🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
الحروب ليست ميادين للسيوف والبنادق وحدها، بل هي محك تمتحن فيه الذمم، وتوزن فيه الضمائر بميزان لا يحابي أحدًا. فإذا اضطربت الأحوال، وارتجت أركان الدولة، وانشغل الناس بدفع العدوان، انبثقت من بين الشقوق نفوس ألفت الاغتنام، واتخذت من المحنة متجرًا، ومن الدماء سلعة، ومن آلام الأمة سلمًا إلى الثروة والسلطة. وليس فساد السلطة في الحروب وليد الحاجة، ولا ثمرة الضيق، وإنما هو نتاج نفس استمرأت الاستطالة، وأمنت العقاب، واستيقنت أن سلطان الرقابة قد خبأ، وأن سيف المساءلة قد غمد، وأن الحق قد أُقعد عن ملاحقة العابثين.
فالاستغلال ليس أصل الداء، بل هو أثر من آثاره؛ أما أصل البلاء فهو انحلال الرقيب، وذبول هيبة القانون، وانكسار الحواجز التي كانت تحول بين صاحب السلطة وبين شهوة الاستئثار، استشرى الطمع، وتراخى الحساب، وتجاسر الفاسدون، وصمت القضاء، وعلا صوت الناهبين. وما أيسر أن يرفع الفاسد راية الوطن، وما أعسر أن يحمل أمانته. فكم من لسان صدح بالوطنية وقلب صاحبه معلق بخزائن المال، وكم من يد أقسمت أن تحرس البلاد، فإذا بها تمتد إلى قوت العباد، فتغنم مما لم تبذل فيه جهدًا، وتقتات على جراح أمة أَضناها الخطبُ.
وما من دولة يسقطها عدوها قبل أن يسقطها فسادها؛ فالعدو يهدم الأسوار، أما الفساد فيهدم الضمائر، ويستنزف الثقة، ويبدد الثروات، ويقعد الأمة عن النهوض. فإذا اجتمع على الوطن سيف الخارج وخيانة الداخل، كان الداخل أشد مضاضة وأعظم خطرًا، لأن الطعنة التي تأتي من خاصرة الدار أوجع من تلك التي ترمى من وراء الحدود. وإن السلطة التي تتذرع بالحرب لتعطيل المحاسبة، أو لتقديس الحاكم، أو لاحتكار القرار، إنما تشيد عرشها فوق أنقاض الدولة، وتظن أن صخب المدافع سيحجب صرير الفساد، وأن دخان المعارك سيستر عورة النهب. ولكن للتاريخ عينًا لا تنام، وللحق ساعة لا تتأخر، فإذا انقشع غبار الحرب، انكشفت الوجوه، وسقطت الأقنعة، ووقف كل امرئ بين يدي الحقيقة مجردًا من ألقابه وسلطته.
وليس للدول من حصن أمنع من عدالة يقظة، ورقابة لا تستمال، وقضاء لا يخضع، ومساءلة لا تعرف محاباة. فحيث يسود القانون، تضيق مسالك الفساد، وحيث يرفع الحاكم فوق الحساب، يبدأ العد التنازلي لانهيار الدولة، وإن بدت في ظاهرها منيعة. وهكذا فإن فساد السلطة في زمن الحرب ليس قضاء محتومًا، ولا لعنة تفرضها البنادق، وإنما هو إعلان صريح عن موت الضمير، ووهن المؤسسات، وانطفاء هيبة القانون. فإذا مات الضمير في قصر الحكم، لم تُجدِ في إنقاذ الوطن كثرةُ الجيوش، ولا صليلُ السيوف، ولا هدير المدافع؛ لأن الأمم لا تهزم يوم تنفد ذخيرتها، وإنما تهزم يوم يصبح الفساد سياسة، والخيانة إدارة، والسكوت عنها فضيلة.
abohmohammed123@gmail.com
