العربي الجديد: بالرغم من الانقسام السياسي تواصل حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا والحكومة المكلفة من مجلس النواب عمليات ترحيل المهاجرين في ليبيا التي زادت وتيرتها رغم اختلاف الآليات.
شهد ملف ترحيل المهاجرين غير النظاميين في ليبيا، الشهر الماضي، نشاطاً متصاعداً تزامن مع إعلان وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الوطني لترحيل المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية. وأعلنت الوزارة في 2 أغسطس/ آب الجاري، بدء تنفيذ المرحلة الثانية من البرنامج، بهدف زيادة وتيرة الترحيل، وضمان استمرارها، وفق الخطة المعتمدة.
وناقش اجتماع حكومي، خُصص لهذا الغرض، آليات تنسيق وتنفيذ رحلات العودة، وتسهيل إصدار وثائق السفر، وتعزيز التعاون مع سفارات دول المنشأ والشركاء الدوليين، بما يضمن عودة آمنة وكريمة للمهاجرين وفق القوانين الوطنية والمعايير الدولية، كما استعرض الاجتماع جهود تطوير منظومة إدارة الهجرة، وتعزيز الشراكة مع الدول والمنظمات الدولية لدعم برامج الترحيل وبناء القدرات، ما يساهم في تأمين الحدود ورفع كفاءة إدارة ملف الهجرة.
ورغم أن ليبيا تنفّذ منذ سنوات برنامج العودة الطوعية للمهاجرين، بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، ما سمح بإعادة آلاف المهاجرين إلى بلدانهم، تبنّت حكومة الوحدة الوطنية العام الماضي برنامجاً منفصلاً للترحيل ضمن سياستها لتنظيم ملف الهجرة السرية، وأطلقت المرحلة الأولى من هذا البرنامج في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وانطلقت أولى رحلات الترحيل في 2 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.
ولم تعلن حكومة الوحدة الوطنية حتى الآن حصيلة رسمية لعدد المرحّلين خلال المرحلة الأولى من البرنامج، في حين أفادت إحصاءات أصدرتها الحكومة المكلفة من مجلس النواب في بنغازي بأنها رحّلت العام الماضي نحو 38 ألف مهاجر من 27 جنسية، في مقدمتها المصرية والتشادية والسودانية، كما أعلنت أنها رحّلت خلال النصف الأول من العام الحالي نحو 117 ألف مهاجر إلى عدد من الدول، في مقدمتها مصر والنيجر والسودان وتشاد.
وجاء الإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من برنامج الترحيل في طرابلس بالتزامن مع نشاط غير مسبوق في عمليات إعادة المهاجرين إلى بلدانهم خلال يوليو/ تموز الماضي، إذ تجاوز عدد المرحلين 1200 مهاجر، وهو أعلى معدل شهري منذ بدء تنفيذ البرنامج، وفق بيانات رسمية. وبحسب بيانات متتالية أصدرتها وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية وجهاز مكافحة الهجرة غير النظامية، التابع للحكومة المكلفة من مجلس النواب، جرى ترحيل 464 مهاجراً عبر مطار معيتيقة الدولي في طرابلس، في حين رحّل الجهاز في شرق البلاد 827 مهاجراً عبر المنافذ البرية الشرقية والجنوبية.
ويقول العجيلي عياد، المسؤول في فرع جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية جنوبي ليبيا، لـ”العربي الجديد”، إنّ “ارتفاع عدد المرحّلين في المنطقة الشرقية يأتي تنفيذاً لتوجيهات القيادة العامة (قيادة قوات خليفة حفتر) بالتنسيق مع وزارة الداخلية في حكومة مجلس النواب في بنغازي. وتتفاوت أسباب الترحيل بين مخالفة قوانين الدخول والإقامة، واكتشاف إصابة بعض المهاجرين بأمراض معدية، إلى جانب تنفيذ أحكام قضائية في حق مهاجرين أدينوا في قضايا جنائية أو مخالفات قانونية”.
من جهته، يرى الناشط المدني المهتم بملف الهجرة، بلقاسم أبو حجر، في حديثه لـ”العربي الجديد” أن “تعامل السلطتين في طرابلس وبنغازي مع ملف المهاجرين يختلف في جوانب عدة رغم أن وتيرة عمليات الترحيل متقاربة في الظاهر”. يضيف: “مقاربة سلطات شرق ليبيا أقرب إلى الإبعاد الإداري لأن غالبية الحالات تستند إلى أوامر قضائية أو اعتبارات صحية، وتنفذ عبر المنافذ البرية، ما يجعلها تتركز مع دول الجوار المتاخمة لليبيا، أكثر من كونها برنامجاً قائماً على تنسيق مستمر مع دول المنشأ، خصوصاً تلك البعيدة التي تحتاج إلى ترحيل جوي”.
في المقابل، يوضح أبو حجر أن “الحكومة في طرابلس تعتمد برنامج الترحيل بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة والقنصليات وسفارات الدول التي ينتمي إليها المهاجرون، وهو ما يظهر في عمليات الترحيل الجوي، لكن ذلك لا يعني غياب التنسيق بين سلطات شرق ليبيا وسفارات بعض الدول، كما يوجد تنسيق معلن مع القنصلية السودانية في عمليات إعادة السودانيين، لكن الوافدين من السودان إلى ليبيا يُصنفون نازحين بسبب الحرب، وليسوا مهاجرين غير نظاميين، ما يجعل وضعهم مختلفاً”.
وفيما يعتبر أبو حجر أن ما يحدث في طرابلس أكثر تنظيماً على صعيد العمل مباشرة مع برنامج العودة الطوعية الذي تُنفذه المنظمة الدولية للهجرة منذ سنوات، يرى أن الحكومة أضفت عليه طابعاً وطنياً من خلال تسميته البرنامج الوطني لترحيل المهاجرين “ما يشير إلى ارتباطه باعتبارات الأمن القومي. وعموماً لا يمكن تقييم نجاح هذا البرنامج حتى الآن في ظل غياب أي حصيلة رسمية للمرحلة الأولى”. ويلفت إلى جانب أكثر عمقاً في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، ويقول: “رغم أن عدد المهاجرين المرحلين يظهر إرادة لدى السلطتين في معالجة ظاهرة الهجرة السرية، فهناك ازدواجية في إدارة الملف، وفي الشمال تسهّل السلطات وصول المهاجرين ثم تنفذ عمليات القبض عليهم وتودعهم مراكز إيواء ثم ترحلهم”.
ويؤكد أبو حجر أن “معالجة الظاهرة تبدأ في الأساس بضبط الحدود للحدّ من تدفقات الهجرة، وليس الاكتفاء بتنفيذ عمليات ترحيل، كما أن المجتمع الدولي مسؤول عن الحدّ من الظاهرة، عبر دعم مشاريع التنمية في دول المنشأ لحماية المهاجرين من المخاطرة نحو رحلات الصحراء والبحر بحثاً عن حياة كريمة”.
