دكتور محمد عبدالله
لم يكن التعليم في السودان قطاعًا مستقرًا حتى قبل حرب أبريل 2023، لكنه مع اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع دخل مرحلة مختلفة تمامًا، يمكن وصفها بانهيار شبه كامل. لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بتراجع المناهج أو ضعف البنية التحتية، بل أصبحت سؤالًا أعمق حول قدرة دولة ممزقة بالحرب على ضمان حق أساسي مثل التعليم.
تشير تقديرات منظمات دولية إلى أن ملايين الأطفال في السودان باتوا خارج النظام التعليمي منذ اندلاع الحرب، مع إغلاق آلاف المدارس أو تحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين، وتوقف العملية التعليمية في مساحات واسعة من البلاد. ومع استمرار الصراع، لم يعد الأمر مجرد “تعطيل مؤقت”، بل تحول إلى انقطاع تعليمي ممتد يهدد مستقبل جيل كامل.
ورغم أن الحرب كانت العامل الحاسم في تفاقم الأزمة، فإن جذورها أقدم بكثير. فقد عانى التعليم في السودان لسنوات من ضعف التمويل، وتذبذب السياسات، وتراجع البيئة المدرسية. وتشير تقديرات إلى أن الإنفاق على التعليم ظل في حدود 1% إلى 3% من الميزانية العامة في العديد من السنوات، وهي نسبة متدنية للغاية مقارنة بدول أخرى.
وللمقارنة، تنفق دول مثل ماليزيا ما بين 15% و20% من ميزانياتها على التعليم، بينما تتراوح النسبة في الهند ومصر حول 10% إلى 12%، وفي دول الاتحاد الأوروبي في حدود 10% إلى 11%. ولا تعكس هذه الفجوة اختلاف الإمكانات المالية فقط، بل تعكس أيضًا اختلاف ترتيب الأولويات داخل الدولة.
مع اندلاع حرب أبريل 2023، دخل النظام التعليمي مرحلة شلل شبه كامل. أُغلقت المدارس، وتوقفت الجامعات، وتشتت الطلاب والمعلمون داخل البلاد وخارجها. وفي بعض المناطق لم تعد هناك بيئة تعليمية قائمة أصلًا، فيما تحولت مدارس أخرى إلى ملاجئ للنازحين أو تضررت بفعل القتال.
هذا الانقطاع لا يعني فقط خسارة عام دراسي أو أكثر، بل يعني أيضًا فقدان تراكم تعليمي أساسي، خاصة لدى الأطفال في المراحل الأولى، حيث يعتمد التعلم على الاستمرارية لبناء مهارات القراءة والحساب والتفكير.
ولا يمكن فصل أزمة التعليم في السودان عن أزمة الدولة نفسها. فالتعليم ليس قطاعًا مستقلًا، بل انعكاس مباشر لقدرة الدولة على الاستقرار، وإدارة الموارد، وتحديد الأولويات.
وقد أشار عدد من المفكرين السودانيين إلى هذا البعد بوضوح. فقد ربط منصور خالد أزمة التعليم بأزمة النخبة السياسية وإدارة الدولة، بينما رأى عبد الله علي إبراهيم أن جذور الأزمة تمتد إلى بنية الدولة وتاريخ تشكلها. أما محاولات الإصلاح في فترات لاحقة، فقد اصطدمت باستمرار بعدم الاستقرار السياسي، ما جعل أي مشروع تعليمي عرضة للتعثر أو التوقف.
الأخطر في الوضع الراهن ليس توقف الدراسة وحده، بل نشوء ما يمكن وصفه بـ”جيل خارج التعليم”. فملايين الأطفال الذين فقدوا سنوات دراسية كاملة قد يجدون أنفسهم لاحقًا خارج التعليم وسوق العمل معًا.
هذا النوع من الانقطاع يحمل تداعيات اجتماعية بعيدة المدى، من بينها:
ارتفاع معدلات الفقر على المدى الطويل
توسع العمل غير النظامي
تراجع المهارات الأساسية
زيادة احتمالات الانخراط في العنف أو النزاعات المسلحة
وتشير تجارب دول أخرى إلى أن الأزمات التعليمية الممتدة قد تترك آثارًا عميقة، إذ يمكن للأجيال غير المتعلمة أن تتحول، في ظل غياب البدائل، إلى وقود لصراعات جديدة إذا لم تُستثمر في إعادة دمجها وتعليمها.
ورغم قتامة المشهد، فإن الحلول تظل ممكنة، لكنها مشروطة أولًا بقدر من الاستقرار السياسي والأمني. فلا يمكن لأي إصلاح تعليمي أن ينجح في ظل استمرار الحرب أو غياب الحد الأدنى من الحياة المدنية.
ومن بين المسارات الممكنة:
إعادة وضع التعليم كأولوية وطنية في توزيع الموارد
دعم التعليم البديل في مناطق النزاع (المجتمعي والرقمي)
إعادة تأهيل المعلمين وتحسين أوضاعهم المهنية
إعادة بناء المدارس بشكل تدريجي
تطوير مناهج تركز على المهارات بدل الحفظ
في المحصلة، لا يبدو ما يواجهه التعليم في السودان مجرد أزمة قطاع، بل أزمة مستقبل كامل. فبين حرب مستمرة، وتمويل محدود، وانقطاع تعليمي واسع، يقف جيل كامل على تخوم الفراغ.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: متى تعود المدارس للعمل؟
بل: كيف يمكن إنقاذ جيل كامل من أن يتحول إلى ضحية دائمة لحرب لم يخترها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم