د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال ضرورة الفصل بين دعم الجيش السوداني بوصفه مؤسسة الدولة النظامية وبين دعم استمرار الحرب، مؤكداً أن الدفاع عن الجيش لا يعني تأييد القتال المفتوح أو رفض السلام. ويقوم جوهر الفكرة على أن هناك فرقاً بين شرعية المؤسسة العسكرية من جهة، وبين الحرب كخيار سياسي وعسكري من جهة أخرى؛ فالجيش يمكن دعمه باعتباره المؤسسة المسؤولة عن حماية الدولة، بينما يجب رفض الحرب لأنها أصبحت مصدراً للدمار الإنساني والسياسي والاجتماعي الذي يهدد الدولة والمجتمع معاً.
يبدأ المقال بتفنيد فكرة شائعة في الخطاب السوداني تعتبر أن من يقف مع الجيش يكون بالضرورة مؤيداً للحرب، موضحاً أن هذا الربط غير صحيح لأنه يخلط بين حماية مؤسسات الدولة وبين استمرار العمليات العسكرية. فالموقف الأكثر اتساقاً هو دعم وجود جيش وطني نظامي، مع رفض استمرار الحرب التي أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ونزوح ملايين السودانيين، وانهيار قطاعات واسعة من الخدمات الأساسية، واتساع أزمة الجوع والمرض والانهيار الإنساني.
يركز المقال على أن الحرب السودانية أصبحت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث أدت إلى نزوح جماعي داخلي وخارجي، وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية، وانتشار انعدام الأمن الغذائي، وتدهور الوضع الصحي، وتدمير المستشفيات والبنية التحتية. ويؤكد أن استمرار الحرب لم يعد يمكن تفسيره باعتباره طريقاً للتحرير أو الحسم، بل أصبح عاملاً مباشراً في تفكيك المجتمع والدولة وتعميق المعاناة الإنسانية.
يوضح المقال أن شعار “نعم للجيش لا للحرب” يعبر عن موقف سياسي واضح يقوم على ثلاثة مبادئ مترابطة: حماية الدولة من الانهيار، رفض المليشيات الخارجة عن إطار الدولة، وإنهاء الحرب التي تستنزف البلاد. فدعم الجيش لا يعني الموافقة على كل قرارات القيادة العسكرية أو تبرير كل الأفعال المنسوبة إليها، بل يعني الحفاظ على المؤسسة العسكرية النظامية باعتبارها جزءاً من بنية الدولة، مع ضرورة إصلاحها وإخضاعها للقانون والرقابة المدنية في المستقبل.
يناقش المقال سبب خلط بعض التيارات بين دعم الجيش ودعم الحرب، موضحاً أن هذا الخلط يستخدم لتحويل وقف الحرب إلى موقف مشبوه، وتصوير دعاة السلام وكأنهم يساندون المليشيا. ويرى المقال أن هذا المنطق يؤدي إلى احتكار الوطنية وربط الولاء الوطني باستمرار القتال، بينما الحقيقة أن حماية المدنيين وإنهاء الحرب يمكن أن يكونا جزءاً من حماية الدولة وليس نقيضاً لها.
ويشير المقال إلى أن إطالة الحرب لا تعني بالضرورة القضاء على المليشيات، بل قد تؤدي إلى توسيع دائرة العنف وخلق مصالح اقتصادية وعسكرية مرتبطة بالحرب. فالنزاع لم يعد مجرد مواجهة بين قوات عسكرية، بل أصبح مرتبطاً بشبكات من التمويل والسلاح والاقتصاد غير الرسمي والسيطرة على الموارد والمناطق الحيوية، الأمر الذي يجعل استمرار الحرب عاملاً يساعد على إعادة إنتاجها بدلاً من إنهائها.
يتناول المقال موقع الجيش داخل الدولة، موضحاً أن الدولة الحديثة لا تقوم على توازن بين مجموعات مسلحة، بل على وجود مؤسسة عسكرية رسمية تحتكر استخدام القوة وفق القانون. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الجيش السوداني ليس فوق النقد، وأن تسييس المؤسسة العسكرية وتدخلها في الحياة السياسية أضرّا بها وبمسار التحول الديمقراطي. لذلك فإن المطلوب هو دعم الجيش كمؤسسة وطنية مع العمل على إصلاحه، وليس تحويله إلى أداة حرب دائمة أو بديلاً عن الحكم المدني.
