مناظير الاثنين 1 يونيو، 2026
زهير السرّاج
manazzeer@yahoo.com
برزت خلال الحرب السودانية ظاهرة انتقال عدد من قادة قوات الدعم السريع إلى الجيش السوداني، والاحتفاء بهم رسميا باعتبارهم “منحازين للوطن”، دون أن يسبق ذلك أي مسار قضائي واضح أو مساءلة مستقلة بشأن سجلهم أثناء الحرب.
من أبرز هذه الحالات أبو عاقلة كيكل، القيادي الميداني السابق في الدعم السريع بولاية الجزيرة، الذي ارتبط إسمه خلال العمليات العسكرية التي أعقبت اندلاع الحرب في أبريل 2023، حسب تقارير محلية وشهادات ميدانية متعددة، بانتهاكات جسيمة ضد المدنيين شملت القتل خارج نطاق القانون، والنهب الواسع، والاعتقالات التعسفية في مناطق وسط السودان، خصوصًا ولاية الجزيرة، ورغم عدم حسم هذه الاتهامات قضائيا أمام محاكم مستقلة، فإنها ظلت جزءا من سجلات موثقة بواسطة جهات حقوقية وإعلامية مختلفة.
في شهر أكتوبر 2024، أعلن كيكل انشقاقه عن الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش السوداني مع مجموعات مسلحة كانت تحت قيادته، وقُدم هذا التحول في الخطاب الرسمي والإعلامي بوصفه “انحيازًا للوطن”، وتم استيعاب قواته ضمن ترتيبات عسكرية جديدة داخل الجيش، ولقد برز حينذاك ولا يزال السؤال القانوني الجوهري: هل يُغيّر تغيير المعسكر طبيعة الأفعال السابقة، أم أن العدالة يجب أن تأخذ مساراً قضائياً مستقلاً قبل أي إعادة إدماج؟
وظهرت لاحقا موجات أخرى من الانشقاقات شملت قيادات ميدانية أخرى مثل (علي رزق الله) المعروف بـ “السافنا”، الذي أعلن في مايو 2026 انشقاقه عن الدعم السريع، إضافةً إلى (النور أحمد آدم)، أحد القيادات المرتبطة بساحة العمليات في دارفور، والذي انضم لاحقاً إلى الجيش في سياق إعادة التموضع العسكري خلال الحرب، ورغم اختلاف التفاصيل بين الحالات، إلا أن القاسم المشترك بينها هو إعادة إستيعاب هؤلاء المنشقين داخل المؤسسة العسكرية والاحتفاء بهم دون إعلان واضح عن أي إجراءات تحقيق أو مساءلة تتناسب مع طبيعة الاتهامات التي ارتبطت بالحرب.
وكان أخطر ما كشفته هذه الظاهرة ليس مجرد الانتقال من معسكر إلى آخر بدون محاسبة، بل ما أعلنه (السافنا) في تسجيلات وتصريحات متداولة عن حصوله على أموال مقابل الانشقاق عن الدعم السريع، مما أثار ضجةً واسعة، وكشف الجانب الأكثر خطورةً وقبحاً في المشهد، وهو أن المسألة ليست “مراجعة وطنية” أو “انحيازًا أخلاقيا”، بل إرتزاقا وسوقاً مفتوحة للشراء والبيع السياسي والعسكري.
وزادت الضجة مع تداول اتهامات ومزاعم واسعة بأن الأموال التي دُفعت لبعض المنشقين مصدرها جهات خارجية داعمة للجيش رغم عدم وجود تأكيدات رسمية علنية لذلك، ولكن مجرد انتشار هذا الحديث على نطاق واسع أحدث ضرراً بالغاً بصورة المؤسسة العسكرية، لأنه نقل القضية من إطار “الانشقاقات السياسية” إلى خانة الرشاوي وإدارة الحرب عبر المال الاجنبي، ليس المحلي فقط، بل الأجنبي وفقدان الكرامة والسيادة الوطنية.
وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد تبديل الولاءات، إذ تتحول الحرب نفسها إلى تجارة فاسدة قائمة على ما يشبه نظام النخاسة في العصور القديمة، حيث يمكن شراء المقاتلين والقادة وإعادة تدويرهم داخل مؤسسات الدولة بغض النظر عن سجلهم السابق، وبذلك لا يعود الانشقاق موقفاً مبدئياً أو وطنياً، بل صفقة سياسية ومالية تُدار بمنطق السوق لا بمنطق القانون أو الأخلاق.
إذا أخذنا المسألة من منظور قانوني، فإن هذه الظاهرة تضع الدولة أمام إشكال بالغ الخطورة، فحسب قواعد القانون الدولي الإنساني، لا تسقط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم، ولا تزول بتبدل الانتماء السياسي أو العسكري، وتظل المسؤولية الجنائية الفردية قائمة بغض النظر عن موقع الشخص داخل البنية العسكرية، وبالتالي فإن استيعاب أفراد ارتبطت أسماؤهم باتهامات خطيرة دون مسار عدلي مستقل لا يُمثل مجرد قرار إداري، بل يطرح سؤالاً حول التزام الدولة ذاتها بمبدأ إحترام القانون.
كما ان الإشكال لا يقف عند البعد القانوني فقط، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي والمؤسسي، حيث تظهر هنا جريمة أكثر تعقيداً وهى تداخل الحرب مع الاتجار غير المشروع، إذ إن غياب المساءلة في سياقات النزاع المسلح غالباً ما يفتح الباب أمام غسيل الأموال القذرة المرتبطة بالاقتصاد الحربي، سواء عبر التهريب، أو شبكات النهب المنظم، أو شراء الولاءات العسكرية، أو تحويل الأموال المشبوهة إلى نفوذ سياسي وعسكري جديد داخل الدولة.
أما من ناحية مهنية، فإن دمج تشكيلات مسلحة وقادتها دون مراجعة قانونية أو تدقيق مؤسسي مستقل، يضعف البنية الاحترافية للجيش، ويزيد من تآكل الفاصل بين المؤسسة النظامية والمليشيات، فالجيوش الحديثة لا تُبنى على إعادة توزيع الولاءات، بل على الانضباط والمحاسبة والهرمية القانونية الواضحة.
إن ما يمكن تسميتها مجازاً بـ ” غسيل الجنجويد” ليست مجرد استعارة عابرة، بل وصف لآلية سياسية خطيرة، وهى إعادة تدوير المقاتلين والأموال والاتهامات داخل مؤسسات الدولة، بحيث يصبح الماضي قابلاً للمحو بمجرد تبديل الموقع أو دفع الثمن المناسب.
لكن الحقيقة التي لا يستطيع البرهان أو أى شخص محوها، هي أن الدم لا يُغسل بتغيير الانتماءات، وأن العدالة لا تُشترى بالمال، وأن الوطن لا يُبنى على سوق للمليشيات والانشقاقات مدفوعة الثمن.
في الحروب لا تُقاس الوقائع بميزان القوة العسكرية فقط، بل بميزان القانون والأخلاق والمهنية المؤسسية، وحين يختل هذا الميزان لا تتشظى الدولة فقط، بل تتشوه فكرة الدولة ذاتها، وتتحول من إطار يحتكر العنف المشروع ويُخضعه للقانون، إلى ميدان لإعادة تدوير العنف والمجرمين وفق منطق الولاء اللحظي، لا منطق المساءلة وحماية حقوق الضحايا.
