• مناظير السبت 25 يوليو، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
هناك أعمار تُقاس بعدد السنوات، وأعمار تُقاس بعدد القلوب التي سكنت فيها، وبعدد الأرواح التي تركتْ فيها أثراً لا يمحوه الزمن.
- حينما تأتي السبعون على أشخاص من طينة خاصة، لا تكون مجرد احتفال بعيد ميلاد، وإنما تكون احتفالاً بسيرة حياة كاملة، وبمحطات من العطاء والوفاء والإنسانية.
- إحتفلنا في مارس الماضي بسبعينية حفيد عمدة الخرطوم المرضي الكبير، ونستعد للإحتفال في أغسطس القادم بسبعينية ابن الثائر عضو جبهة الهيئات ووزير العمل والاستعلامات في حكومة ثورة أكتوبر المجيدة خلف الله بابكر، ويا لهما من سبعينيتين لشخصين قلّ أن يجود الزمان بمثلهما، جمعتني بهما صداقة تجاوزت حدود الصداقة التقليدية إلى توأمة روحية عميقة، امتدت جذورها منذ أيام الدراسة الجامعية وحتى يومنا هذا، بفضل الله ومباركته.
- تعرفت على الصديقين العزيزين في باكورة حياتنا الجامعية، وكانت جامعة الخرطوم مسرحاً لتلك الصداقة التي بدأت بين مقاعد الدراسة وتحولت مع الأيام إلى رابطة إنسانية نادرة.
- كان د. محمد مجدي محجوب المرضي رفيق الدرب في دراسة الطب البيطري، تخرجنا سوياً، وسرنا معاً في طريق الدراسات العليا، فاختار هو التخصص في تكنولوجيا الألبان، بينما اخترت أنا التخصص في علم الطفيليات المشتركة بين الإنسان والحيوان ولاحقا الاحياء الجزيئية وعلوم الحامض النووي، وبواسطة مجدي تعرفت بصديقه وابن حيِّه (بانت شرق) د. صالح خلف الله بابكر الذي حمل حلمه الطبي إلى مصر وتخرَّج في جامعة الإسكندرية، ثم مضى إلى بريطانيا ليتخصص في الطب النفسي، وظل يعمل فيها منذ بداية التسعينيات وحتى اليوم.
- ما جمعنا لم يكن الدراسة وحب العلم فقط، بل كان شيئاً أعمق بكثير. كان بيننا عشق مشترك للأدب والفن والموسيقى والسياسة، وإيمان راسخ بقيم الحرية والديمقراطية، وكراهية عميقة لكل أشكال الاستبداد والدكتاتورية، ولقد كلفنا هذا الإيمان ثمناً غالياً في حياتنا، مِن الفصل مِن العمل والتضييق والملاحقات إلى المعتقلات والسجون، ومن فقدان الاستقرار إلى مرارة الغربة والابتعاد عن الوطن.
- اضطر صالح إلى الهجرة إلى بريطانيا، ودفعتني الظروف إلى أقصى شمال العالم في كندا، بينما ظل مجدي صامداً في السودان، قابضاً على الجمر، حارساً لذاكرة الوطن ودفء المكان، وكنا نعود إليه كلما اشتد بنا الحنين، فيستقبلنا بكرم الروح قبل كرم الضيافة، ويغمرنا بذلك الشعور العميق بأن الوطن، مهما ابتعدنا عنه، يسكن في قلوب الأحبة.
- السبعينية ليست نهاية مرحلة، بل هي لحظة تأمل وامتنان، هي شهادة على أن الإنسان لا يُقاس بما جمعه من مال أو جاه، ولكن بما زرعه من محبة، وما تركه من أثر طيب في نفوس الآخرين.
- دخل مجدي وصالح عامهما السبعين وهما يحملان رصيداً هائلاً من المحبة والاحترام، ليس فقط من أسرتيهما وأصدقائهما، بل من كل من عرفهما واقترب منهما.
- إذا كان العمر كتاباً يا صديقىْ العمر والروح، فقد كتبتما في صفحاته أجمل الفصول: فصل الصداقة التي لا تشيخ، وفصل الوفاء الذي لا يموت، وفصل الإنسان الذي يبقى عظيماً بما يمنحه للآخرين لا بما يأخذه منهم، كل سنة وأنتم طيبون، وعقبال المائة عام وأنتم تواصلون رحلة العطاء والمحبة والوفاء، أسأل الله أن يمنحكما الصحة والعافية، وأن يحفظ هذه الصداقة التي تحدت المسافات والزمن والظروف، وظلت شاهداً على أن العلاقات الراسخة لا يصنعها اللقاء فقط، بل تصنعها الأرواح حين تتعارف وتلتقي وتتواءم الى الابد.