في المقابل، يوضح المقال أن قوات الدعم السريع لا تمتلك شرعية الدولة، لأنها نشأت كقوة مسلحة موازية خارج إطار الجيش النظامي، واعتمدت على شبكات الولاء المسلح والاقتصاد الحربي. ويركز على أن الانتهاكات الواسعة المنسوبة إليها، بما في ذلك القتل الجماعي والعنف الجنسي والاختطاف والحصار والسيطرة على المدن والبنى التحتية، جعلتها تمثل تهديداً كبيراً للدولة والمجتمع. ومع ذلك يؤكد المقال أن الاعتراف بهذه الفوارق لا يعني تبرير أي تجاوزات من جانب الجيش، بل يعني التمييز بين مؤسسة دولة قابلة للإصلاح وبين قوة مسلحة لا تقوم على أساس شرعي دستوري.
يبرز المقال أن أكبر دليل على ضرورة وقف الحرب هو حجم الخسائر الإنسانية التي خلفتها، إذ أصبحت الحرب سبباً مباشراً في الجوع والنزوح وتدمير الخدمات الصحية والتعليمية وانتشار الأمراض. كما يشير إلى أن استهداف المستشفيات والمنشآت المدنية واستخدام الطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وجعل استمرار القتال عبئاً على المجتمع السوداني بأكمله، وخاصة النساء والأطفال.
يناقش المقال مفهوم “النصر الكامل” الذي يرفعه أنصار استمرار الحرب، موضحاً أن القضاء العسكري السريع على قوة مسلحة متجذرة في الأرض والاقتصاد والتحالفات ليس أمراً مضموناً، وأن السعي إلى الحسم بالقوة وحدها قد يؤدي إلى إطالة الحرب بدلاً من إنهائها. فالصراع تحول إلى شبكة معقدة تشمل المدن والطرق والأسواق والمعابر والموارد، مما يجعل الحل العسكري وحده غير كافٍ لإنهاء الأزمة.
ويؤكد المقال أن حماية المدنيين يجب أن تكون معياراً أساسياً لأي موقف سياسي أو عسكري، وأن أي حديث عن الحسم يفقد قيمته الأخلاقية إذا أدى إلى تدمير المستشفيات، وقطع الإمدادات، واستهداف المناطق السكنية. لذلك فإن السؤال الأساسي ليس فقط كيفية هزيمة القوة المسلحة المنافسة، بل كيفية منع الحرب من التحول إلى آلية تدمير شامل للسودان.
يدعو المقال إلى جعل وقف الموت أولوية أولى قبل أي نقاش حول مستقبل الدولة أو الإصلاح العسكري والسياسي. فالهدنة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المستشفيات، وضمان وصول الغذاء والدواء ليست تنازلات سياسية، بل شروط أساسية لبقاء المجتمع والدولة. كما يؤكد أن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تتم في ظل استمرار النزوح والجوع وانهيار الخدمات.
يخلص المقال إلى أن الموقف الوطني المتوازن ليس الاختيار بين الجيش والسلام، وليس الاختيار بين الشرعية والمليشيا، بل الجمع بين دعم مؤسسة الدولة ورفض الحرب. فالجيش يحتاج إلى الحماية والإصلاح باعتباره مؤسسة وطنية، والدعم السريع يجب رفضه باعتباره قوة مسلحة غير شرعية، والحرب يجب إنهاؤها لأنها أصبحت سبباً رئيسياً في تدمير السودان.
ويؤكد المقال أن خطاب مساواة دعم الجيش بدعم الحرب يمثل ثنائية زائفة تعيق التفكير العقلاني في مستقبل البلاد، لأنه يحول السلام إلى تهمة ويجعل استمرار القتال معياراً للوطنية. ويرى أن الطريق الصحيح هو بناء خطاب جديد يقوم على أن الجيش يُصلح ولا يُؤلَّه، وأن المليشيا تُرفض ولا تُبرر، وأن الحرب تُوقف ولا تُقدس.
وتتمثل التوصيات الأساسية للمقال في ضرورة الفصل بين شرعية الجيش واستمرار الحرب، ورفض تحويل المؤسسة العسكرية إلى غطاء دائم للقتال، والعمل على إنهاء وجود المليشيات المسلحة خارج الدولة، وإعطاء الأولوية للهدنة الإنسانية وحماية المدنيين، وإعادة بناء الدولة على أساس مؤسسات وطنية قوية وحكم مدني مستقر. ويؤكد المقال في نهايته أن حماية الدولة لا تعني إدامة الحرب، لأن الدولة التي تُدمر مجتمعها تفقد الغاية الأساسية من وجودها، وأن دعم الجيش كواجب وطني يجب أن يترافق مع وقف الحرب كضرورة إنسانية وحياتية.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
هذا المقال يقوم على تفكيك مغالطة شائعة في الخطاب السياسي السوداني تقول إن من يدعم الجيش يدعم الحرب بالضرورة، أو أن الدفاع عن المؤسسة العسكرية لا ينفصل عن تأييد استمرار القتال حتى “الحسم” (Reuters, 2026). هذه المغالطة يروّج لها كثير من دعاة “بل بس” حين يربطون بين دعم الجيش وبين ضرورة مواصلة الحرب إلى أن تُهزم مليشيا الدعم السريع، بينما الفكرة الأدق هي أن الجيش يمكن دعمه بوصفه مؤسسة الدولة النظامية والشرعية، في الوقت نفسه الذي تُرفض فيه الحرب بوصفها كارثة إنسانية وسياسية وأخلاقية يجب أن تتوقف فوراً (Reuters, 2026)(Human Rights Watch, 2026). ومن هنا فإن موقف الكاتب ليس رمادياً ولا متردداً، بل واضح ومباشر: الجيش يُدعم لأنه جيش الدولة، والدعم السريع يُرفض لأنه قوة غير شرعية، والحرب تُعارض لأن استمرارها يعني استمرار الموت والانهيار (Reuters, 2026).
تزداد أهمية هذا التفريق عندما نضعه في سياق الحرب السودانية المتطاولة التي دخلت عامها الرابع، وأنتجت أكبر أزمة نزوح في العالم تقريباً، ورفعت عدد المحتاجين للمساعدة الإنسانية إلى نحو 33.7 مليون شخص في 2026، مع أكثر من 9.3 مليون نازح داخلياً وأكثر من 4.3 مليون لاجئ عبر الحدود، وأكثر من 21 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد (UN News, 2026)(OCHA, 2026)(UNICEF, 2026). كما أن تقارير الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الدولية وثقت ارتفاعاً مريعاً في الضحايا المدنيين نتيجة الغارات بالطائرات المسيّرة، واستهداف المستشفيات، وانهيار النظام الصحي، واتساع رقعة المجاعة، بحيث لم يعد ممكناً الحديث عن الحرب بوصفها أداة “تحرير” أو “حسم”، بل بوصفها سبباً مباشراً في تفكيك المجتمع والدولة معاً (Reuters, 2026)(United Nations, 2026). وقد وصفت الأمم المتحدة الوضع بأنه “أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم”، فيما حذرت وكالاتها من أن ملايين النساء والأطفال يدفعون الثمن اليومي لحرب لم يختاروها (UN News, 2026).
دعم الجيش ورفض الحرب
التمييز بين دعم الجيش ودعم الحرب ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة تحليلية وسياسية. فالدعم الحقيقي للجيش يعني دعم وجود المؤسسة العسكرية الرسمية التي تمثل الدولة وتحتكر، من حيث المبدأ، حق استخدام القوة باسم القانون، لا دعم استمرار المعارك إلى ما لا نهاية (Chatham House, 2026)(Reuters, 2026). وهذا مهم لأن الجيش، رغم كل المآخذ على سلوكه وقيادته وتاريخه السياسي، يظل في البنية الدستورية والفكرية مؤسسة دولة، بينما لا يمكن مساواة هذه المؤسسة بمليشيا نشأت خارج منطق الشرعية ثم تمددت داخل المجال العام بقوة السلاح والولاء الضيق والاقتصاد الحربي (Human Rights Watch, 2026)(United Nations, 2026).
