان قد يختار “أن يكذب على نفسه”، فيتظاهر بأنه ضحية للظروف أو تابعٌ لقوى خارجية، فقط ليتجنب مواجهة حريته ومسؤوليته عن اختياراته. بعبارة أخرى؛ بعض هؤلاء لا يرفضون الديمقراطية لأنهم لا يفهمونها، بل لأنهم يخشونها. اذا المشكلة ليست في الجهل وحده، بل في تحول الجهل إلى موقفٍ متعمد، إلى “اختيار واعٍ للعمى”. هنا، لا يعود الأمر نقصاً في المعرفة، بل خللاً في البوصلة الأخلاقية؛ أن تهرب من حربٍ، ثم تمجّدها…أن تطلب اللجوء من الاستبداد، ثم تدافع عنه… أن تتنفس الحرية، ثم تشتمها… فذلك ليس تناقضاً عابراً، بل انفصامٌ بين التجربة والوعي، بين النعمة والاعتراف بها.

اذا ليس كل من عبر الحدود قد وصل،
وليست المشكلة في أن يعيش الإنسان في أوروبا أو خارجها، بل في أن يبقى أسير ذاته القديمة وهو يظن أنه تحرر. فالهجرة الحقيقية ليست عبور المطارات، بل عبور الأفكار. التاريخ يخبرنا أن هؤلاء كانوا دائماً على الهامش؛ يصرخون ضد الزمن، ويخسرون في النهاية. وعلم النفس يخبرنا أنهم ليسوا لغزاً، بل نمطاً قابلاً للفهم. أما الفلسفة فتضع أمامنا الحقيقة الأشد قسوة؛ أن الإنسان قد يختار سجنه، حتى وهو يملك مفتاح الخروج. وهنا، لا يكون السؤال؛ لماذا يفعلون ذلك؟ بل؛ كم من الوقت يحتاجون قبل أن يدركوا أن العالم قد مضى، وأنهم وحدهم من بقوا في الخلف؟

أما مؤتمر برلين، فليس هو بالحدث العابر في رزنامة الدبلوماسية، بل لحظة اختبارٍ حقيقية لمعنى الدولة السودانية نفسها؛ هل تظل رهينة السلاح والولاءات الضيقة، أم تخرج إلى أفق السياسة بوصفها عقداً مدنياً شاملاً؟ إن نجاح هذا المؤتمر، رغم كل التعقيدات، يعني، ببساطة، فتح الباب لأول مرة منذ اندلاع الحرب لمسارٍ يُعيد تعريف السلطة على أساس المواطنة لا الغلبة، ويضع حداً لاقتصاد الحرب الذي يلتهم الأطراف قبل المركز. وهو، على وجه الخصوص، يحمل دلالة أعمق لأولئك المهاجرين القادمين من الهامش؛ من مناطق عاشت التهميش المركّب، ودُفعت دفعاً إلى النزوح ثم اللجوء. فنجاحه يعني أن القرى التي خرجوا منها يمكن أن تعود إلى الخريطة لا كضحايا، بل كشركاء؛ وأن أصواتهم التي ضاعت بين البنادق يمكن أن تجد طريقها إلى مؤسسات مدنية تمثلهم. لكنه، في الوقت ذاته، يضعهم أمام مفارقة قاسية؛ إما أن ينحازوا لمستقبلٍ قد يرمم الجرح الذي هربوا منه، أو أن يظلوا أسرى سردياتٍ تعيد إنتاج المأساة ذاتها التي اقتلعتهم من جذورهم. هنا، لا يعود الموقف سياسياً فحسب، بل أخلاقياً وجودياً؛ هل يقفون مع احتمال الخلاص، أم مع يقين الخراب الذي عرفوه جيداً؟

