بين الرماد والذاكرة

قراءة في رواية بعض هذا الرماد، للكاتبة مناهل فتحي، صدرت عن دار عزة للنشر والتوزيع- السودان ٢٠٢٣، وتقع في ١٤٨ صفحة.

بين الرماد وبقايا الذاكرة، وفي فضاء تتداخل فيه الحلم واليقظة، يصحو الزمن على وجع عميق وجرح مفتوح. رجل محمول بين الصحراء والنيل، يسير داخل ضباب كثيف، يتداعى ماضيه وينهار حاضره، فلا يسمع إلا أصواتًا متفرقة، ولا يرى إلا أحلامًا تتكسر في الطريق.
من أنا؟ سؤال يتكرر داخل هذا التيه، ليتحول السرد إلى رحلة بحث عن الذات، وعن وطن فقد ملامحه هو الآخر. (ركلني أحدهم بين مفترق رجلي… أحسست بشظية اخترقت جانب صدري، شممت رائحة النيل… لكن الحكاية تبللت في لساني، وكفاي ظلتا تلمّان الرماد…) (ص١٤٧)

وطن يتشظّى:
١/ يقدّم النص فقدان الذاكرة كمركز سردي، لكنه يتجاوزه ليصبح استعارة لوطنٍ خرج من صدمته، يحاول أن يتعرّف على نفسه عبر شظايا لا تكتمل.
(من أنا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ جسمي يؤلمني…) (ص٨٢)
الذاكرة تفتت الماضي أكثر؛ فالأمين يسترجع حياته كصور متفرقة: طفولته في دارفور، الأم الحكامة، الأب، رشيدة، هديل، يونس، ثم الخرطوم وفضّ الاعتصام… كلها تظهر كومضات منفصلة بلا ترتيب زمني ثابت.
٢/ تتحول الأحلام إلى امتداد مشوّه للذاكرة، حيث تتداخل الحدود بين الواقع والتخييل، ليصبح الحلم شكلًا آخر من الحقيقة المتكسرة.
(فأيّقنتُ أنّ حقيقتي لن تتكشف إلا في أحلامي.) (ص٨٠)
وفي هذا الامتداد، تتسع الذاكرة الفردية لتشمل ذاكرة جماعية مثقلة بالخراب، تتداخل فيها الوجوه والمدن والموتى في وعي مضطرب.

غربة اللجوء:
يعرض النص اللجوء كتجربة مزدوجة: جغرافية ونفسية في آنٍ واحد.
(قبل عشرين عامًا… حصلتُ على اللجوء وقررت الإقامة في مالمو.) (ص٢١)، لينكشف جرح الانفصال عن الذات القديمة، حيث يصبح المنفى حالة داخلية مستمرة لا يبددها المكان الجديد، بل يعمّقها أكثر.
وتزداد حدة هذا الشعور حين يتقاطع مع سؤال الانتماء السياسي والاجتماعي: (اضطهاد أبرز صوره فقر مدقع… لأني لا أنتمي إلى الحزب الحاكم.) (ص٢١)، وبالتالي يتحول اللجوء من هروبٍ خارج الحدود إلى طردٍ رمزي داخل وطنٍ يرفض أبناءه حتى وهم فيه.

الانكسار:
١/ يمثّل فضّ اعتصام القيادة العامة لحظة الانكسار الأكثر كثافة في النص، حيث تتفتح الذاكرة على فضاء واسع من الفقد الجماعي. (الموت واحد، ولكن ولدي ورشيدة ماتا موتاً آخر… وكان النيل يختنق، يطفح بالجثث ويتحوّل إلى مقبرة هائلة.) (ص٦٧)، حيث يصبح الموت حالة ممتدة من الانكسار.
٢/ (عرفتُ أن عبقًا من عرقه سيظل على جبين هذه الأرض…) (ص٦٧)، وتتجاوز المأساة حدود الفرد لتطال الذاكرة الجماعية، في وطنٍ مثقلٍ بالفقد لا ينفصل فيه الشخصي عن التاريخي.

الأسطورة الشعبية:
١/ تتحول الأسطورة في النص إلى بنية تفسيرية موازية للواقع، تلجأ إليها الشخصيات لفهم الخراب والمرض والموت. (قال إنّ على النساء… أن يحلقن رؤوسهن، وأن يجتمع الناس بعد صلاة الجمعة ليحرقوا الشعر، ويطهروا المدينة من لعنة الحمى…) (ص١٢٤)
(قال إنّ رجال الجن خياليون…) (ص٧٨)
(فالجني ليس لهم ظل… هو إذن من الجن.) (ص٧٩)
٢/ في كسلا، تتكثف الأسطورة لتصبح جزءًا من الحياة اليومية، ويتحوّل الشيخ معدول إلى شخصية تتجاوز الطبيعي. (اكتشفت المدينة أن الشيخ معدول ليس إنسياً… الشيخ معدول لا ظل له، هو إذن من الجن.) (ص٧٩)

