كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
كانت الأعناق تشرأب نحو المعنى في السماوات، تستمطر سحابات الرجاء الأخوي، وتتساقى الأرواح أنخاب الصفاء… كان الزمان هداوةً وجمالاً، والقصيدة تنزل على الكتّاب خفيفةً، مبللة بالدهشة، كأنها وحي يلامس القلب قبل السطور… فتشفى الصدور من ثقل وطأة الحياة.
في الخرطوم، وعلى ضفاف النيل الذي ينفث زفراته للمدن، كانت (قاعة الشارقة) وبيت الشعر شاهدتين على زمن آخر. كانت جنباتهما تعج بالليالي الفكرية والأمسيات الشعرية المترعة بأريج التثاقف الحميد. كان النيل يهمس للقاعة، والقاعة ترد عليه بأصوات المبدعين. وفي قلب ذلك المشهد، كان الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، يتقدم في الوجدان السوداني كحالة استثنائية.
حضورٌ أقرب إلى روح تفسح المجال للكتاب، وتمنح ذوي البصيرة حقهم من الضوء والوضاءة. سكينة عميقة، ونَفَس من روح المعاني، وإيماءة إلى مهابط الوحي للكتّاب عندما يلتمسون المعاني من مخابئ اللغة. كانت الشارقة تتمدد في ظل هذا الأفق لتكون حمالة لوجه ينبئ عن شئ اكثر من إمارة، كانت استعارة… ممتدة للكتاب المفتوح، وللندوة والبوح.. والفكر عندما تتطلع الإنسانية نحو الترقي والسمو، وللقاعة التي تصير سيلاً من الأسئلة والأصوات.
الشيخ سلطان القاسمي — المؤرخ والأديب والشاعر — جعل من إمارته منارة ثقافية عربية، أسس بيوت الشعر في العواصم والحواضر، ورعى مهرجانات الشعر التي احتضنت المبدعين خاصة منهم السودانيين، ودعم ترميم التراث والمتاحف، وأعفى دور النشر السودانية من رسوم المشاركة في معرض الشارقة الدولي للكتاب، حتى في أصعب الظروف. كان يلتقي الشعراء في داراته الرحيبة، ويفتح أبواب الثقافة على مصراعيها، مأخوذا ومفتونا بالابداع كأنما يزرع في الوجدان بذور الإخاء الذي يتجاوز الجغرافيا.
كانت تلك النفحة الروحية الرقيقة، المبللة برهافة الأدب والفكر، تمثل قمة ما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الأخوة… أخوة مبنية على المعنى والذوق الرفيع قبل المصحلة.
وفي خلفية هذا المشهد، تتراءى صورة الشيخ زايد بن سلطان — حكيم العرب — التي كانت نارٍ يستيضئ بومضها اهل الحل والعقد عندما تنبهم عليهم مسالك الدروب الوعرات، غير أن تلك النار لم تخلف اليوم إلا رماداً تذروه عوادي الدهر في عيون الأشقاء.
الذاكرة السودانية، على ما انتابها من كلال وسط ثقل الأيام… ما عادت تحتفظ بتلكم المعالم الوضيئة وسط ضجيج المسيرات… واختام عيارات الذهب… فقد بدأت تطل فيها صور مغايرة. صور لإمارات أخرى. تتوارى رهافة النفحة الروحية أمام صخب السياسة، وتُقاس الأخوة بمكيال المادة، ويُؤخذ الأدب والثقافة إلى هامش الاهتمام. وتتقدم المصالح تحت غطاء كثيف بشواظ من لهب ولهيب… يتذكر أهل السودان قاعة الشارقة وبيت الشعر بحنين ممض، ويتساءلون في دواخلهم…. أين ذهبت تلك النفحات الوضيئة التي كانت تفوح من حاكم يرى في الثقافة جوهر العلاقات؟؟
و كيف يمكن للمعنى أن يعود إلى فضاء ازدحم بما لم يكن في الحسبان؟ وكيف تُستعاد الجسور التي بناها الشيخ سلطان القاسمي بحكمة وصبر ورهافة؟
ألا سقى الله أيام الشيخ سلطان القاسمي بعودة أكيدة لعوالم تطرح فيها مدوّنات المثقفين كما يطرح البحر اللآلئ، حتى تعود الشارقة — كما كانت دائماً — ربيبة الأدب والذوق الرفيع، وتظل قاعتها وأمسياتها منارة للأخوة الحقيقية بين الشعوب، بعيداً عن كل ما ينسحق أمام المادة ويُطفئ بريق الروح.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم