م. هيثم عثمان إبراهيم
مقدمة
في الخامس عشر من أبريل 2026، ومع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، اجتمع في برلين ممثلون عن 55 دولة، إلى جانب وكالات أممية ومؤسسات مالية و38 منظمة غير حكومية سودانية ودولية. لكن الرقم الذي يستحق التأمل ليس حجم المشاركة، بل حجم الكارثة التي استدعت هذا الاجتماع: ما يقرب من 34 مليون شخص يحتاجون مساعدات إنسانية عاجلة، وهو ما يعادل نحو 65% من سكان السودان. كما نزح نحو 14 مليون شخص منذ اندلاع الحرب، بينهم 9 ملايين نازح داخلياً و4.4 مليون عبروا الحدود إلى دول الجوار. وأكدت تقارير أممية حصول المجاعة في أجزاء من شمال دارفور وجنوب كردفان، مع وجود خطر حقيقي لامتدادها إلى مناطق إضافية.
هذه الأرقام لا تعكس فقط انهيار الدولة السودانية، بل تعكس أيضاً فشلاً استراتيجياً متراكماً للمجتمع الدولي في التعامل مع أزمة هي اليوم الأكبر إنسانياً في العالم. فمؤتمر برلين جاء كحلقة في سلسلة من المحاولات (باريس 2024، لندن 2025) لكنه انفرد بسمة مميزة وهي استبعاد طرفي النزاع الرئيسيين عن طاولة المفاوضات.
أولاً: المشهد قبل برلين – ماذا كان الرهان؟
لفهم ما أنجزه المؤتمر أو أخفق فيه، لا بد من استحضار حقيقة مريرة وهي أن الحرب السودانية لم تندلع فقط بسبب صراع شخصي على السلطة بين قائدين عسكريين، بل بسبب بنية عميقة من الاقتصاد الريعي، وعسكرة الدولة، وإقصاء المدنيين، وتفكك العقد الاجتماعي. هذا السياق يجعل أي مؤتمر دولي، مهما كانت نواياه، عرضة لأن يتحول إلى مجرد “لصقة جروح” بدلاً من أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الدولة.
كان الرهان على برلين ثلاثياً: رهان إنساني يتمثل في سد فجوة التمويل التي تجاوزت 84% من الاحتياجات المعلنة لعام 2026، ورهان سياسي لتجاوز فشل مؤتمر لندن وإعادة تنسيق الموقف الغربي-الإقليمي، ورهان تمثيلي لإعطاء مساحة للقوى المدنية السودانية التي طالما هُمّشت في ترتيبات ما بعد الحرب.
ثانياً: المشاركة والإقصاء – خيار استراتيجي أم خطأ تكتيكي؟
أبرز سمة تنظيمية لمؤتمر برلين كانت استبعاد طرفي النزاع الرئيسيين وهما الجيش السوداني والدعم السريع. برر المنظمون (ألمانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) ذلك بأنه “النأي بالمنبر الإنساني عن حرب الشرعيات” وضمان بقائه “منصة إغاثية بحتة”.
من جهة، يحمل هذا القرار مبررات قوية تتمثل في تجنب تحويل المؤتمر إلى ساحة خطابية لشرعنة أي طرف عسكري، وإرسال رسالة رمزية بأن الأطراف التي تتعامل معها المحاكم الجنائية غير مرحب بها في منصات توزيع المساعدات، وإفساح المجال أمام القوى المدنية لتطلع بدور قيادي في صياغة مخرجات سياسية.
لكن من جهة أخرى، يطرح القرار إشكاليات استراتيجية كبرى وهي استبعاد من يملكون السلاح من نقاش وقف إطلاق النار يجعل أي اتفاق مرتقب عديم القيمة التنفيذية. وقد رفضت حكومة بورتسودان (الموالية للجيش) المؤتمر جملةً وتفصيلاً، واعتبرته “تدخلاً مفاجئاً وغير مقبول” في الشأن الداخلي يأتي دون التشاور معها. أما الدعم السريع فلم يعر المؤتمر اهتماماً يُذكر، واكتفى بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
الخلاصة: قرار استبعاد طرفي الحرب كان صائباً من منظور أخلاقي وإعلامي، لكنه عقّد أي مسار نحو وقف فوري لإطلاق النار ويعكس معضلة أعمق وهي كيف تبني سلاماً مع جهات ترفض الجلوس على الطاولة لأنها لا تريد أي سلام لا يمنحها ما تريد؟
ثالثاً: مخرجات المؤتمر – إنجاز إنساني جزئي وإخفاق سياسي كامل
نجح المؤتمر في حشد تعهدات بقيمة 1.5 مليار يورو (ما يعادل نحو 1.77 مليار دولار)، قدمها المانحون الدوليون للاستجابة للاحتياجات الإنسانية. وقد تصدر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء التعهدات بـ 812 مليون يورو، تلته ألمانيا بـ 232 مليون يورو (تشمل 20 مليوناً من وزارة التنمية)، ثم المملكة المتحدة بـ 146 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 168 مليون يورو)، والنرويج بـ 42 مليون يورو، والمملكة العربية السعودية بـ 145 مليون دولار (ما يعادل نحو 123 مليون يورو).
ورغم هذا الرقم الذي وصفه المسؤولون الألمان بأنه “إشارة إيجابية”، فإن منظمات الإغاثة كانت أقل تفاؤلاً، محذرة من أن هذه التعهدات “ستبقى مجرد لصقة جروح إذا استمر السودان في التمزق واستمر المدنيون في القتل والتشريد والتجويع”. فالمساعدات بدون وقف الحرب تتحول أحياناً إلى وقود لاقتصاد الحرب نفسه عبر الابتزاز، والضرائب غير الشرعية، والسطو على القوافل. والأخطر أن التعهدات لا تمثل سوى جزء ضئيل مما تحتاجه خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 التي طالبت بـ 6 مليارات دولار، فإن المبلغ المتحقق لا يتجاوز 25% من ذلك المطلوب.
الإخفاق السياسي: انهيار البيان المشترك
على غرار لندن 2025، فشل المشاركون في برلين في إصدار بيان ختامي مشترك، على الرغم من بذل الجهود طوال ساعات طويلة في المفاوضات. ذكرت مصادر دبلوماسية أن خلافات حادة داخل ما يعرف بـ”الرباعية” حالت دون صياغة موقف موحد حول اللغة التي تصف أطراف النزاع وطبيعة الحل السياسي، حيث تعكس هذه الخلافات انقسامات إقليمية أوسع حول طريقة التعامل مع الحرب السودانية.
هذا الفشل ليس مجرد خلاف دبلوماسي حول كلمات بل هو انعكاس لتباين جيوسياسي أعمق إذ أن بعض الجهات الإقليمية الفاعلة تواصل – بحسب تقارير دولية وأممية متعددة – تقديم أشكال مختلفة من الدعم لأطراف النزاع، مما يجعل أي ضغط دولي منسق محدود الفعالية في غياب توافق هؤلاء الفاعلين أنفسهم. وكما أكدت المملكة المتحدة على هامش المؤتمر: “نحن بحاجة لضمان وضع كل الضغوط الممكنة على الأطراف المتحاربة للوصول إلى وقف إطلاق النار الذي نحتاجه بشدة”.
رابعاً: القوى المدنية – بارقة أمل في قاعة جانبية
في مقابل هذا الجمود، كان التطور الأكثر إيجابية في المؤتمر هو ما جرى داخل القاعة المخصصة للقوى المدنية السودانية. بدعوة من الآلية الخماسية (الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة)، اجتمع ممثلون عن قوى مدنية وسياسية وتجاوزوا انقساماتهم العميقة ليوقعوا على “النداء المشترك” لإنهاء الحرب.
ورحبت وزيرة الدولة الألمانية في وزارة الخارجية، سيراب غولر، بهذا الإنجاز، مؤكدة أن توافق القوى المدنية على “وثيقة برلين” “يدحض الحجة القائلة بأن القوى المدنية منقسمة للغاية بحيث لا يمكنها الحكم، ويثبت أن الحل السياسي لإنهاء النزاع أمر ممكن”.