ومن هنا، فإن القول “نعم للجيش لا للحرب” ليس شعاراً إنشائياً، بل صياغة دقيقة لموقف يريد حماية الدولة من التفكك، وفي الوقت نفسه حماية المجتمع من الاستنزاف. فالجيش لا يصبح شرعياً لأنه يطيل الحرب أو ينتصر بسرعة، بل لأنه يمثل الحد الأدنى من النظام الذي يمنع انهيار المجال السياسي إلى فوضى مسلحة (Chatham House, 2026)(Reuters, 2026). ولذلك يمكن للمرء أن يدافع عن الجيش ضد المساواة به مع الدعم السريع، وأن يرفض في الآن نفسه أي خطاب يختزل الحل في القتال المفتوح أو يربط الشرعية العسكرية بمواصلة الحرب حتى النصر الكامل (Reuters, 2026)(UN News, 2026).
لماذا يخلطون
دعاة “بل بس” يخلطون عمداً بين دعم الجيش وبين استمرار الحرب لأن هذا الخلط يخدم هدفين معاً. الهدف الأول هو تجريم أي دعوة لوقف القتال، بحيث تصبح مطالبة السلام نفسها وكأنها انحياز للمليشيا أو تخفيف الضغط عنها. والهدف الثاني هو احتكار الوطنية عبر تحويل الحرب إلى معيار للولاء: من يطالب بوقف الحرب يُتهم بأنه يضعف الجيش، ومن يطالب بحماية المدنيين يُصوَّر كأنه يساوي بين الضحية والجلاد (Reuters, 2026)(Chatham House, 2026). هذا المنطق مغلوط لأن الحرب الطويلة لا تساوي تلقائياً القضاء على المليشيا، بل قد تعني فقط تعميم الكارثة وتوسيع دوائر العنف والتجنيد والانتقام (Reuters, 2026)(United Nations, 2026).
وتُظهر الوقائع أن استمرار الحرب يخلق مصالح جديدة لفاعلين مسلحين واقتصاديين على الجانبين. فالتقارير عن تدفقات السلاح والمال، وعن اقتصاد الحرب المرتبط بالذهب والتهريب والتحكم في الطرق والمناطق، تؤكد أن النزاع لم يعد مجرد معركة عسكرية، بل منظومة مصالح تعيد إنتاج نفسها كلما طال أمد القتال (Chatham House, 2026)(Reuters, 2026). وفي مثل هذا السياق، يصبح شعار “لا وقف قبل القضاء الكامل” شعاراً خطيراً إذا لم يقترن بسقف زمني وإنساني وقانوني، لأنه قد يتحول إلى ترخيص مفتوح لاستمرار الموت تحت اسم الحسم (Reuters, 2026)(United Nations, 2026).
الجيش والدولة
الجيش السوداني ليس مجرد فاعل مسلح بين فاعلين مسلحين، بل هو المؤسسة التي يفترض أن تمثل احتكار الدولة للعنف المشروع. وهذه النقطة أساسية لأن الدولة الحديثة لا تقوم على توازن ميليشيات، بل على مركزية مؤسسية تُخضع السلاح للقانون والرقابة (Chatham House, 2026)(Reuters, 2026). لكن هذا لا يعني أن الجيش معصوم أو أن قيادته دائماً على حق؛ بالعكس، تاريخ السودان السياسي الحديث يبين أن عسكرة السياسة وتسييس الجيش أضرّا بالمؤسسة نفسها وبالانتقال الديمقراطي (Reuters, 2026)(AU, 2026). لذلك ينبغي دعم الجيش بوصفه مؤسسة وطنية يجب الحفاظ عليها وإصلاحها، لا بوصفه تفويضاً مفتوحاً للقتال أو بديلاً عن الدولة المدنية.
والفارق هنا مهم جداً في اللغة السياسية. فعندما نقول إن الجيش شرعي، فنحن لا نقول إن كل قرار عسكري شرعي، ولا إن كل ضربة أو هجوم مبرر، ولا إن الحرب نفسها واجب وطني. بل نقول إن المؤسسة العسكرية النظامية يجب ألا تُساوى بمليشيا قبلية أو شبه عسكرية، وأن وجودها المنظم أفضل من وجود قوى مسلحة غير منضبطة تتصرف خارج القانون (Human Rights Watch, 2026)(United Nations, 2026). ومن هنا فإن أي حديث مسؤول عن السودان بعد الحرب يجب أن يوازن بين حفظ المؤسسة العسكرية وحماية المجتمع من أن تتحول هذه المؤسسة نفسها إلى أداة حرب دائمة (Reuters, 2026)(UN News, 2026).
الدعم السريع بلا شرعية
في المقابل، فإن الدعم السريع لا يملك شرعية الدولة، لأنه نشأ وتطور خارج منطق الجيش النظامي، ثم تحوّل إلى قوة موازية تحمل سمات المليشيا القبلية وشبكات الولاء الحربي (Reuters, 2026)(Human Rights Watch, 2026). وتُظهر التقارير الحديثة عن السودان أن هذه القوة كانت محوراً لانتهاكات واسعة، من القتل الجماعي والاختطاف والاغتصاب إلى الحصار والتجويع والسيطرة على المدن والبنى التحتية (Reuters, 2026)(United Nations, 2026). وقد ذهبت بعض التحقيقات الأممية إلى الحديث عن “سمات إبادة جماعية” في بعض المناطق، وهو توصيف شديد الخطورة يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تنازع عسكري، بل جريمة واسعة النطاق تطال جماعات كاملة من السكان (Reuters, 2026).
هذا لا يعني بالطبع أن الجيش بلا أخطاء أو أن أي فعل منسوب إليه مبرر. لكن الفرق البنيوي يبقى قائماً: الجيش مؤسسة دولة قابلة للإصلاح والمساءلة، بينما الدعم السريع قوة تفتقر إلى الشرعية الدستورية وتستند إلى منطق المليشيا والاقتصاد الحربي والانتهاك الواسع (Human Rights Watch, 2026)(Reuters, 2026). لذلك فإن رفض الدعم السريع ليس انفعالاً سياسياً، بل موقفاً قانونياً وأخلاقياً من قوة مسلحة لا ينبغي أن تستمر كفاعل مساوٍ للدولة.
الحرب تقتل السودان
أكبر دليل على عبثية استمرار الحرب هو حجم الكلفة الإنسانية. فوفق تقارير الأمم المتحدة لعام 2026، يحتاج 33.7 مليون شخص في السودان إلى المساعدة الإنسانية، مع أكثر من 22.4 مليون بحاجة إلى الحماية، وأكثر من 12 مليون، غالبيتهم نساء وأطفال، معرّضين لخطر العنف القائم على النوع، ونحو 29 مليوناً يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأكثر من 70 في المئة من المستشفيات إما مدمرة أو غير عاملة (OCHA, 2026)(UN News, 2026). كما تشير بيانات اللاجئين والنازحين إلى أن أكثر من 11.4 مليون شخص أصبحوا في حالة نزوح أو تهجير قسري داخل السودان وخارجه، بينهم نحو 6.6 مليون نازح داخلياً وفق آخر التحديثات، ما يجعل السودان في صدارة أزمات النزوح عالمياً (UNHCR, 2026)(UN News, 2026).
والأخطر أن الحرب لم تعد تتسبب فقط في نزوح وجوع، بل في انهيار مبدئي للبنية الصحية والتعليمية. فالهجمات على المستشفيات أدت إلى مقتل عشرات المدنيين في شرق دارفور، وأخرجت مرفقاً يخدم أكثر من مليوني شخص من الخدمة، بينما قتلت ضربات بالطائرات المسيّرة مدنيين في دارفور وكردفان وألحقت أضراراً كبيرة بالعاملين في القطاع الصحي (WHO, 2026)(Reuters, 2026). وقد ذكرت تقارير أممية أن أكثر من 1,000 مدني قتلوا في الضربات المسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، وأن الأطفال كانوا من أكثر الفئات تضرراً (United Nations, 2026)(Reuters, 2026). لذلك فإن من يصر على مواصلة الحرب باسم “الحسم” لا يواجه الدعم السريع فقط، بل يضيف مزيداً من الجثث إلى حربٍ أصلاً تنحو إلى الإبادة البطيئة (UN News, 2026).
كيف نقرأ شعار النصر
الشعار الذي يطرحه دعاة استمرار الحرب هو أن “القضاء على الجنجويد” يتطلب استمرار القتال حتى النصر النهائي. لكن هذا الشعار يحتاج إلى تدقيق شديد، لأن التجارب الميدانية تثبت أن “النصر الكامل” على مليشيا متجذرة في الأرض والمال والتحالفات ليس مسألة سريعة، وأن محاولة حسمها بالقوة قد تطيل أمد الخراب بدل أن تنهيه (Chatham House, 2026)(Reuters, 2026). في السودان، لم تعد الحرب معركة خطوط تماس فقط، بل صارت شبكة صراعات على المدن والطرق والأسواق والمعابر والممرات الإنسانية، ما يعني أن الحسم العسكري قد يصبح تكتيكاً مكلفاً لا استراتيجية خلاص (Reuters, 2026)(United Nations, 2026).
والأهم أن المدنيين ليسوا هامشاً في هذه الحسابات، بل هم جوهرها. فعندما تُقصف المستشفيات، وتُستهدف قوافل الإغاثة، وتُقطع الإمدادات عن المدن المحاصرة، وتُستخدم المسيّرات ضد أحياء سكنية، فإن شعار الحسم يفقد معناه الأخلاقي ما لم يكن مقروناً بحماية واضحة ومباشرة للناس (Reuters, 2026)(WHO, 2026). لذلك فالسؤال الصحيح ليس “هل نريد هزيمة الجنجويد؟” بل “كيف نمنع الحرب من أن تتحول إلى آلية تدمير شاملة بينما نبحث عن حل سياسي وأمني يضمن نهاية العنف” (Reuters, 2026)(UN News, 2026).
وقف الموت أولاً
المبدأ الحاكم هنا يجب أن يكون بسيطاً وحاداً: أوقفوا الموت أولاً، ثم ناقشوا تفاصيل الدولة والجيش والإصلاح. فالحرب المفتوحة لا تنتج بيئة مناسبة لإصلاح القطاع الأمني ولا لإعادة بناء المؤسسات المدنية، بل تعمّق التشظي وتُغري الفاعلين المسلحين بالرهان على الزمن (OCHA, 2026)(UN News, 2026). ولهذا فإن الهدنة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، وفتح الممرات، وحماية المستشفيات، وضمان وصول الغذاء والدواء، ليست تنازلات سياسية، بل شروط بقاء (Reuters, 2026)(UNICEF, 2026).
كما أن وقف الحرب هو أيضاً شرط لاستعادة الحد الأدنى من المجال الوطني المشترك. فالسودان لا يمكن أن يُعاد بناؤه في ظل تهجير 11.4 مليون شخص، وتدمير أكثر من 70 في المئة من المستشفيات، وتفاقم الجوع، وتكرار الضربات على المدنيين (UNHCR, 2026)(OCHA, 2026). لذلك فإن أي موقف وطني صادق يجب أن يجعل السلام العاجل أولوية فوق الشعارات العسكرية، لأن حماية الدولة لا تكون بقتل المجتمع، بل بإنقاذه (UN News, 2026)(Reuters, 2026).
خلاصة الموقف
خلاصة هذا المقال أن الموقف الصحيح والمتماسك ليس “إما الجيش أو السلام”، ولا “إما المليشيا أو الشرعية”، بل: نعم للجيش لأنه مؤسسة الدولة الشرعية، لا للدعم السريع لأنه مليشيا غير شرعية، ولا للحرب لأنها تُنتج الموت وتفكك السودان (Reuters, 2026)(Human Rights Watch, 2026). هذا الفصل بين الشرعية المؤسسية واستمرار القتال هو جوهر المقال كله، وهو الرد العلمي والسياسي على خطاب “بل بس” الذي يحاول ابتلاع الدولة داخل الحرب (Reuters, 2026)(United Nations, 2026).
كما أن الإصرار على مواصلة الحرب تحت شعار الحسم يظل، في ضوء الأرقام والوقائع، موقفاً عالي الكلفة ومفتوح النهاية. فالسودان بحاجة إلى جيش دولة يُحمى ويُصلح ويُفصل عن المليشيات، وبحاجة في الوقت نفسه إلى وقف فوري للقتل، لأن لا دولة تُبنى فوق المقابر، ولا شرعية تُصان عبر الاستنزاف الدائم (OCHA, 2026)(UN News, 2026). ومن هنا فإن العبارة النهائية الدقيقة هي أن دعم الجيش واجب دولة، ووقف الحرب ضرورة حياة (Reuters, 2026).
خاتمة نقدية
الخطاب الذي يساوي بين دعم الجيش ودعم الحرب يختزل الأزمة السودانية في ثنائية زائفة، ويحوّل كل دعوة للسلام إلى شبهة، وكل تمسك بالمؤسسة العسكرية إلى تفويض بالقتل. وهذه مغالطة ينبغي رفضها لأنها تُغلق الطريق أمام أي تفكير عقلاني في مستقبل السودان (Reuters, 2026)(Chatham House, 2026). فالحرب الحالية لم تعد معركة عادية، بل كارثة إنسانية شاملة تعيد إنتاج الجوع والتهجير والمرض والعنف الجنسي والانهيار الصحي، وتدفع ملايين الناس إلى حافة النجاة (UN News, 2026)(OCHA, 2026).
لذلك فإن التوصية الأولى هي الفصل الكامل في الخطاب العام بين شرعية الجيش واستمرار الحرب، والتأكيد على أن الأولى تُدعم والثانية تُرفض. والتوصية الثانية هي رفض المليشيا السياسية-القبلية بوصفها تهديداً بنيوياً للدولة، مع الإصرار على أن أي حل مستدام يجب أن ينزع عنها القدرة على إعادة إنتاج العنف (United Nations, 2026)(UNHCR, 2026). أما التوصية الثالثة فهي جعل وقف الحرب أولوية مطلقة عبر هدنة إنسانية، وممرات آمنة، وحماية المدنيين، لأن الوقت في السودان لم يعد لصالح الدولة ولا لصالح الناس (Reuters, 2026)(UN News, 2026).
والتوصية الرابعة أن يُعاد بناء النقاش السوداني على قاعدة أن الجيش يُصلح ولا يُؤله، وأن المليشيا تُرفض ولا تُجمَّل، وأن الحرب تُوقف ولا تُقدَّس. والتوصية الخامسة أن يُنظر إلى السلام لا بوصفه مكافأة سياسية، بل بوصفه شرطاً لوجود السودان نفسه (Reuters, 2026)(UN News, 2026). أما التوصية السادسة فهي أن كل كتابة عن السودان يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة الموجعة: حماية الدولة لا تعني إدامة الحرب، بل تعني منع انهيار المجتمع الذي تُفترض الدولة أنها تحميه (OCHA, 2026)(Human Rights Watch, 2026).
المراجع
- African Union. 2026. African Union Peace and Security Council Communiqué on Sudan.
- Chatham House. 2026. The flow of arms and money feeding the war in Sudan can …
- Human Rights Watch. 2026. World Report 2026: Sudan.
- Reuters. 2026. Sudan army says US peace plan must call for full RSF withdrawal from cities.
- Reuters. 2026. UN probe says mass killings, rapes, abductions, starvation by Sudan force amount to genocide.
- Reuters. 2026. More than 1,000 civilians killed in Sudan drone strikes in first 5 months of 2026, UN says.
- Reuters. 2026. Sudan war leaves millions hungry and displaced as health system collapses.
- Reuters. 2026. Sudan: 14 million displaced; hunger and attacks on health continue.
- Reuters. 2026. Explainer: Why is Sudan at war, and what is the impact?
- Reuters. 2026. Sudan rejects U.S.-backed ceasefire framework as war continues.
- UNHCR. 2026. Situation Sudan situation – Operational Data Portal.
- United Nations. 2026. Sudan: After 1,000 days of war, millions of civilians still bearing brunt.
- United Nations. 2026. UN warns drone attacks drive surge in civilian deaths in Sudan.
- United Nations. 2026. Sudan: UN Warns Conflict, Displacement and Cholera Are …
- United Nations. 2026. Sudan probe says mass killings, rapes, abductions, starvation amount to genocide.
- UNICEF. 2026. Sudan Humanitarian Situation Report No. 42.
- World Health Organization. 2026. Sudan health emergency updates.
