تحل ذكرى فض اعتصام القيادة العامة هذا العام في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، إذ لا تزال البلاد تعيش تداعيات حرب مدمرة ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة، وأثارت مخاوف واسعة بشأن وحدة الوطن وتماسك نسيجه الاجتماعي.
وخلفت الحرب خسائر بشرية ومادية جسيمة، تمثلت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، وتعطل مشاريع التنمية والمؤسسات الإنتاجية، إلى جانب نزوح الملايين من المواطنين داخل البلاد وخارجها، حيث يواجه كثير منهم أوضاعًا إنسانية صعبة وانتهاكات متعددة في مناطق اللجوء والنزوح.
ويستعيد السودانيون في هذه المناسبة ذكرى اعتصام القيادة العامة الذي شكل، بالنسبة لكثيرين، نموذجًا مصغرًا لوطن يتجاوز الانقسامات والصراعات التي ترسخت خلال عقود من الحكم السابق. فقد مثل الاعتصام مساحة التقت فيها مختلف مكونات المجتمع السوداني، في مشهد عكس تطلعات واسعة نحو بناء دولة قائمة على المواطنة والتعايش المشترك.
مثّل الاعتصام نقطة انطلاق نحو معالجة آثار سنوات طويلة من الاستبداد والفساد والتهميش، التي انعكست على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. ولم يقتصر دوره على كونه ساحة للاحتجاج السياسي وحماية مسار الثورة، بل تحول إلى فضاء للتعبير الثقافي والفني وإحياء قيم التضامن والتكافل بين السودانيين.
وشهدت ساحة الاعتصام مظاهر لافتة من الوحدة الوطنية والتلاحم المجتمعي، تجسدت في مبادرات التكافل والتعاون بين المعتصمين، وفي الشعارات التي أكدت على وحدة المصير والأهداف.
لا تزال أحداث فض الاعتصام وما صاحبها من انتهاكات تمثل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الوطنية، وسط استمرار المطالب بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن تلك الأحداث، وكشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام.
وفي الذكرى السنوية للمجزرة، تتجدد مشاعر الحزن والوفاء للشهداء الذين فقدوا أرواحهم خلال تلك الأحداث، كما تتجدد الدعوات إلى التمسك بقيم الحرية والسلام والعدالة التي رفعتها الثورة، والعمل من أجل إنهاء الحرب واستعادة مسار التحول المدني وبناء دولة يسودها الاستقرار وسيادة القانون.
ويبقى استذكار هذه المناسبة فرصة للتأكيد على أهمية وحدة السودانيين في مواجهة التحديات الراهنة، وعلى ضرورة تغليب الحوار والسلام حفاظًا على مستقبل البلاد وأمن شعبها.
لا_للحرب
أحمد الملك
ortoot@gmail.com