لكن السؤال الاستراتيجي الذي لم يُجب عنه المؤتمر يبقى: كيف تتحول هذه الوثيقة من اتفاق على ورق إلى قوة فاعلة على الأرض؟ القوى المدنية تفتقر إلى السلاح والنفوذ الاقتصادي، ولا تملك وسائل ضغط حقيقية على طرفي الحرب. في غياب آليات دولية تحمي المدنيين وتمنح القوى المدنية غطاءً سياسياً، ستبقى هذه الوثيقة مجرد “بيان نوايا” آخر يُضاف إلى سلسلة طويلة من البيانات التي أعلنت ثم تلاشت.
خامساً: بنية القوى والمصالح – تفكيك الفجوات الاستراتيجية
لن يتقدم السلام في السودان ما لم نعترف بثلاث فجوات استراتيجية كشفها مؤتمر برلين بوضوح:
الفجوة الأولى: التمويل الإنساني مقابل اقتصاد الحرب
مليار ونصف يورو من المساعدات الإنسانية تقابلها عائدات حرب تقدر بمليارات الدولارات سنوياً، مصدرها الأساسي الذهب. فمناطق إنتاج الذهب في دارفور وكردفان والنيل الأزرق تخضع لسيطرة متقطعة من الطرفين، ويتم تهريب الإنتاج عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان. الجيش يسيطر على شركات عسكرية تدر أرباحاً طائلة، والدعم السريع يسيطر على مناجم الذهب في غرب السودان. طالما بقيت هذه الشبكات قائمة، فإن أي مساعدات إنسانية ستكون مجرد تخفيف للأعراض وليس علاجاً لداء الحرب.
الفجوة الثانية: الانقسام الإقليمي وتعطيل الضغط الدولي
فشل مؤتمر برلين في إصدار بيان ختامي مشترك ليس مجرد إخفاق دبلوماسي عابر، بل هو عرض لمرض هيكلي أعمق يتمثل في انقسام حاد بين الجهات الإقليمية والدولية الفاعلة. فبعض هذه الجهات تواصل – وفق تقارير إعلامية وأممية متعددة – تقديم أشكال مختلفة من الدعم لأطراف النزاع، سواء بالمال أو السلاح أو الغطاء السياسي، مما يحوّلها من رعاة محتملين للسلام إلى جزء من مشكلة استدامة الحرب. وفي غياب توافق هذه الجهات على آلية ضغط موحدة، تظل أي وساطة دولية محدودة الفعالية، وتتحول طاولات المفاوضات إلى مرآة تعكس صراعات إقليمية لا سودانية فقط. طالما بقي هذا التضارب قائماً، فإن فرص التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار تبقى رهينة بتحولات لا علاقة لها بإرادة السودانيين أنفسهم.
الفجوة الثالثة: غياب فاعلين دوليين كبار عن معادلة برلين
التركيز الحصري على آليتي “الرباعية” و”الخماسية” في مؤتمر برلين أغفل فاعلين دوليين مؤثرين لا يمكن تجاوزهم في أي تسوية واقعية. فهناك قوى كبرى تمتلك حق النقض في مجلس الأمن ولها استثمارات واسعة في السودان، مما يمنحها قدرة على تعطيل أو دعم أي قرارات دولية ملزمة. وهناك دول أخرى تسعى إلى تعزيز وجودها العسكري أو اللوجستي في مناطق استراتيجية كالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، مما يجعل استقرار السودان مرتبطاً بمصالحها الجيوسياسية. كما توجد جهات ذات علاقات تاريخية وسياسية متشابكة مع أطياف سودانية متعددة، مما يمنحها نفوذاً غير معلن لكنه حاسم في أي مفاوضات. إن أي استراتيجية دولية جادة لإنهاء الحرب لا يمكنها إغفال هذه الدول، بل تحتاج إلى إشراكها أو على الأقل تفكيك مصالحها واستيعابها في أي ترتيبات سياسية مستقبلية. فغيابها عن الطاولة يعني أن أي اتفاق قد يُبرم يظل معرضاً للتقويض من خارج القاعة.
سادساً: سيناريوهات المستقبل – أين يسير السودان بعد برلين؟
استناداً إلى التحليل أعلاه، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول (أسوأ الحالات): إعادة إنتاج الجمود
إذا استمر الانقسام الإقليمي وفشلت القوى المدنية في تحويل وثيقتها إلى كتلة ضغط حقيقية، فإن الحرب ستدخل مرحلة جديدة: ليست حرباً مكثفة كما في عامها الأول، بل حرب استنزاف طويلة تشبه النمط الليبي أو الصومالي، مع بقاء المجاعة تهدد حياة الملايين. احتمالية هذا السيناريو متوسطة إلى مرتفعة، لأن الظروف المؤدية إليه قائمة بالفعل.
