الدكتور عبد الله علي ابراهيم و معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية

طاهر عمر
الملاحظة التي تفرض حضورها و لا تغادر عن معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية و هو تطور لشعبة أبحاث السودان و قد بداءت عام 1963 و الغريب أن سيرها و سير المعهد كان معاكس تمام في الإتجاه لسير مراكز البحوث في المجتمعات المتقدمة. الملاحظة التي أتحدث عنها و تحتاج من القارئ القليل من التركيز حتى يتضح له المشهد الغريب و هو سير المعهد في الإتجاه المعاكس لمراكز البحوث في المجتمعات الحية.

شعبة أبحاث السودان بداءت عام 1963 في نفس الزمن الذي حسمت فيه فلسفة التاريخ الحديثة صراعها مع فلسفة التاريخ التقليدية بعد ثلاث عقود من الصراع الذي ينتج من لحظات إنقلاب الزمان حيث يحتاج لأفكار الفلاسفة و الحكماء. صراع خاضه علماء الإجتماع و الفلاسفة و الإقتصاديين و الأنثروبولوجيين منذ عام 1930 و خلال ثلاثة عقود وصل كما قلنا لنقطة إنتصار فلسفة التاريخ الحديثة على فلسفة التاريخ التقليدية.

و للأسف ظلت فلسفة التاريخ التقليدية الأفق الذي لا يمكن تجاوزه في نظر معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية في وقت إنقلبت فيه المفاهيم. فمثلا نجد مسيرة ريموند أرون و قد إبتدأت مسيرته منذ عام 1930 و قد لاحظ أن ساحة الفكر في فرنسا تسيطر عليها أفكار الوضعية المنطقية في وثوقياتها و يقينياتها و حتمايتها‘ و لم تعد تعمل كعقل قديم في عالم جديد يحتاج لفلسفة تاريخ حديثة لا تنبهر بتاريخ الفلسفة بل عليها أن تبحث عن فلسفة التاريخ.

و بالمناسبة قفزة ريموند أرون من تاريخ الفلسفة الى فلسفة التاريخ تذكرك بقفزة فردريك نيتشة قبل ريموند أرون و قلبه لفكرة قوة الإرادة الى إرادة القوة. طعبا فردريك نيتشة مشهود له بأنه فلولوجست بارع في فهمه لفقه اللغة و من هناك إنفجرت إبداعاته الفلسفية.

ما أقصده أن هناك فلاسفة و علماء إجتماع و أنثروبولوجويون لهم القدرة على تغيير مسار الأفكار تغيرا كاملا مع طرح فكر مغاير تماما لما كان سائد و منهم ريموند أرون و ماكس فيبر و عكسهما تماما كان الدكتور يوسف فضل كمؤرخ تقليدي. و يتضح ذلك في إلتصاقه بفلسفة التاريخ التقليدية و تمجيدها للمنهجية التاريخية و تقديسها للوثيقة.

و عليه كان كل همه و أقصد الدكتور يوسف فضل توثيق التراث و حفظه كوثائق مقدسة و غابت عن أفقه أن علم الإجتماع قد أصبح بعدأ معرفيا في صميم الديالكتيك. و لهذا السبب جاء دور معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية كمكرس للمنهجية التاريخية.

و بالتالي قام بتأبيد فلسفة التاريخ التقليدية و هذا هو سبب سيره المعاكس لسير مراكز البحوث في المجتمعات الحية و أوضح مؤشر على سيره المعاكس لمراكز البحوث في المجتمعات الحديثة يتضح في نشاط الدكتور عبد الله علي ابراهيم كثمرة مرة لهذا المعهد.

بالمناسبة إرتكز ريموند أرون في أفكاره الجديدة على أفكار عالم الإجتماع ماكس فيبر‘ و عليه أصبح علم الإجتماع بعدا معرفيا في صميم الديالكتيك و هذا هو الأفق الغائب عن معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية و قد قاده الدكتور يوسف فضل كمؤرخ تقليدي تسوقة المنهجية التاريخية و هوسها بفكرة الوثيقة المقدسة في وقت إهتمت مراكز البحوث الحديثة منذ منتصف الستينيات من القرن المنصرم و هو زمن نشأة المعهد و إفتتاحه.

إهتمت مراكز البحوث في المجتمعات الحديثة بفكرة كيفية إلتقاء خطوط تماس العلوم الإنسانية و أصبح مثلث الأقانيم متجسد في إلتقاء الفلسفة و علم الإجتماع و النظريات السياسية‘ و نتاجه وضوح الرؤية المتجسدة في الفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية و تجسيدهما لفكرة الدولة الحديثة و مفهوم ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية.

و العكس لعب معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية دور معاكس عندما عكس أفكار المؤرخيين التقليديين في إهتمامهم بالتوثيق و دراسة التراث و إعادة وضعه في وثائق مقدسة تهاب الخوض في مثلث إلتقاء الديمقراطية و السياسة و التشريع و غابت الفلسفة التي تمكننا من الخروج من أزمة العلوم الإنسانية السائدة و المتمكنة من النخب السودانية.

لهذا السبب لعب معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية عبر جهود الدكتور عبد الله علي ابراهيم دورا بارزا في تغبيش الوعي عن مفهوم الدولة الحديثة و كذلك تغبيش الوعي عن ممارسة السلطة في المجتمعات الحديثة.

و هذا سببه أن هناك بعد فلسفي غائب عن أفق الدكتور يوسف فضل كمؤسس لشعبة أبحاث السودان لذلك لم يتحرج من حضوره مؤتمر الوثبة كخديعة كيزانية إبتلع طعمها. و السبب لأنه مؤرخ تقليدي سار سير معاكس لفلسفة التاريخ الحديثة من يوم أنشاءه لشعبة أبحاث السودان و إنعكس تدريبها أي شعبة أبحاث السودان في ضعف منهج الدكتور عبد الله علي ابراهيم.

و بالتالي جاءت جهوده الفكرية عاكسة الى عقل الحيرة و الإستحالة‘ و عاجزة عن مواجهة أي تحدي و التغلب عليه. و هذا هو سر متاهة الدكتور عبد الله علي ابراهيم و غفلته المتمكنة منه و قد جعلته ضعيف الإنتباه الى التحولات الهائلة في المفاهيم و نتاجها أن لأول مرة في تاريخ الإنسانية يصبح تاريخ البشرية تاريخا واحدا بعد الثورة الصناعية. في وقت ما زال عبد الله علي ابراهيم يتحصن بخصوصية المجتمع العربي الإسلامي التقليدي و بناه الثقافية التقليدية المتجذرة و المعادية للحداثة كما يقول هشام شرابي.

و متاهة الدكتور عبد الله علي ابراهيم عمرها ستين عاما منذ ذهابه الى ديار الكبابيش عام 1966 متأثرا بأنثروبولوجيا طلال أسد في إعتمادها على أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة و خاصة أفكار ميشيل فوكو. و خلال الستين سنة هذه‘ ما زال عبد الله علي ابراهيم قابعا في متاهته‘ تراجع ميشيل فوكو عن أفكاره و كفى عن مهاجمة عقل الأنوار، و تراجع إدورد سعيد عن أفكار ميشيل فوكو، و إفترق طريق إدورد سعيد عن طريق طلال أسد بعد إلتقاءهما و تعاونهما، و ظل عبد الله علي إبراهيم في متاهته.

و لهذا السبب إنحصر فكر الدكتور عبد الله علي ابراهيم في حيز الهويات القاتلة، و إبتعد عن أدب الحريات. و أدب الحريات هو ما يشغل ضمير المفكريين الآن و يساعدهم على تفسير ظاهرة المجتمع البشري في مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و هي تحت نير التحولات الهائلة في المفاهيم. و هذا ما غفلت عنه شعبة أبحاث السودان و من بعدها قد تجاهله معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية بسبب إعتماده على المنهجية التاريخية.

و هنا بالمناسبة وجب تنبيه القاري بأن المنهجية التاريخية التي يعتمد عليها الدكتور يوسف فضل و الدكتور عبد الله علي ابراهيم قد أبعدتها مدرسة الحوليات عن المشهد منذ قرن كامل من الزمن. أو قل تم أبعادها قبل ثلاثة عقود من قيام شعبة أبحاث السودان و قد صارت فيما بعد معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية و ما زالت تسير على المنهجية التاريخية و وثيقتها المقدسة.

الغريب أن أغلب النخب السودانية التقليدية، و ليس عبد الله علي ابراهيم وحده الذي يتخفى خلف خصوصية المجتمع السوداني التقليدي. بل أغلب المثقفين التقليديين السودانيين يعتقدون أن مجتمعنا التقليدي السوداني له خصوصيته، و له تاريخه الخاص به و ينبغي أن يسير على منواله.

و هذا خطاء شنيع لأن البشرية قد أصبح تاريخها واحد بعد الثورة الصناعية حتى و لو لم يعد السودان دولة صناعية، و مازال في طريقه الى النمو. إلا أننا في حوجة لتاريخ المجتمعات الصناعية و تجاربها و قد أصبحت تراثا إنسانيا. أي يمكننا القول أن ليس لنا حوجة لتاريخنا التقليدي و ثقافاته التقليدية المتجذرة و المعادية للحداثة بشراسة مثقفها التقليدي المعادي للثقافة الغربية و يصر على أنها عدوا أبديا.

و هذا خطاء قاتل- أي معادات الحضارة الغربية. لأن الحضارة الغربية قد تفوّقت على الحضارات التقليدية و من ضمنها الحضارة العربية الإسلامية التقليدية التي تعادي و تسد كل الطرق المؤدية الى النزعة الإنسانية التي نحتاج لها بشدة. و النزعة الإنسانية هي نتاج القطيعة مع التراث الذي تريد شعبة أبحاث السودان توثيقه و حفظه كوثيقة مقدسة.

و من هنا جاء قولنا أن شعبة أبحاث السودان منذ إنشاءها عام 1963 كانت تسير في الإتجاه المعاكس لسير مراكز البحوث في المجتمعات الحديثة. بل يمكننا القول أن شعبة أبحاث السودان قد سدّت الطريق أمام اليقظة و النهضة و الإنعتاق و لا يكون الإنعتاق بغير القطيعة مع التراث الذي تريد شعبة أبحاث السودان توثيقه كوثيقة مقدسة.

بالمناسبة محاولة الدكتور يوسف فضل في شعبة أبحاث السودان مركزها فكرة إعادة إكتشاف السودان القديم، و هذا مستحيل- أي إعادة إكتشاف السودان عن طريق توثيق تراثة في وثائق مقدسة. و لو كان الدكتور يوسف فضل ملم بقليل من أفكار بنيوية كلود ليفي إشتراوس و هي نتاج تماس خطوط فهمه لعلم الإجتماع و الأنثروبولوجيا و الفلسفة، لما وقع في خطاء إعتقاده في منفعة توثيق تراث المجتمعات السودانية التقليدية.

و لكن الفرق بين مشروع كلود ليفي إشتراوس و مشروع الدكتور يوسف فضل فرق في المناهج و فرق في البدايات الزمنية. كلود ليفي إشتراوس عندما بلغت عنده أفكار البنيوية مجدها، في الستينيات من القرن المنصرم. و هي نفس زمن إنشاء يوسف فضل لشعبة أبحاث السودان.

كان كلود ليفي إشترواس و من قبل خمسة و ثلاثين عام سابقة لقيام شعبة أبحاث السودان مدركا الى أن فلسفة التاريخ التقليدية ترسل آخر خيوط أشعة مغيبها. ففي عام 1934 ذهب الى البرازيل كأستاذ لعلم الإجتماع. و بدأ دراسته لمجتمع الهنود الحمر في الأمازون و خرج بكتابه مداريات حزينة عام 1955 و هو سيرة لشرح تاريخ و حضارة البشرية.

و لو إطلع الدكتور يوسف فضل على أفكار كلود ليفي إشترواس لما سار خلف أنثروبولوجيا طلال أسد على الإطلاق. لذلك قلنا أن شعبة أبحاث السودان كانت منذ بدايتها تسير عكس سير أفكار مراكز البحوث في المجتمعات الحديثة، و ما أحوجنا إليها- أي أفكار مراكز البحوث الحديثة.

و لهذا السبب غاب عن جهودها الفكرية أقصد هنا شعبة أبحاث السودان، التفكير النقدي المفضي الى معرفة المعرفة كما نجده في بنيوية كلود ليفي إشتراوس، و في نفس الوقت يغيب التفكير النقدي عن منشورات معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية و هو تطور لشعبة أبحاث السودان التي أسسها الدكتور يوسف فضل عام 1963.

نضرب مثل بالهند و هي أقرب لحال مجتمعنا السوداني. كان المهاتما غاندي يحلم بعودة الهند القديمة بعد خروج الإستعمار مثلما يحلم الدكتور يوسف فضل بعودة السودان القديم عبر إعادة إكتشافه بتوثيق تراثه في وثائق مقدسة و هذا وهم كبير. و لكن لحسن حظ الهند كان للمهاتما غاندي ثقة كبيرة في نهرو و أستطاع نهرو إقناع المهاتما بأن عودة الهند القديمة مستحيلة، و لذلك تلزمنا هند حديثة و تقنية و ديمقراطية و أقتنع غاندي بقول نهرو.

و عندما سئل نهرو لماذا أختار للهند الديمقراطية و لم يختار لها الشيوعية؟ كان رد نهرو أنه قد قراء كتاب رأس المال لماركس بتمحيص و لم يجد فيه ما يجعله أن يكون ماركسيا. و هنا قصدت أن أوضح الفرق بين نهرو و الدكتور يوسف فضل. نهرو أختار للهند الديمقراطية و التقنية و الحداثة بسبب إتساع منهجه و معرفته بكيفية سير الحضارة البشرية،

و يوسف فضل سار على فكرة توثيق التراث و هو نفس وهم الإسلاميين عن عودة الماضي الذهبي لذلك لا يتحرج يوسف فضل أن يجلس في مجالس الكيزان و حاله كحال تلميذه عبد الله علي ابراهيم في محاباته لفكر الكيزان.

في ختام هذا المقال نعود لفكرة سير فكر معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية المعاكس لسير أفكار العالم الحديث. و قلنا أن سببه أن الدكتور يوسف فضل لم ينتبه الى أن نفس سنة تأسيسه لشعبة أبحاث السودان هي نفس لحظة إنتصار فلسفة التاريخ على ما كان سائدا و هو تاريخ الفلسفة و هذه فكرة ريموند أرون و لكي يثبتها، أحتاج لثلاثة عقود لكي يقنع مراكز البحوث في فرنسا. و بعدها صارت فكرته على موعد مع الحضارات.

و كذلك يمكننا أن نذكر تجربة مدرسة الحوليات الفرنسية. و قد بداءت طرح فكرها في نفس زمن بداية ريموند أرون لفكره أي عام 1929 و في منتصف الستينيات، وصلت لتاريخ الذهنيات عبر فكر بلوخ و فيفر. و مدرسة الحوليات عبر دراساتها للتاريخ الإجتماعي و التاريخي الإقتصادي، على المدى الطويل يصير التاريخ علم إجتماع، و هنا يتضح سير الدكتور يوسف فضل في الإتجاه المعاكس لمدرسة الحوليات.

أما علاقة الدكتور يوسف فضل بعلم إجتماع ماكس فيبر، و دوره في التأطير لفكرة و مفهوم الدولة الحديثة، فتكاد تكون علاقة قطيعة واضحة. و لا تجد أي أثر لعلم إجتماع ماكس فيبر في فكر الدكتور يوسف فضل و لا في جهود تلاميذه و السبب أن الدكتور يوسف فضل ظل أسير المنهجية التاريخية. و للأسف كرس لها كل جهوده لتجسيد فكرة الوثيقة المقدسة رغم أن مدرسة الحوليات قد أزاحتها من المشهد منذ قرن كامل.

في الختام، لو شبهنا أفكار الدكتور يوسف فضل بأفكار مراكز البحوث الحديثة، فكأنك ترى رقم ثمانية باللغة الإنجليزية مكتوب أمامك. فدائرة الرغم العليا فيها سهم يؤشر الى أعلى، و هي تمثل أفكار مراكز البحوث الحديثة و هي مفتوحة على اللا النهاية. أما الدائرة السفلى للرقم، و بها سهم يؤشر الى الأسفل، و هي تجسد فكر الدكتور يوسف فضل في رهانه على توثيق التراث و بحثه عن مستقبل يأتي من ماضي ذهبي و هيهات.

لذلك قلنا، أن أفكار الدكتور يوسف فضل، كانت منذ بداية معهد الدراسات الأسيوية و الأفريقية معاكسه في سيرها لأفكار مراكز البحوث في المجتمعات الحية. و الدليل على متاهتها، ورطة الدكتور عبد الله علي ابراهيم في منهجها. و الآن قد مرت عليه في هذا العام ستون عاما على ذهابه لديار الكبابيش و ما زال فكره معاديا للحداثة و فكرة الدولة الحديثة.

taheromer86@yahoo.com

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

تاريخ الذهنيات وتمحيص العقل الجماعي وعلم النفس الجماعي ودور غيابه في إعتبار كيزان السودان منظمة إرهابية

طاهر عمر مارسيل غوشيه عالم إجتماع فرنسي و مؤرخ و فيلسوف. أفكاره تكاد تكون نادرة …