الادعاءات الأخلاقية للكيزان

وقف يوماً قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، مخاطباً الجنرال ياسر العطا بـ”ياسر كاسات”، ثم أردف ببساطته المعهودة، وعلى رؤوس الأشهاد، قائلاً: “هو البرهان ذاتو ما بصلي”. ولا أعتقد أن حميدتي كان يكذب أو يمارس أمراض الكثير من المثقفين، مثل اغتيال الشخصية أو انعدام الشرف عند الخصومة، ولكن من الواضح أن الرجل كان يطلق تلك التصريحات وهو مندهش بسبب انحياز البرهان والعطا إلى الكيزان. ويبدو أن الرجل كان تحت أثر هول المفاجأة بسبب تفجير الحرب والتآمر وقتل الشباب، المئات من المجندين العُزّل، غدراً وهم نيام، في 15 أبريل 2023م.
يحدثنا التاريخ بأن المشاريع الشمولية، التي يحكم أفرادها بالقهر والاستبداد، تحدث داخلها تحولات حتمية وتدريجية تجاه ترسيخ الأيديولوجيا بواسطة العنف والقتل. وبالتالي فإن العناصر التي يزداد الطلب على خدماتها هي العناصر المريضة والمجرمة، والتي تفتقد لأدنى إحساس بالرحمة والإنسانية. تصعيد مثل هؤلاء القادة إلى هرم الجيش هو شيء حتمي، بعكس من يعتقد أن التصعيد يتم بسبب المهارات أو الخبرات أو حتى التدين، حسب ادعاءات مشروع التمكين الذي طبقه الكيزان بلا رحمة.
هذا ما ظل يغيب، للأسف، عن أذهان الكثير من الناس، والذين ما زالوا يستبطنون أن البرهان مثلاً يمكن أن ينقلب على الكيزان، واعتبار أنه ليس جزءاً منهم، وفي هذا خطأ بالغ.
كذلك لعب ياسر العطا أدواراً بهلوانية لصالح تنظيمه، مستغلاً مسلكه الشخصي غير المتصالح مع مظاهر التدين الشخصي، واسم العائلة التي ارتبطت باليسار بعد انقلاب الرائد هاشم العطا.
ومع ذلك، فإن قادة الأحزاب الشمولية يختلفون في هذا التقييم؛ فالترابي مثلاً لم يواجه أفراد تنظيمه بجرمهم وفسادهم إلا بعد أن فقد السيطرة تماماً وبعد أن تم تهميشه.
أما القائد الفيتنامي الشهير هو شي منه فكان مختلفاً. حينما سيطر الشيوعيون على فيتنام الشمالية وتم تنفيذ الإصلاح الزراعي، وسُجن وقُتل العديد من أصحاب المزارع الكبيرة من الإقطاعيين، رغم أن أغلبهم ناضل بلا هوادة لطرد المستعمر الفرنسي من فيتنام، حينها وقف هو شي منه—وهو لقب بالمناسبة يعني “المعلم” أو “المستنير”—في ساحة عامة بهانوي أمام حوالي نصف مليون فيتنامي، واعترف بالأخطاء التي حدثت عند تطبيق سياسة الإصلاح الزراعي، والظلم الذي وقع على أغنياء المزارعين، وبكى بكاءً مُرّاً أمام الجميع، ثم أمر بإطلاق سراح كل السجناء السياسيين، معترفاً بأنه أخطأ حينما وثق في العناصر الأيديولوجية المتشددة في أمر التنفيذ، وأن التنفيذ كان قد تم بناءً على ثأرات قديمة لبست قناع الأيديولوجيا التي تفترض أن البرجوازيين هم أعداء الشعب وتقدمه.