السيناريو الثاني (أرجح الحالات):
إذا تكثفت الضغوط الأمريكية والأوروبية إلى درجة غير مسبوقة، ونجحت الآلية الخماسية في التوسط لهدنة إنسانية، وأرهق الطرفان عسكرياً واقتصادياً إلى حد أصبح معه استمرار الحرب مكلفاً للغاية، فقد نشهد وقفاً لإطلاق النار في أواخر 2026. عندها قد تُفرض على الطرفين – رغماً عنهما – حكومة انتقالية من القوى المدنية الموقعة على “النداء المشترك” في برلين، أي القوى التي رفضت الحرب والتي يصفها الجيش اليوم بالخيانة. هذا السيناريو لا يفترض “قبول” الجيش بها، بل يفترض حالة من الإرهاق المتبادل وضغطاً دولياً قاسياً (عقوبات، تجميد أصول، تهديد بمحكمة جنائية) تجعله غير قادر على رفضها، كما حدث في نماذج انتقالية أخرى (اليمن وليبيا في فترات معينة). لكن حتى في هذه الحالة، ستكون الحكومة ضعيفة، تعاني من عدم السيطرة على الميليشيات، ومن عداء صريح من الجيش الذي قد يسعى لتقويضها بوسائل غير عسكرية (مقاطعة، تجويع مالي، تعطيل مؤسسي). احتمالية هذا السيناريو مرتفعة نسبياً، لأنه يمثل “الطريق الأقل سوءاً” الذي قد تضطر إليه الأطراف بعد مزيد من الاستنزاف، لكنه يظل مساراً شائكاً ومحفوفاً بالمخاطر.
السيناريو الثالث (أفضل الحالات):
يتحقق هذا السيناريو إذا تمكنت القوى المدنية السودانية من تحويل وثيقة برلين إلى “ميثاق سياسي جامع” خلال الأشهر الستة التالية للمؤتمر، مع توافق على آليات تنفيذية واضحة. كما يتطلب نجاحاً في بناء ضغط دولي منسق، يتضمن فرض عقوبات فردية (تجميد أصول ومنع سفر) على قادة الحرب من الطرفين، بالتنسيق بين كبرى القوى الغربية ومجلس الأمن. إضافة إلى ذلك، لا بد من تحقيق توافق إقليمي غير مسبوق بين الجهات الفاعلة في محيط السودان، يفضي إلى وقف عملي لأي دعم خارجي يطيل أمد النزاع، وذلك تماشياً مع ما دعت إليه مخرجات مؤتمر برلين نفسها. عند توفر هذه العناصر، يمكن البدء خلال عام من تاريخ المؤتمر في عقد مؤتمر دستوري جامع تشارك فيه أطياف السودان السياسية والاجتماعية كافة، على أن تتبعه انتخابات وطنية بعد ثلاث إلى أربع سنوات، تكون أساساً لاستكمال التحول الديمقراطي. احتمالية هذا السيناريو تبقى ضعيفة في الوقت الحالي، نظراً لحدة الانقسامات الإقليمية والدولية القائمة. لكنها قد تزداد إذا تفاقمت الحرب إلى درجة تهدد الأمن الإقليمي بشكل لا يُحتمل، وأجبرت القوى الكبرى والإقليمية على إعادة حساب مصالحها وتجاوز خلافاتها.
سابعاً: ماذا يجب أن يحدث الآن
ما تسعى إليه القوى المدنية السودانية، وهو ما تبنته المجموعة الرباعية أيضاً، يقوم على مبدأ واضح: إبعاد الأطراف المتحاربة (الجيش وقوات الدعم السريع) بالكامل من العملية السياسية، وتكون السلطة مدنية خالصة دون أي شراكة مع أي طرف مسلح، مع وضع برامج حقيقية لصناعة جيش مهني موحد يخضع للسلطة المدنية. انطلاقاً من هذا المبدأ، أقترح خارطة طريق عملية تمتد على 12 شهراً كحد أقصى، مقسمة إلى ثلاث مراحل رئيسية متسارعة، نظراً لأن الوضع الإنساني لا يحتمل انتظاراً أطول.
