بقلم: هشام الحلو
تتلبس الأغنية السودانية المعاصرة حالةٌ من القلق الوجودي، وهي تقف على التخوم الفاصلة بين سطوة السلم “الخماسي” بظلاله الصوفية والرعوية الممتدة، وبين نداءات الحداثة والعولمة الموسيقية العابرة للحدود. وفي هذا الفضاء المتأرجح، لا تبدو الفنانة إيلاف عبد العزيز مجرد صوتٍ عابر يبتغي الطرب، بل تتجلى كظاهرة أسلوبية واعية تؤسس لـ “برادايم” جديد في بنية البوب السوداني الحديث، وتمنح الأغنية النسائية المعاصرة أبعاداً نقدية تزاوج بين عمق النشأة وراديكالية التجديد الفني الباذخ.
إن تفكيك الشيفرة الصوتية لإيلاف عبد العزيز يستلزم بالضرورة العودة إلى ينابيعها الأولى؛ فالصوت هنا ليس نتاج مصادفة بيولوجية، بل هو معجونٌ بإرث المديح الصوفي الحاضر في جينات تكوينها عبر والدها المادح عبد العزيز زين العابدين. هذا التأسيس الروحي منح حنجرتها حصانة لغوية ومتانة مخرجية تشبه القواعد الصارمة لرواد “الحقيبة”، غير أن المدهش في تجربتها هو تلك المرونة السيميائية العالية في الانتقال بين السلالم؛ فهي لا تتحصن داخل المحبس الخماسي كمقدس فلكلوري جامد، بل تقيم جسوراً واعية مع السلالم السباعية العربية والغربية. هذا الهجين الموسيقي يمنحها قدرة فذة على المواربة والتلوين، محولةً الأغنية من نمطها المحلي المغلق إلى فضاء المثاقفة المنفتح، دون أن تفقد الهوية الكوشية العميقة للإيقاعات الأساسية كالتمتم والدلوكة.
ولا يمكن قراءة هذه التجربة المتفردة بمعزل عن الصيرورة التاريخية للأغنية الشبابية السودانية؛ فإذا كانت المحاولات التأسيسية في القرن الماضي، والتي قادتها أسماء بارزة كالفنانة حنان بلوبلو، قد ركزت على كسر الجمود الاجتماعي عبر البوب الاستعراضي الحركي لتحديث إيقاع التمتم، فإن إيلاف عبد العزيز قد أحدثت قفزة أسلوبية مغايرة تماماً، حيث نقلت التجديد من حركية الجسد على المسرح إلى سلطة الاستوديو الرقمي وتوزيع الأوركسترا الباذخ، متخذةً من الوقار المسرحي الطاغي منصة لإعلاء قيمة التطريب الصوتي والقفلات الحنجرية الصوفية، ومسندةً مهمة الحداثة والتثوير لـ “الديجيتال والتريند” والتوزيع الموسيقي العالمي.
وتتجلى نخبويّة التجربة لدى إيلاف في قدرتها الفائقة على إدارة الصراع بين الأصالة والمعاصرة بهندسة فنية شديدة الذكاء؛ فعندما تلامس روائع الحقيبة والتراث مثل “لون الخدار” أو “زمن الربيع حلا”، فهي لا تغنيها بروح المحاكاة البليدة، بل تعيد تفكيكها أوركسترالياً بسحبها من فضاء الرق والكورس الكلاسيكي لتزرعها في بيئة هارمونية حديثة تجذب جيل الألفية. وبذات القدر من التمكن، نقلت أغاني الحماس مثل “تور الجر” من طابعها الحفلاتي الضيق إلى رحابة الملحمة المسرحية التي تمجد الفخر بحيوية متجددة.
ويمتد هذا النزوع التجديدي الطاغي ليعيد صياغة شكل الأغنية عبر مسارين متميزين؛ أولهما هو التحديث الهجين للبوب السوداني الحضري الذي يتمثل في أغنية “أمانة” كنموذج صارخ لكسر النمطية، ودمج الغناء الطربي النسائي بالموسيقى الحضرية والأفرو-بوب. ويعتبر اللون الموسيقي الدقيق لهذه الأغنية هو “الزنق الكتمة” المعاصر (Modern Zanig/Katma) المدمج مع “الأفرو-بيتس” (Afro-beats)، حيث تعتمد على إيقاع سريع ومتتابع يحاكي موسيقى الحفلات الشبابية الحديثة، مصحوباً بهندسة صوتية رقمية تمنحه طابعاً راقصاً وحماسياً. ورغم أن اللحن مبني بالكامل على السلم الخماسي الأصيل المتداخل مع النمط الأفريقي المعاصر ليجمع بين الهوية المحلية والعالمية بأسلوب “أغاني البنات” المتطور، إلا أن كلماتها قد جنحت لتلامس مواضيع حياتية بزخم صوفي عميق حول تمخضات الحياة وانكساراتها، والدعوة للصبر والتيقن في مكاشفة صريحة لضيق الظروف من جراء الحروب والنزوح، لتصاغ بذكاء في قالب إنتاجي ضخم يناسب المنصات الرقمية.
أما المسار الثاني، فهو تفعيل دور الأغنية في الدراما عبر تترات المسلسلات كأغنية “مقادير”، لتثبت إيلاف أن صوتها يمتلك مرونة درامية قادرة على تلوين المشهد البصري وتحويل التتر إلى نص وجودي مستقل بذاته؛ مؤكدة في المجمل أنها لا تقف في الساحة الفنية كظاهرة استهلاكية عابرة تصنعها الخوارزميات، بل كامتداد ذكي وواعٍ يأخذ بأصالة التراث الكلاسيكي ليصهرها في تقنيات العولمة الرقمية، صانعةً لنفسها لونية باذخة الدهشة تعيد صياغة الذاكرة الجمعية بروح العصر.
hishamissa.issa50@gmail.com