الحب والذاكرة:
يتجلى الحب في النص كامتداد لحالة التشظي؛ حيث تتحول النساء إلى طبقات شعورية، تتراوح بين الذاكرة والحلم، وبين الواقع الذي لا يكتمل والعاطفة التي لا تهدأ.
١/ (آه لو أنني أقل امتلاءً برشيدة، فأنا ممتلئ بها حدّ التدفق.) (ص٧٨) فرشيدة تُستعاد كذاكرة ترفض أن تُغلق، تتبدل أشكالها لكنها تبقى حاضرة كإحساس دائم بالفقد والرغبة.
٢/ هديل، مساحة دفء وسط الخراب: (أحيانًا أحسّ بأنني أعشقه منذ طفولتي، وأحيانًا أشعر بأنني أراه للمرة الأولى.) (ص١٣٧)
٣/ في المقابل، تأتي شيماء تمثيلًا للاستقرار اليومي والنظام، لكنها تظل في توتر دائم مع البطل، مما يجعل العلاقة معها أقرب إلى حدود الحياة الواقعية غير المكتملة عاطفيًا. (حل صوت زوجتي الهادئ الحاسم محل الصباح، فبه أعرف بداية يوم جديد…) (ص٤٥)

الأم الحكامة:
تشكّل الأم الحكامة تأثيرًا عميقاً في النص؛ امرأة صلبة، نافذة، تفرض إيقاعها على من حولها، في مقابل أبٍ هشّ وحالم، أقرب إلى الظل منه إلى الفعل. )هذا ما كان ينقصني، أن أكون ابناً لتمساحة وحمل وديع.) (ص٥٠)
هذا التناقض بين السلطة الأنثوية المتماسكة وضعف الأب وانكساره ينعكس على البطل، ويفسر اضطرابه في علاقاته بالنساء والسلطة والذات، داخل بنية عائلية غير متوازنة منذ البداية.

الشعرية السردية:
جاءت اللغة مشبعة بالحس الشعري، (رأيت موجًا يسافر بي إلى الصحراء، ونخلة تخرج من تحتي وترفعني إلى السماء…) (ص١٤٧)
وتتسع هذه الشعرية لتخلق مناخًا حسّيًا كثيفًا؛ رائحة النيل، غبار الصحراء، أصوات النساء، البخور، الهتافات، وخشخشة الخلاخيل، كلها تتسلل إلى السرد وتحوّله إلى فضاء بصري وسمعي نابض. (العطر يمر من هنا، أدوخ… أركع… أرفع… ألقي بجسدي المثقل على الأرض…) (ص٨٣)

دلالة الرماد:
يحمل العنوان (بعض هذا الرماد) دلالة مفتوحة؛ فالرماد هنا ليس أثر النهاية فقط، بل ما يبقى بعد الاحتراق، وما يلتصق بالذاكرة. تبدو الشخصيات كأنها تتحرك داخل هذا الرماد: رماد الثورة، الحب، المنفى، الطفولة، والوطن.
البطل لا يخرج عن هذا الأفق فيحاول النبش داخله بحثًا عن ملامح ذاته الغائبة، أو عن معنى مؤجل يمكن الإمساك به قبل أن يتلاشى تمامًا.

ملاحظات:
١/ يُقدّم النص مناخًا نفسيًا ولغويًا كثيفًا، مع ميل واضح إلى التداعي في مقابل تصاعد الحدث التقليدي.
٢/ القفزات الزمنية وتداخل الحلم بالواقع جعلت الخيط السردي أقل وضوحًا أمام كثافة الرموز والصور.
٣/ الشخصيات تظهر في الغالب كومضات داخل ذاكرة واسعة.
٤/ الزمن يتفتت إلى مقاطع (طفولة، حرب، منفى، حلم).
٥/ الأحداث الكبرى (الموت، اللجوء، الثورة) تُقدَّم كارتدادات نفسية.

ختامًا
في بعض هذا الرماد تتجلى رومانسية الكاتبة حتى من بين الرماد، في نصٍّ مشبع بالمزاج والذاكرة والجروح المفتوحة. تنجح في التقاط أثر الفقد والتيه على الإنسان السوداني بعد سنوات الخراب والثورة والمنفى، كما توظّف الأسطورة واللغة الشعرية لخلق عالمٍ متماسك شعوريًا، حتى وإن بدا متشظيًا سرديًا.
ومع ذلك، يبقى في النص ذلك الحزن الخافت وتلك الرهافة التي تظل عالقة بعد الصفحة الأخيرة، كرمادٍ لا ينطفئ تمامًا.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

الظل الذي لا يعود

خيط النورلم يكن نائمًا، وأنا أعرف ذلك تمامًا.أمي كانت تقول: “الذين لا ينامون تعرفهم الجدران”، …