الى حد ما، لا سيما وأنه قد تم التأكد من حقيقة الارتباط العضوي والروحي بين اخوان السودان وملالي ايران، الأمر الذي يفرض دخول السودان في اجندة سلام الشرق الأوسط، خاصة وأنه يقع على واحد من أهم مسارات الملاحة الدولية – البحر الأحمر – فضلاً عن ضلوع الجماعات الإرهابية في استغلال ميناء السودان الأول بورتسودان، المتابع لتصريحات مستشار الرئيس ترامب مسعد بوليس يستشف الجدية المستعجلة من الولايات المتحدة في حسم ملف السودان، رغم تعقيدات المشهد السوداني وعدم اجتماع أعضاء الرباعية على قلب رجل واحد واختلاف الاجندات، فتحديات الداخل السوداني وحدها هي التي يمكن أن تقف عقبة أمام تحقيق حلم السودانيين في إيقاف الحرب واحلال السلام، فعلى صعيد الجيش المختطف من الاخوان والممسك بزمام الأمور في الجغرافيا التي يسيطر عليها- شرق السودان وشماله ووسطه وجزء من شمال إقليم كردفان يواجه تعنت كتائب الاخوان المشاركة معه في الحرب وعدم رغبتها في الانخراط في أي إجراءات توقف الحرب لأن هذا يعني بالنسبة لها الخروج من السلطة وللأبد، وهي الكتائب التي اشغلت الحرب وبدأت الهجوم على معسكرات الطرف الثاني، تجاوز هذه التحديات مهمة داخلية خاصة بقائد الجيش ومستشاروه وقادة التنظيم الذين يأتمر بأمرهم، ويواجه قائد الجيش ايضاً ضلع آخر من أضلاع الجماعات المسلحة المتحالفة معه وهو ضلع القوات المشتركة القادمة من إقليم دارفور غربي البلاد والتي يمثلها وزير المالية والحاكم السابق لإقليم دارفور، هؤلاء تحالفوا مع قائد الجيش من أجل مكاسب مادية ومقاعد سلطوية وأي معادلة لوقف الحرب لا تضمن وجودهم بالسلطة لن يعملوا على تحقيقها، هذا الوضع المعقّد يضع قائد الجيش في وضع لا يحسد عليه، ويصعّب من مهمة توحيد الأجندة لهذه المجموعات المتناقضة.
إنّ أعقد ما يواجهه الطرف الأول – قائد الجيش وحلفاؤه – هو المثول لرغبة السودانيين أولاً ثم الوسطاء والمسهلين ثانياً في تشكيل حكومة مدنية تقود مرحلة ما بعد الحرب، الجند الذي كان السبب الرئيس في اشعال الحرب من هذا الطرف الأول ذات نفسه، وهو التحدي الذي لازم البدايات الأولى لتأسيس الدولة الحديثة(56)،ألا وهو صراع المدنيين والعسكر حول السلطة ، الذي اقعد بالبلاد منذ استقلالها، بناء على هذا التشوه الذي صاحب نشأة الدولة السودانية يجب أن يكون الحل القادم حلاً جذرياً لأهم أسباب الفشل التاريخي للدولة ونخبتها السياسية، ومشروع السلام والاستقرار في السودان هذه المرة من الأوجب أن يكون شاملاً لا يستثني أحد وإلّا ستكون الانتكاسة مثل انتكاسة مريض الورم السرطاني عندما يعاد الى غرفة العمليات بسبب تمدد الورم الى أجزاء أخرى صحيحة من الجسد المعتل، بناء على ما تقدم حين نضع قائد الجيش في قالب المعيار المثالي لرجل المرحلة نجده غير مطابق للمواصفات والمعايير، لأنه يمثل خلاصة الفشل العسكري في البلاد، ونخب التجربة الوطنية المعطوبة من سنة 1956 إجمالاً، وفاقد الشيء لا يعطيه، فبحكم أنه رأس المؤسسة المنوط يها وضع الأمور في نصابها حال تعرض البلاد للاضطرابات السياسية، كما هو حال جميع المؤسسات العسكرية في بلدان العالم، لا يوجد مبرر للاعتماد عليه في هذا المنعطف التاريخي الأهم، فالفاشلون لا يصنعون وطناً، والمنقادون لا يقودون، فهو رهينة للتنظيم الاخواني صنو نظام الولي الفقيه، ونفس المبررات التي ساقت القوى العالمية المحبة للسلام إلى كبح جماح الأنظمة والتنظيمات الإرهابية بالشرق الأوسط، نفسها تفرض أن يتم التعامل بالمثل مع قائد الجيش وحلفائه، الذين أحالوا ميناء السودان إلى متنفس للمهزومين من أصحاب الاجندة الإرهابية.
القوى المدنية والسياسية المناهضة للحرب “صمود” والتي يقودها رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك، تشوبها شائبة التساهل و التماهي مع الأجندة الاخوانية والعسكرية ، ابتداءً من الاتفاق الذي عقده حمدوك مع قائد الجيش بعد أن انقلب عليه قائد الجيش واعتقله، وانتهاء بمغازلة أعضاء ” صمود” لقائد الجيش الاخواني، وتحديداُ ما أدلى به الناطق الرسمي باسم تحالف صمود الدكتور بكري الجاك من تصريحات قبل أيام وقوله بأن هنالك مؤشرات ايجابية تعكس استعداد الجيش للعملية التفاوضية، هل نسي الجاك مواقف قائد الجيش المخزية بمنبري جدة والمنامة، وكيف قفز قائد الجيش الى الأمام لكي يحرق أي مركب ينقل الناس الى بر السلام ووقف الحرب، إنّ أكبر “ماسورة”- ورطة – كما تقول اللغة الشعبية السودانية، هي وجود شلة عبد الله حمدوك الذين كانوا متعاونين مع العسكر في استمرار البؤس، هؤلاء الصموديون فشلوا في لعب دور محوري في حفظ الانتقال من التغول العسكري، وأخفقوا في تفكيك القبضة الاخوانية عندما كان المفك والمفتاح بيدهم وجاءوا الآن لكي يقنعونا بأنهم قادرين على أداء المهمة أون لاين من البعد، يا للمهزلة، إنّ ” صمود” هذه تمثل آخر تجلي للفشل الحزبي والسياسي المساهم في تسلط العسكر على البلاد بالانقلابات العسكرية، فاذا لم ترتقي بفكرها وخطابها السياسي لا أعتقد أنها تقدر على تمكين الحكم المدني وتعزيز الديمقراطية، اذا أوكل لها الأمر في مرحلة ما بعد الحرب، كمراقبين نحن في انتظار خارطة الطريق الجديدة التي تشير كل لتكهنات حولها إلى أن القادم شراكة وطنية أممية يعززها الفصل السابع المفسح المجال لدخول القبعات الزرقاء، وهو الكي – آخر العلاج، لسنا وحدنا على هذا الكوكب حتى نضع العراقيل على مسار الملاحة والتجارة الدولية .
إسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم