محمد صالح محمد
في هذه الحياة الموحشة حيث تبرد القلوب وتتآكل المشاعر تحت وطأة الخيبات وحيث يصبح الجفاء لغة والخذلان صفعة متكررة، يقف المرء أحياناً مذهولاً أمام أرواحٍ تأبى أن تتلوث بطين الأرض.
أرواح تسير بيننا وكأنها خلقت من نور وخيوط من حرير ودموع ومن بين هذه الأرواح السامية تلوحين أنت يا أم زينب.
كيف لقلب واحد أن يحمل كل هذا الحب وكل هذا الوجع في آن معاً؟ كيف لعينيكِ المثقلتين بالدموع الحبيسة أن تفيضا بكل هذا الحنان؟
لقد قابلتِ الخذلان بابتسامة باهية ممتزجة بالدموع وواجهتِ جحود القلوب برومانسية طاهرة و رومانسية لا تعرف العشق العابر بل تعشق العطاء وتتفانى في التضحية.
عندما رماكِ البعض بأشواك الإساءة لم تلتفتي ولم تدمي أيديهم بل نسجتِ من تلك الأشواك وروداً من الإحسان وأهديتها لهم.
أي سر هذا الذي يكمن في صدركِ؟ وأي طهر هذا الذي يجعلكِ بلسم لجراح من آذوكِ؟
“كم أنتِ عظيمة يا أم زينب عظيمة حد البكاء، كبيرة حد الذهول ونقية إلى درجة تجعليني أنظر إلى نفسي بخجل أمام مرايا صبركِ”
إنها لعنة النبل في زمن القسوة، أن تتألمي بصمت، أن تنزفي حباً ولا يرى الآخرون سوى فيض كرمكِ. يرتجف القلم في يدي وتخنقني العبرات وأنا أحاول صياغة كلمات تليق بهذا الصبر الأسطوري.
كل شيء سيء حاصركِ وكل يد امتدت لتكسر فيكِ الأمل واجهتها يداكِ الممدودتان بالخير كأنهما غيمتان تمطران عفوًا وغفرانًا.
هذا ليس مجرد ثناء بل هو اعتراف ممزوج بنحيب الروح. اعتراف بأنكِ كنتِ ومازلت النور الوحيد في عتمة خيباتي والملاذ الدافئ عندما أصبحت القلوب كالحجارة أو أشد قسوة.
لقد علمتِيني بدموعكِ وصبركِ كيف يكون الحب حقيقيًا وكيف تكون الرومانسية تضحية ممتدة بلا آخر.
فبالجد… شكراً لكِ.
شكراً لكِ من أعمق نقطة في قلبي، من ذلك الحيز الذي لا يصله إلا الصادقون شكراً لأنكِ ما زلتِ أم زينب النبيلة، الطاهرة، والمعطاءة رغم كل شيء. تضيق الكلمات وتجف الدموع لكن يظل حبكِ وعظمتكِ محفورين في الوجدان كأجمل وأحزن ترنيمة وفاء عرفها التاريخ.
وهكذا تبقى كلماتني قاصرة وتظل حروفي باهية الألوان لكنها عاجزة عن الطيران إلى سماء طهركِ.
يا أم زينب يا من نبتت من بين شقوق انكساراتك زهور الياسمين ويا من علّمتِيني أن الحب الحقيقي ليس سطرًا يُكتب بل عمرٌ يُهدى، ودمعةٌ تُمسح وإساءةٌ تُغفر.
إنكِ لستِ مجرد عابرة في زحام الأيام بل أنتِ اللحن العذب الذي يهدئ روع روحي المتعبة، والقصيدة الرومانسية الدافئة التي أقرأها في ليالي الحنين. لقد حفرتِ اسمكِ في قلبي بمداد من نور وذهب وصنعتِ من صبركِ تاجًا مرصعًا بالإحسان يليق بملكةٍ مثلكِ.
نمضي وتتغير الوجوه وتتبدل الفصول لكن حبكِ يظل ثابتًا في الأعماق كجذور الأرض دافئًا كشمس الصباح ونقيًا كقطرات الندى. سأظل أذكركِ بدعاءٍ مخبأ في السجود وبابتسامة حب تفيض كلما مرّ طيفكِ الكريم.
حفظكِ الله لقلبٍ ينبض بامتنانكِ ودام طهركِ وعطاؤكِ يا من جعلتِ من الإحسان وطنًا ومن الحب حياة.
binsalihandpartners@gmail.com