وعندما ننزل من سماء التحليل إلى أرض الوقائع، تتضح الصورة بلا أقنعة؛ نحن لا نتحدث عن حالة ذهنية مجردة، بل عن مشهد حيّ؛ عن متظاهرين خرجوا في عواصم أوروبية آمنة، يهتفون ضد مؤتمرٍ يسعى على علاته ونقائصه إلى وقف الحرب، وتخفيف معاناة شعبهم، وفتح نافذة لانتقالٍ مدني ديمقراطي. هؤلاء لم يجمعهم وعيٌ نقدي مستقل، بل جمعتهم رواية صيغت في بورتسودان، وحرّكتها شبكات الحركة الإسلامية التي لم تتخلّ يوماً عن مشروعها في احتكار الدولة، حتى بعد أن لفظها الواقع. المفارقة هنا ليست أخلاقية فحسب، بل وجودية؛ أن يقف إنسان في قلب مدينة أوروبية، محاطاً بقوانين تحميه، ومؤسسات تصون كرامته، ثم يرفع صوته دفاعاً عن منظومةٍ لو عادت إلى بلده لأغلقت عليه باب الحرية ذاته الذي خرج منه. إننا أمام نموذج مكتمل “للهروب من الحرية”؛ لا لأن الحرية غائبة، بل لأنها حاضرة أكثر مما يحتمل وعيٌ تربّى على الطاعة، وعلى اختزال الوطن في جماعة، والدولة في تنظيم.

هؤلاء خرجوا لا ليعارضوا “مؤتمر برلين” بوصفه حدثاً سياسياً قابلاً للنقد، بل يعارضون الفكرة التي يرمز إليها؛ فكرة أن السودان يمكن أن يُدار خارج وصاية السلاح، وخارج قبضة الأيديولوجيا. لذلك، يصبح الهجوم على المؤتمر غطاءً نفسياً لإعادة إنتاج سردية قديمة؛ أن أي مسار مدني هو مؤامرة، وأن أي دعوة للسلام هي خيانة، وأن الحرب مهما أحرقت تظل وسيلة مشروعة لحماية “الهوية” التي صاغتها الحركة الإسلامية على مقاسها.

لكن الحقيقة التي لا يريدون مواجهتها أبسط من كل هذا التعقيد المفتعل، أن الزمن قد تجاوزهم. فالسودان الذي ثار في ديسمبر لم يعد قابلاً للعودة إلى ما قبل الوعي، والعالم الذي يضغط اليوم بمصالحه المتشابكة لم يعد يقبل بإدارة الأزمات عبر شعارات فارغة. وحتى تلك المدن الأوروبية التي يهتفون فيها، لم تصل إلى ما هي عليه عبر تمجيد الحروب، بل عبر كسرها، ومساءلة ذاتها، وإعادة بناء عقدها الاجتماعي على أساس الحرية والمواطنة. إن ما نراه اليوم ليس قوةً سياسية حقيقية، بل ارتدادٌ نفسي متأخر؛ محاولة يائسة لإبقاء الماضي حياً في جسدٍ أنهكه الواقع. فالتاريخ لا يُهزم بالصراخ، ولا تُستعاد الأنظمة بالسرديات، ولا تُبنى الدول على حنينٍ أيديولوجي. وكل من يظن أن بإمكانه أن يوقف مسار الشعوب عبر مظاهرةٍ هنا أو هتافٍ هناك، إنما يكرر خطأً قديماً؛ الاعتقاد بأن الضجيج يمكن أن يكون بديلاً عن الحقيقة.

وفي الختام، يبقى السؤال معلقاً في وجوههم، لا كاتهامٍ بل كمرآة؛ كيف يمكن لمن نجا من جحيم الحرب أن يدعو إليها وكيف لمن تذوّق طعم الحرية أن يعمل ضدها؟ الإجابة، كما علمنا التاريخ وعلم النفس والفلسفة، ليست في الخارج… بل في ذلك الصراع الصامت داخل الإنسان، بين ما يعرفه حقاً، وما يخشى الاعتراف به.

khirawi@hotmail.com

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

ردّ على أحمد القرشي إدريس…بين واقعية القوة وواقعية الدولة (٣)

علاء خيراويقرأت ردك بعناية كعادتي، وفيه بلاغة لا تخفى، واستدعاء كثيف لهوبز وميكافيلي وابن خلدون، …