شاهدت فيديو لأحد الكيزان وهو يهاجم، بذلك الازدراء الذي عُرفوا به، نشطاء لمنظمة مدنية تدافع عن حقوق الجندر، وكان يسيء إليهم ويتهمهم بالكفر. الشاهد أن الكيزان دائماً ما يفتعلون مثل هذا الصراع الأيديولوجي فيما يتعلق بمسألة الحقوق وتعديل القوانين والمؤسسات كي تتواءم مع القوانين الدولية المتعلقة بالحقوق. وقد برز ذلك الصراع بعد ثورة ديسمبر، إبان تصديق حكومة حمدوك على اتفاقية سيداو، رغم أن الحكومة كانت قد أمسكت العصا من المنتصف لإرضاء الجميع؛ أي إرضاء من يقفون خلف شعارات الثورة، خاصة النساء، من جهة، وكذلك إرضاء الفلول من جهة ثانية.
ما لا يعلمه البسطاء من السودانيين، وكل شعوب المنطقة، أن مسألة حقوق الجندر في الغرب لا تحظى بقبول تام، بل هي صراع يومي ومقاومة، خاصة من قبل المتدينين، ودونك ما يحدث في أمريكا مع مجيء ترامب.
لكن الكيزان، لأنهم يصورون الغرب بأنه كافر وإباحي، ظلوا يخفون عن شعوبنا البسيطة تلك الحقائق، للزعم بأنهم ملائكة في عالم مظلم.
الواقع أن حقوق المثليين والمتحولين جنسياً ما زالت محل شد وجذب، بل حتى حق المرأة في الإجهاض، لكن الشيء الوحيد المختلف في الغرب هو أن المثليين خرجوا إلى العلن للمطالبة بحقوقهم، وأصبح لهم تنظيم ونفوذ سياسي، وهو شيء طبيعي في المجتمعات الديمقراطية حيث تتوفر الحريات العامة. فهو في النهاية ليس مؤشراً على الفضيلة أو مقياساً للانحلال في أي مجتمع من المجتمعات، بل إن المحك يكمن في قدرة هذه الأقليات على إيصال أصواتها.
الكيزان يصطادون في الماء العكر، مستغلين جهل الناس بما يجري في المجتمعات الغربية، حيث استطاع المثليون الخروج إلى العلن (out of the closet) بفضل توفر الحريات العامة.
ولأن توفر الحريات العامة، مثل حق التنظيم وحرية الصحافة والقضاء، ضروري من أجل التنمية والعدالة والتعايش السلمي ومحاربة الفساد والاستبداد، فإن المجتمعات الحرة مجتمعات حية لها “نفايات”، تماماً مثل الجسم الحي؛ فهي ليست مجتمعات ميتة مغلقة بسبب الفساد والاستبداد، مثل تجربة الإنقاذ. ولذلك لا بد من الدفاع عن التعددية السياسية وبسط الحريات العامة بلا هوادة، فهي مثل الدواء تماماً. وكما نعلم، فإن أي دواء تلتزم الشركة المنتجة له بأن تضع إرشادات تحتوي على الآثار الجانبية للعقار، وتترك الخيار للناس بدلاً من منع تداوله بحجة وجود آثار جانبية.
لكن ستظل هذه الادعاءات ضمن استراتيجيات الإسلام السياسي.
لذلك فإن مواجهة الكيزان لا تكمن في الدفاع عن حقوق الجندر أو عدمه، لأن الناس تختلف في ذلك بحكم ثقافتها وتربيتها، بل لا بد من إدراك أنها مجرد فزاعة يستخدمها الكيزان لاحتكار الفضيلة، وإرهاب الخصوم السياسيين، وتبرير الاستبداد السياسي والفساد. وعلى الجميع أن يدرك ضرورة حماية المجتمع المدني والحريات العامة حتى تنهض الأمة ويترسخ العدل.

طلعت محمد الطيب

talaat1706@gmail.com

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

شبح العنصرية فى السودان

بعد انهيار حائط برلين و ” الاتحاد السوفيتى العظيم” توقع الناس تقييم للحدث من قبل …