المرحلة الأولى (شهر إلى 3 أشهر): يجب تحويل وثيقة برلين إلى ميثاق سياسي مرحلي، وتشكيل لجنة تنسيق مدنية معترف بها من 15 إلى 20 شخصية تتمتع بقبول داخلي ودولي، والضغط على الأمم المتحدة لإصدار قرار ملزم يلزم طرفي الحرب بتسهيل وصول المساعدات دون عوائق، تحت طائلة عقوبات فورية.
المرحلة الثانية (3 إلى 6 أشهر): العمل على فتح ممرات آمنة للمساعدات تحت إشراف ثلاثي (الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، الأمم المتحدة)، وفرض عقوبات فردية (تجميد أصول ومنع سفر) على قادة الحرب الذين يثبت تورطهم في إعاقة الإغاثة أو ارتكاب جرائم حرب، وإنشاء صندوق إعمار طارئ تحت إشراف القوى المدنية والبنك الدولي، على أن يبدأ تدفق التمويل خلال هذه المرحلة.
المرحلة الثالثة (6 إلى 12 شهراً): الانتقال مباشرة إلى تشكيل سلطة مدنية انتقالية كاملة (بدون شراكة عسكرية)، تتولى إدارة شؤون البلاد، وتشرع فوراً في برنامج طموح لنزع سلاح الميليشيات وجمع السلاح غير المرخص، بالتوازي مع بدء حوار وطني شامل حول إعادة هيكلة القوات المسلحة وجعلها جيشاً مهنياً واحداً يخضع للسلطة المدنية. كما تتضمن هذه المرحلة عقد مؤتمرات سكانية محلية في المناطق المستقرة نسبياً بهدف إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتشكيل لجان خدمات مؤقتة معترف بها محلياً ودولياً. لن تكون هناك مفاوضات سياسية مع الأطراف المسلحة حول تقاسم السلطة، بل سيكون دورها محصوراً في الترتيبات الأمنية ووقف إطلاق النار فقط.
هذه الخارطة طموحة لكنها قابلة للتطبيق إذا توافرت الإرادة الدولية والمحلية، وهي تضع حداً أقصاه سنة واحدة لانتقال السودان من مرحلة إدارة الكارثة إلى مرحلة بناء السلام. غيابها يعني بقاء السودان في دائرة العنف والمجاعة لسنوات إضافية لا تحتمل.
خاتمة: من برلين إلى الخرطوم – طريق طويل لكنه ليس مستحيلاً
وصف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر الذكرى الثالثة للحرب بأنها “عام آخر فشل فيه العالم في اجتياز اختبار السودان”، محذراً من أن السودان تحول إلى “مختبر للفظائع”. وأضاف أن “هذا الكابوس يجب أن ينتهي”.
مؤتمر برلين لم يكن نهاية المطاف، بل كان محطة تكشف عن تناقضات أعمق. نجح في حشد تمويل إنساني مهم، وأعطى مساحة للقوى المدنية كي تتوافق على وثيقة مشتركة، وكشف بوضوح عن الانقسامات الإقليمية التي تغذي الحرب. لكنه فشل في تحقيق اختراق سياسي، وفشل في ترجمة حضوره الدبلوماسي إلى آلية ضغط حقيقية.
السؤال الآن ليس “هل ينجح برلين؟” بل “كيف نبني على ما تحقق؟”. القوى المدنية السودانية أمام لحظة تاريخية نادرة: لديها وثيقة متفق عليها واهتمام دولي متجدد. والمجتمع الدولي أمام اختبار لا يقل صعوبة: إما أن يتحرك بجدية لمعاقبة ممولي الحرب، أو أن يظل أسير دبلوماسية البيانات التي لا تغير شيئاً على الأرض.
ثلاث سنوات من الحرب كافية لتدمير أي وطن. السودان لم يعد يحتمل عاماً رابعاً من التردد. إما أن تتوافر الشجاعة السياسية – داخلياً وخارجياً – لمواجهة الأسباب الحقيقية للحرب، أو أن يظل السودان عالقاً بين واقع برلين ومأمول السلام، بين كابوس حي ومستقبل مسروق.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم