قُبَب المُسوداب والفكي توم- 2
شَذَرَات مِنْ تَاريخ وتُراث المَقَل والحِجِيْر
مُؤانسة مَع العَم أحمد الفَضُل
تحرير عادل سيد أحمد
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
اسمي الكامل أحمد محمد أحمد محمد الفضل.
تكلمنا عن القبة الفوقانية، وهي (قبة الفكي توم)، الآن نريد أن نتكلم عن القبة التحتانية، وهي قبة المسوداب.
طبعا المسوداب هؤلاء، أصلا كانوا في القرير، والقرير هذه كان قد أسماها جدنا الكبير مِسُود (تُوقَلي) ثم رحل منها أبناؤه إلى منطقة المقل في الضفة الشرقية، ونحن لا نعرف الظروف التي جعلت أبناء جدنا الكبير يرحلون من القُرِير إلى المقل، وفي الغالب أن ضيق المساحة التي يمكن زرعها هناك ليست سبباً في هذا النزوح لأن مساحة الأرض الخصبة في المقل لا تزيد عنها كثيراً.
أما ابناؤه الباقون كلهم فقد قطنوا في منطقة المقل، ونحن لا نعرف ماهية الظروف، وهل هي ظروف الحروب أم متطلبات التوسع في التعليم الديني. المهم أنها ظروف غير معروفة يعني، لكن هم طبعاً أهلُ دينٍ وكانوا معلمين، ويقيموا في كل موقعٍ لهم خلاوي كثيرة، ويعلموا الناس أمور الدين.
سوف أتكلم عنهم في مرةٍ أخرى، لكن الآن أريد أن أتكلم عن هذه القبة ومن حولها.
1- القبة هي قبة المسوداب، وهي القبة التحتانية، وهي كبيرة جداً، وقديمة. ومدفون فيها (محمد ود مِسُود) و(عبد الرحيم وعبد الرحمن أولاد محمد)، وقد كانوا طبعاً قضاة ممالك حَنِّك.
القبة مدفون في خارجها (إسحاق اللَّحَاق) وهو توفي في تنقاسي وقد تكلمت عنه، ومن تنقاسي جيء به ودُفن خارج القبة.
وفي الأمام في بنية موجودة عبارة عن مبنى، وموجود فيه (عبد الرحيم ود المدني) أمام القبة مباشرةً. وعلى بعدٍ قليل منها هناك مبنى مدفون فيه (عبد الرحيم عبدو كاشف)، ونحن المسوداب أخواله، وقد كان يُحب المسوداب جداً، ومع إن أهله كلهم يدفنون هناك في الأراك، وأنه قد توفي في الخرطوم، إلا أنه أصر أن يُدفن هنا مع أخواله في مقابر المسوداب بالمقل، وقد ترحيل الجثمان بعد حفظه بالثلج لهذه المسافة الطويلة رغم صعوبة المواصلات ووعورة الطريق.
خلف القبة مدفون القاضي (موسى ود عبد الرحمن). تجد علامة واضحة على قبره، ويقال إنه كان قاضي التركية لكن يُخيل لي أنه كان قاضياً قبل التركية.
في الجانب الثاني مدفون (ود زَرُوق) وقد كان قاضياً ثم محامياً شهيراً أيضاً، وقد تكلمت عنه. وقد حكم قضايا كثيرة جداً، منها قضية الأراك الخاصة بالسُورجَاب.
2- قلنا مدفون في خارج القبة (عبد الرحيم ود المدني) وهو طبعاً جد الشيوخ أبو أمهم، وهو شيخ عالم كبير عنده (خلوة ود المدني) الموجودة عندنا هناك. أيضا مدفون فيها بقية المسوداب كلهم وهم: (آدم) وهو جد التسعة الكبار، ومدفون فيها (مُضوي).
أيضاً من الناس الغريبين وليسوا من هذه المنطقة المدفونين في هذه المقابر شيخ اسمه (ود السِّتِيَّة) وهو مدفون تحت قريب للدرب .
(ود السِّتِيَّة) يُقال إنه كان رجلاً صالحاً، جاءَ ماراً بالمقابر ورأى كيف أنها جميلة فأعجبته، فقال:
- (الواحد يتمنى أن يُدفن هنا!).
وحسب الرواية، ذهب وغرق في البحر (النيل) في البركل، وألقى به التيار قصاد (مقابل) القُبَب، وانتشلوا الجثمان قبالة هذه المنطقة، فدُفن هناك عندنا مقابر المسوداب، حتى أن له محل مُسوَّر بالحجارة، تجده نظيفاً على الدوام.
معظم المسوداب مدفونين في هذه القبة، حتى نحن آباءنا مدفونون فيها، فوالدي مدفونٌ فيها، وعنده قبر ظاهر، وفيه شاهد كبير جداً مكتوب فيه تاريخ وفاته وهو اليوم الثالث من نوفمبر 1956م، وقد نحتُّ أنا هذا الشاهد عندما كنت أدرس في الكُتَّاب في الوقت الذي توفي فيه أبي، وكنت قد قضيت خمسة عشر يوماً في الخلاء، فنحته الشواهد وكتبت عليه هذا الكلام، والآن هو واضح لا يزال، حتى عندما زار ابني وائل واخوانه المقابر لأول مرة التقطوا صورةً واضحةً عنده.
هذه منطقة مقابر المقل وقُبَب المسوداب.
لو أردنا أن نتكلم عن أولاد المسوداب، وأولاد المدفونين في القُبَب هنا، كما تكلمنا عن أولاد الفكي توم، فسيطول الكلام، فهو كثير لأن الناس كثيرين. والمدفن كبيرٌ جداً.
3- قبة المسوداب كانت مزار لأناسٍ كثيرين جداً، يعني دائماً يزورها العرسان، يجيئوا من كل المناطق، وعندما يجيء العريس تجئ العربات، ويعملوا سيرة طويلة جداً أمامها، ثم يدخل العرسان ليزوروا فيها، وهكذا.
يجئ الناس حتى من الأراك البعيدة، وتقف العربات بالقرب من المسوداب، وطبعاً ناس الأراك هم السورجاب، وشيوخهم كانوا هم المسوداب، يعني حتى كان ذلك هو السبب في أن (محمد عبدو كاشف) جاء وتزوَّج من المسوداب، تزوج بنت (عبد الرحيم ود المدني) أُم الشيوخ.
ثم أن هناك أشعار كثيرة جداً، منها مثلاً، يقولون لك: - ياولاد جابر قولوا كَبْ
يا المِسُوداب أهل القُبَب
يا رجال الله تقولوا كَبْ
تقلعوا الميجر من صَنَبْ
أصله نصراني قليل أدب!
وهذه القصيدة لها قصة طويلة جداً.
وود اليمني، وهو قريبي من ناحية أمي، تغنَّى وقال: - يا الدويحيي أهل القُبَب
يا رجال الله تقولوا كبْ!
واحتجينا على هذا الكلام، والحكاية صارت لامَّة، فذهبنا للتحكيم، وجرى التحكيم عند مسنَّة اسمها (بِتْ نُقُد) وهي أُم (عبد الرحيم الحسين) و(محمد الحسين)، وهما أصحاب طلمبة (ود الحسين) في محطة أبو حمامة في الشارع المتجه من السجانة إلى حي الشجرة، وعندهم بصات (ود الحسين) وهم ومعروفون.
أمهم، وتدعى (بت نقد) وهي من النساء اللائي لديهن معرفة، وهي ذاتها امرأة معروفة، المهم، ذهبنا لها في منزلها بالحلة الجديدة بالخرطوم لكي تحكم بيننا. هل قال هذا الشاعر: - (المسوداب أهل القُبَب؟، أم قال: الدويحية؟).
الحقيقة عندما زرناها، عاست لنا (قُرَّاصَة) وقالت: - (كَدْي تعالوا أقيفوا! وتخيلوا أننا الآن في مُسَّاوِي، أقيفوا على حيلكم، عاينوا بين التمر).
واستطردت: - (تشوفوا قُبَب المسوداب أم الدويحية؟).
فقلنا لها: - نشوف قُبَب المسوداب، لأن الدويحية بعيدين في جريف نوري (أو البركل).
وحكت لنا القصة كاملة، قالت: - كان العمدة، إدريس ود حليب وهو عمدة مساوي، كان عنده نزاع مع أحد أولاد المنطقة ذاتهم في قطعة أرض، وأشتكاه الرجلُ عند (الميجر)، وكان (الميجر) هو الحاكم الإنجليزي في مروي. فقال للميجر:
- “العمدة دا أخد الأرض بتاعتي”. وقتين جاء العمدة، الميجر حكم لصالح (ود حليب)، وعندما رجع المشتكي إلى مساوي اتجه ناحية قُبَب المسوداب، وقال لهم:
- (يا المسوداب أهل القُبَب!
يا رجال الله تقولوا كَبْ،
تقلعوا الميجر من صَنَبْ،
أصلو نصراني قليل أدب).
وقادت الصدفة الميجر إلى مساوي في زيارة للعمدة (ود حليب)، وكان ذلك في يوم جمعة، فحكوا له القصة، وقالوا: - (والله هذا الرجل قال فيك قصيدة: تقلع الميجر من صَنَبْ!).
والميجر ضحك وقال لهم: - نشوف القلع دة يكون كيف؟
لكن يُقال إنه رجع يوم السبت لشغله فوجد تلغرافاً على مكتبه، ففي ذلك الزمن كان يتعامل الناس بالتلغراف، وكان مكتوباً عليه: - (منقولٌ إلى إنجلترا).
وليس للخرطوم! وكأنما استجيبت دعوة ذلك الرجل المظلوم وتوسُّله بأولياء المسوداب الصالحين.
وكانت هذه الرواية كما روتها لنا (بت نقد) وهي أم أسرة (عبد الرحيم الحسين)، وأثبتت فيها إن الكلام كان: - (يا المسوداب أهل القُبَب).
وليس (الدويحية).
4- أيضا خارج هذه القبة مدفون (ود حليب المادح) وهو ولد حميلي، وحميلي هذه مسودابية من أولاد الفَضُل. ومدفونين فيها أيضاً أولاد آدم التسعة وهم: - علي، وهو جد أولاد علي، وهم موجودون في الحجير ومنهم ناس (كمال الشايقي) وقد كان شخصاً معروفاً.
- الحاج، وهو جد أولاد الحاج، وهؤلاء يقيمون في طرف كافوتة.
- الفضل، جدنا نحن أولاد الفضل، وكلهم إخوان.
- يحيى، وهو جد ناس أولاد (خلف الله ود مسود).
- الفكي، وهو جد ناس الفكي والفضل ود مهيدي.
- المدني جد (عبد الرحيم ود المدني) وهو جد الشيوخ من ناحية أمهم.
- إسحاق اللَّحَاق، مدفون فيها تحت.
يعني كل أولاد المسوداب وذريتهم مدفونين فيها. فيهم أناس انتشروا بالخارج وهذه قصة أخرى، ولكننا نتكلم الآن عن القُبَب.
إذا أردنا أن نتكلم عن الناس الآخرين، فسنتكلم عنهم فيما بعد.
وقد كان المسوداب شيوخاً لناس كثيرين جداً. وهذه القبة يزوروها أناس من الأراك، من مقاشي، من حزيمة، ومن تنقاسي لأن جدهم الكبير إسحاق مدفونٌ فيها.
5- هناك شيخ كبير جداً، وعالم حافظ للقرآن، وأنا رأيته، هذا رجل كان يجيء ويحاضر ويعلم ناس جدي، ويلقي عليهم دروس وحتى أمهاتنا كنَّ يحضرن، واسمه (قريب الله).
قريب الله هذا مدفونٌ هناك، وقد كان رجلاً ذا علم واسع.
قريب الله ود الفضل ود الحاج. والحاج هو أخ التسعة الذين تكلمت عنهم، وهم أولاد آدم، وأولاد مضوي، وأولاد عبد الرحمن ود محمد ود مسود.
وقريب الله مسمى على الشيخ قريب الله صاحب المسجد الكبير في ود نوباوي بأمدرمان، والسبب كان لأن أبوه الفضل ود الحاج كان يحفظ القرآن في الخلاوي في منطقة أم مَرحِي شمال وادي سيدنا، وتقع بين وادي سيدنا والسروراب، وهذه المنطقة التي كان فيها الشيخ المشهور. والفضل كان من التلاميذ الذين يعملون معه، وهو صار كبير المعلمين. وكان الشيخ قريب الله المعروف صغيراً ومن تلاميذه والتابعين له. قريب الله هذا هو صاحب مسجد قريب الله الموجود والمعروف في ود نوباوي.
وقريب الله عندما كان صغيراً، كانت عنده شعرة لأن إخوانه كلهم كانوا يموتون، وهناك عادة إذا كان الأطفال يموتون فيسموا المولود باسم غريب، ويعملوا له شَعرة، تكون موجودة في رأسه. وقد كان قريب الله تابعاً لجدنا الفضل ود الحاج.
أما قريب الله الأصل فعندما كان جدنا الفضل ود الحاج يريد أن يقطع البحر (يعدي) ليجلب حطباً للخلوة فيوقدوا بها نار الخلوة، فقريب الله جرى يريد أن يُعدي معهم ولكن أمه أمسكته، فعدى جدنا ومعه آخرين، عدوا البحر ووصلوا للضفة الأخرى فوجدوا قريب الله، ذاته، معهم.
هذه كانت أول كرامات ظهرت له، أو يُقال كذا، وهي قصص طبعاً حُكيت لنا، ونقلناها كما هي لأنها من تراث وقناعات بعض الناس منذ ذلك الزمان وحتى الآن، ويجب أن يعرفوها.
لذلك جدنا الحاج ود الفضل سمى ابنه (قريب الله) على هذا الشيخ.
ومن الصدف أن قريب الله ود الحاج أصبح من العلماء الكبار، وهو مدفونٌ أيضاً في مقابر المسوداب أمام القبة.
رحمهم الله…
6- ثم لو تجوَّلت خلال هذه المقابر خارج القبة تجد الشواهد القديمة مكتوب عليها كلها الفقيه فلان الفلاني، وكلهم فقهاء. ونحن طبعاً لم نحضرهم، لكنهم كانوا علماء، وكانوا موحدين، وحتى أنه عندما جاءت حروب الشايقية، وجاء الشايقية، قالوا لهم: - أعملوا لنا حِجْبَات تعيننا على حربنا.
فقالوا لهم: - لأ! نحن لا نعمل مثل هذه الأشياء لأن فيها شِرْك.
فذهب الشايقية للدويحية، فعملوا لهم الحِجْبات، وأعطوهم كذلك أشياء فيها كلام تجعل العدو يخافهم، ولكن هم لا يخافون.
وفي معركة أم بقر (معركة كورتي)، ظن الشايقية إن الحجاب سيحميهم، وهاجموا. لكن الرصاص أصابهم فانحصدوا. وفي النهاية جاء من تبقى منهم وحاربوا هؤلاء الدويحية حرباً شديدة جداً، وقتلوا منهم أعداداً كبيرة، لكنهم لم يَمَسُّوا المسوداب.
وهناك دعوات خلدتها قصائد كثيرة قيلت عن هؤلاء المسوداب.
وقالت عنهم بت نعمي وهي مسودابية وهي أم الأستاذ المرحوم محجوب كرار وجدة البروفيسور الزين عبد الرحيم كرار. وهي شاعرة أنشدت قصائد كثيرة. ومن الممكن أن نورد هنا منها مقطعين أو أو ثلاثة، فقد قالت بت نعمي عن المسوداب:
المسوداب إن جيت ماهن شوية
بت مسود حبوبتي الفنجرية
العمرو لسانا ماجاب الختية
ومن الكلام السائد عنهم في منطقتنا قولهم:
- ود مسود فوق الجريد فرَّ .
ويقولون لك: - يا المِسُوداب
العند الله قُرَاب.
وهذه كلها أقوال متداولة بين الناس، لكن المسوداب كانوا أناس صحيحي الإسلام ليس بإيمانهم شِرْك كما يحدث عادةً عند الشيوخ والدجالين.
لذلك لم يكتب عنهم (ود ضيف الله)، لأنه كتب طبعاً عن شيوخ الجزيرة كلهم وهكذا، وأورد أشياء كثيرة وغريبة جداً، وعمليات متناقضة مع دين الإسلام ومع التوحيد يعني.
والسلامُ عليكم…
قُبَب المُسوداب والفكي توم- 2
شَذَرَات مِنْ تَاريخ وتُراث المَقَل والحِجِيْر
مُؤانسة مَع العَم أحمد الفَضُل
تحرير عادل سيد أحمد
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
اسمي الكامل أحمد محمد أحمد محمد الفضل.
تكلمنا عن القبة الفوقانية، وهي (قبة الفكي توم)، الآن نريد أن نتكلم عن القبة التحتانية، وهي قبة المسوداب.
طبعا المسوداب هؤلاء، أصلا كانوا في القرير، والقرير هذه كان قد أسماها جدنا الكبير مِسُود (تُوقَلي) ثم رحل منها أبناؤه إلى منطقة المقل في الضفة الشرقية، ونحن لا نعرف الظروف التي جعلت أبناء جدنا الكبير يرحلون من القُرِير إلى المقل، وفي الغالب أن ضيق المساحة التي يمكن زرعها هناك ليست سبباً في هذا النزوح لأن مساحة الأرض الخصبة في المقل لا تزيد عنها كثيراً.
أما ابناؤه الباقون كلهم فقد قطنوا في منطقة المقل، ونحن لا نعرف ماهية الظروف، وهل هي ظروف الحروب أم متطلبات التوسع في التعليم الديني. المهم أنها ظروف غير معروفة يعني، لكن هم طبعاً أهلُ دينٍ وكانوا معلمين، ويقيموا في كل موقعٍ لهم خلاوي كثيرة، ويعلموا الناس أمور الدين.
سوف أتكلم عنهم في مرةٍ أخرى، لكن الآن أريد أن أتكلم عن هذه القبة ومن حولها.
1- القبة هي قبة المسوداب، وهي القبة التحتانية، وهي كبيرة جداً، وقديمة. ومدفون فيها (محمد ود مِسُود) و(عبد الرحيم وعبد الرحمن أولاد محمد)، وقد كانوا طبعاً قضاة ممالك حَنِّك.
القبة مدفون في خارجها (إسحاق اللَّحَاق) وهو توفي في تنقاسي وقد تكلمت عنه، ومن تنقاسي جيء به ودُفن خارج القبة.
وفي الأمام في بنية موجودة عبارة عن مبنى، وموجود فيه (عبد الرحيم ود المدني) أمام القبة مباشرةً. وعلى بعدٍ قليل منها هناك مبنى مدفون فيه (عبد الرحيم عبدو كاشف)، ونحن المسوداب أخواله، وقد كان يُحب المسوداب جداً، ومع إن أهله كلهم يدفنون هناك في الأراك، وأنه قد توفي في الخرطوم، إلا أنه أصر أن يُدفن هنا مع أخواله في مقابر المسوداب بالمقل، وقد ترحيل الجثمان بعد حفظه بالثلج لهذه المسافة الطويلة رغم صعوبة المواصلات ووعورة الطريق.
خلف القبة مدفون القاضي (موسى ود عبد الرحمن). تجد علامة واضحة على قبره، ويقال إنه كان قاضي التركية لكن يُخيل لي أنه كان قاضياً قبل التركية.
في الجانب الثاني مدفون (ود زَرُوق) وقد كان قاضياً ثم محامياً شهيراً أيضاً، وقد تكلمت عنه. وقد حكم قضايا كثيرة جداً، منها قضية الأراك الخاصة بالسُورجَاب.
2- قلنا مدفون في خارج القبة (عبد الرحيم ود المدني) وهو طبعاً جد الشيوخ أبو أمهم، وهو شيخ عالم كبير عنده (خلوة ود المدني) الموجودة عندنا هناك. أيضا مدفون فيها بقية المسوداب كلهم وهم: (آدم) وهو جد التسعة الكبار، ومدفون فيها (مُضوي).
أيضاً من الناس الغريبين وليسوا من هذه المنطقة المدفونين في هذه المقابر شيخ اسمه (ود السِّتِيَّة) وهو مدفون تحت قريب للدرب .
(ود السِّتِيَّة) يُقال إنه كان رجلاً صالحاً، جاءَ ماراً بالمقابر ورأى كيف أنها جميلة فأعجبته، فقال:
- (الواحد يتمنى أن يُدفن هنا!).
وحسب الرواية، ذهب وغرق في البحر (النيل) في البركل، وألقى به التيار قصاد (مقابل) القُبَب، وانتشلوا الجثمان قبالة هذه المنطقة، فدُفن هناك عندنا مقابر المسوداب، حتى أن له محل مُسوَّر بالحجارة، تجده نظيفاً على الدوام.
معظم المسوداب مدفونين في هذه القبة، حتى نحن آباءنا مدفونون فيها، فوالدي مدفونٌ فيها، وعنده قبر ظاهر، وفيه شاهد كبير جداً مكتوب فيه تاريخ وفاته وهو اليوم الثالث من نوفمبر 1956م، وقد نحتُّ أنا هذا الشاهد عندما كنت أدرس في الكُتَّاب في الوقت الذي توفي فيه أبي، وكنت قد قضيت خمسة عشر يوماً في الخلاء، فنحته الشواهد وكتبت عليه هذا الكلام، والآن هو واضح لا يزال، حتى عندما زار ابني وائل واخوانه المقابر لأول مرة التقطوا صورةً واضحةً عنده.
هذه منطقة مقابر المقل وقُبَب المسوداب.
لو أردنا أن نتكلم عن أولاد المسوداب، وأولاد المدفونين في القُبَب هنا، كما تكلمنا عن أولاد الفكي توم، فسيطول الكلام، فهو كثير لأن الناس كثيرين. والمدفن كبيرٌ جداً.
3- قبة المسوداب كانت مزار لأناسٍ كثيرين جداً، يعني دائماً يزورها العرسان، يجيئوا من كل المناطق، وعندما يجيء العريس تجئ العربات، ويعملوا سيرة طويلة جداً أمامها، ثم يدخل العرسان ليزوروا فيها، وهكذا.
يجئ الناس حتى من الأراك البعيدة، وتقف العربات بالقرب من المسوداب، وطبعاً ناس الأراك هم السورجاب، وشيوخهم كانوا هم المسوداب، يعني حتى كان ذلك هو السبب في أن (محمد عبدو كاشف) جاء وتزوَّج من المسوداب، تزوج بنت (عبد الرحيم ود المدني) أُم الشيوخ.
ثم أن هناك أشعار كثيرة جداً، منها مثلاً، يقولون لك: - ياولاد جابر قولوا كَبْ
يا المِسُوداب أهل القُبَب
يا رجال الله تقولوا كَبْ
تقلعوا الميجر من صَنَبْ
أصله نصراني قليل أدب!
وهذه القصيدة لها قصة طويلة جداً.
وود اليمني، وهو قريبي من ناحية أمي، تغنَّى وقال: - يا الدويحيي أهل القُبَب
يا رجال الله تقولوا كبْ!
واحتجينا على هذا الكلام، والحكاية صارت لامَّة، فذهبنا للتحكيم، وجرى التحكيم عند مسنَّة اسمها (بِتْ نُقُد) وهي أُم (عبد الرحيم الحسين) و(محمد الحسين)، وهما أصحاب طلمبة (ود الحسين) في محطة أبو حمامة في الشارع المتجه من السجانة إلى حي الشجرة، وعندهم بصات (ود الحسين) وهم ومعروفون.
أمهم، وتدعى (بت نقد) وهي من النساء اللائي لديهن معرفة، وهي ذاتها امرأة معروفة، المهم، ذهبنا لها في منزلها بالحلة الجديدة بالخرطوم لكي تحكم بيننا. هل قال هذا الشاعر: - (المسوداب أهل القُبَب؟، أم قال: الدويحية؟).
الحقيقة عندما زرناها، عاست لنا (قُرَّاصَة) وقالت: - (كَدْي تعالوا أقيفوا! وتخيلوا أننا الآن في مُسَّاوِي، أقيفوا على حيلكم، عاينوا بين التمر).
واستطردت: - (تشوفوا قُبَب المسوداب أم الدويحية؟).
فقلنا لها: - نشوف قُبَب المسوداب، لأن الدويحية بعيدين في جريف نوري (أو البركل).
وحكت لنا القصة كاملة، قالت: - كان العمدة، إدريس ود حليب وهو عمدة مساوي، كان عنده نزاع مع أحد أولاد المنطقة ذاتهم في قطعة أرض، وأشتكاه الرجلُ عند (الميجر)، وكان (الميجر) هو الحاكم الإنجليزي في مروي. فقال للميجر:
- “العمدة دا أخد الأرض بتاعتي”. وقتين جاء العمدة، الميجر حكم لصالح (ود حليب)، وعندما رجع المشتكي إلى مساوي اتجه ناحية قُبَب المسوداب، وقال لهم:
- (يا المسوداب أهل القُبَب!
يا رجال الله تقولوا كَبْ،
تقلعوا الميجر من صَنَبْ،
أصلو نصراني قليل أدب).
وقادت الصدفة الميجر إلى مساوي في زيارة للعمدة (ود حليب)، وكان ذلك في يوم جمعة، فحكوا له القصة، وقالوا: - (والله هذا الرجل قال فيك قصيدة: تقلع الميجر من صَنَبْ!).
والميجر ضحك وقال لهم: - نشوف القلع دة يكون كيف؟
لكن يُقال إنه رجع يوم السبت لشغله فوجد تلغرافاً على مكتبه، ففي ذلك الزمن كان يتعامل الناس بالتلغراف، وكان مكتوباً عليه: - (منقولٌ إلى إنجلترا).
وليس للخرطوم! وكأنما استجيبت دعوة ذلك الرجل المظلوم وتوسُّله بأولياء المسوداب الصالحين.
وكانت هذه الرواية كما روتها لنا (بت نقد) وهي أم أسرة (عبد الرحيم الحسين)، وأثبتت فيها إن الكلام كان: - (يا المسوداب أهل القُبَب).
وليس (الدويحية).
4- أيضا خارج هذه القبة مدفون (ود حليب المادح) وهو ولد حميلي، وحميلي هذه مسودابية من أولاد الفَضُل. ومدفونين فيها أيضاً أولاد آدم التسعة وهم: - علي، وهو جد أولاد علي، وهم موجودون في الحجير ومنهم ناس (كمال الشايقي) وقد كان شخصاً معروفاً.
- الحاج، وهو جد أولاد الحاج، وهؤلاء يقيمون في طرف كافوتة.
- الفضل، جدنا نحن أولاد الفضل، وكلهم إخوان.
- يحيى، وهو جد ناس أولاد (خلف الله ود مسود).
- الفكي، وهو جد ناس الفكي والفضل ود مهيدي.
- المدني جد (عبد الرحيم ود المدني) وهو جد الشيوخ من ناحية أمهم.
- إسحاق اللَّحَاق، مدفون فيها تحت.
يعني كل أولاد المسوداب وذريتهم مدفونين فيها. فيهم أناس انتشروا بالخارج وهذه قصة أخرى، ولكننا نتكلم الآن عن القُبَب.
إذا أردنا أن نتكلم عن الناس الآخرين، فسنتكلم عنهم فيما بعد.
وقد كان المسوداب شيوخاً لناس كثيرين جداً. وهذه القبة يزوروها أناس من الأراك، من مقاشي، من حزيمة، ومن تنقاسي لأن جدهم الكبير إسحاق مدفونٌ فيها.
5- هناك شيخ كبير جداً، وعالم حافظ للقرآن، وأنا رأيته، هذا رجل كان يجيء ويحاضر ويعلم ناس جدي، ويلقي عليهم دروس وحتى أمهاتنا كنَّ يحضرن، واسمه (قريب الله).
قريب الله هذا مدفونٌ هناك، وقد كان رجلاً ذا علم واسع.
قريب الله ود الفضل ود الحاج. والحاج هو أخ التسعة الذين تكلمت عنهم، وهم أولاد آدم، وأولاد مضوي، وأولاد عبد الرحمن ود محمد ود مسود.
وقريب الله مسمى على الشيخ قريب الله صاحب المسجد الكبير في ود نوباوي بأمدرمان، والسبب كان لأن أبوه الفضل ود الحاج كان يحفظ القرآن في الخلاوي في منطقة أم مَرحِي شمال وادي سيدنا، وتقع بين وادي سيدنا والسروراب، وهذه المنطقة التي كان فيها الشيخ المشهور. والفضل كان من التلاميذ الذين يعملون معه، وهو صار كبير المعلمين. وكان الشيخ قريب الله المعروف صغيراً ومن تلاميذه والتابعين له. قريب الله هذا هو صاحب مسجد قريب الله الموجود والمعروف في ود نوباوي.
وقريب الله عندما كان صغيراً، كانت عنده شعرة لأن إخوانه كلهم كانوا يموتون، وهناك عادة إذا كان الأطفال يموتون فيسموا المولود باسم غريب، ويعملوا له شَعرة، تكون موجودة في رأسه. وقد كان قريب الله تابعاً لجدنا الفضل ود الحاج.
أما قريب الله الأصل فعندما كان جدنا الفضل ود الحاج يريد أن يقطع البحر (يعدي) ليجلب حطباً للخلوة فيوقدوا بها نار الخلوة، فقريب الله جرى يريد أن يُعدي معهم ولكن أمه أمسكته، فعدى جدنا ومعه آخرين، عدوا البحر ووصلوا للضفة الأخرى فوجدوا قريب الله، ذاته، معهم.
هذه كانت أول كرامات ظهرت له، أو يُقال كذا، وهي قصص طبعاً حُكيت لنا، ونقلناها كما هي لأنها من تراث وقناعات بعض الناس منذ ذلك الزمان وحتى الآن، ويجب أن يعرفوها.
لذلك جدنا الحاج ود الفضل سمى ابنه (قريب الله) على هذا الشيخ.
ومن الصدف أن قريب الله ود الحاج أصبح من العلماء الكبار، وهو مدفونٌ أيضاً في مقابر المسوداب أمام القبة.
رحمهم الله…
6- ثم لو تجوَّلت خلال هذه المقابر خارج القبة تجد الشواهد القديمة مكتوب عليها كلها الفقيه فلان الفلاني، وكلهم فقهاء. ونحن طبعاً لم نحضرهم، لكنهم كانوا علماء، وكانوا موحدين، وحتى أنه عندما جاءت حروب الشايقية، وجاء الشايقية، قالوا لهم: - أعملوا لنا حِجْبَات تعيننا على حربنا.
فقالوا لهم: - لأ! نحن لا نعمل مثل هذه الأشياء لأن فيها شِرْك.
فذهب الشايقية للدويحية، فعملوا لهم الحِجْبات، وأعطوهم كذلك أشياء فيها كلام تجعل العدو يخافهم، ولكن هم لا يخافون.
وفي معركة أم بقر (معركة كورتي)، ظن الشايقية إن الحجاب سيحميهم، وهاجموا. لكن الرصاص أصابهم فانحصدوا. وفي النهاية جاء من تبقى منهم وحاربوا هؤلاء الدويحية حرباً شديدة جداً، وقتلوا منهم أعداداً كبيرة، لكنهم لم يَمَسُّوا المسوداب.
وهناك دعوات خلدتها قصائد كثيرة قيلت عن هؤلاء المسوداب.
وقالت عنهم بت نعمي وهي مسودابية وهي أم الأستاذ المرحوم محجوب كرار وجدة البروفيسور الزين عبد الرحيم كرار. وهي شاعرة أنشدت قصائد كثيرة. ومن الممكن أن نورد هنا منها مقطعين أو أو ثلاثة، فقد قالت بت نعمي عن المسوداب:
المسوداب إن جيت ماهن شوية
بت مسود حبوبتي الفنجرية
العمرو لسانا ماجاب الختية
ومن الكلام السائد عنهم في منطقتنا قولهم:
- ود مسود فوق الجريد فرَّ .
ويقولون لك: - يا المِسُوداب
العند الله قُرَاب.
وهذه كلها أقوال متداولة بين الناس، لكن المسوداب كانوا أناس صحيحي الإسلام ليس بإيمانهم شِرْك كما يحدث عادةً عند الشيوخ والدجالين.
لذلك لم يكتب عنهم (ود ضيف الله)، لأنه كتب طبعاً عن شيوخ الجزيرة كلهم وهكذا، وأورد أشياء كثيرة وغريبة جداً، وعمليات متناقضة مع دين الإسلام ومع التوحيد يعني.
والسلامُ عليكم…
amsidahmed@outlook.com
