بقلم: هشام الحلو
في التاسع من آب/أغسطس، على تخوم ثمانية عشر ربيعًا من الانطفاء المؤجّل، تهاوى ذلك القلب الذي ما كان ينبض إلا ليصنع من ترحال المنفى وطنًا معنويًا، ومن بديهة الوطن إشكالياتٍ وجودية، ومن تلك الأسئلة قصيدةً تتنفّس على حافة المجهول. محمود درويش… ذلك الذي لم يرحل قط. توقفت آلات المستشفى النائي في تخوم أمريكا، غريبًا عن سدرة الزيتون التي أودعها روحه أينما حلّ وارتحل. لكن الشاعر الذي اتّخذ من الموت نديمًا ومحاورًا، أدرك سرًّا يفوق إدراكنا الفاني: إن المكتوب على سجلّ الوجود لا يُقاس بسنوات العمر العابرة، بل بما يتركه السائر في أروقة القلوب من مقيمات لا تقبل الزوال.
منذ أن أطبق الصمت على صوته، ونحن نراجع ديوانه بعين أخرى. كأننا نكفّ عن قراءة الأبيات لنلتمس غيابه في طياتها؛ نقلب الدفاتر فنصطدم بوجوه فلسطين العميقة، وبتضاريسنا المنسية في زوايا الروح: أمهاتٍ عبر الغيم تلوحن، ومدائنَ ضاعت في لجة التاريخ، وحبيباتٍ ما تناهينا إلى كنه حراستهن، وطفولةً مصلوبةً على أرصفة العتيق، ونافذةً كان ميسورًا لنا أن نطلّ منها على بهاء العالم، لو لم تداهمنا معاول الحرب، وسطوة الشتات، وقسوة الأقدار. لم يكن درويش يرى في الوطن مجرد بقعة جغرافية تؤطرها الحدود… لقد أدرك بفطرته الشعرية أن الأوطان قد تتجلى في عبق رغيفٍ دافئ يأتي من رماد بيتٍ تلاشى، أو في نبرة أمٍّ تنادي وليدها في عتمة الذاكرة، أو في شجرة زيتون صامدة تتحدى عواصف الفناء بعد أن هجرها الجميع، أو حتى في اسم عابر نختبئ خلفه في جوازات السفر حين يعزّ علينا حمله في عيون الآخرين.
وحين نتلوه نحن المكتوين بنار الخراب، يتكشّف لنا جليًّا أنه لم يكن يخطّ بحبره جغرافيا فلسطين وحدها، بل كان يرثي ويهدهد كل ذاتٍ بشرية أُرغمت على مفارقة أرض ترتشف عشقها، لتقضي ما تبقى من رحلتها الوجودية في مكابدة العودة، حتى إذا أدركت استحالة الإياب الحقيقي، تحوّلت إلى حارسةٍ لأطياف الماضي. كان يكتب عن أولئك الذين أضحوا أغرباء في دورهم، وعن الحاملين أوطانهم في حقائبٍ بالية، وعن الذين كلما ظنوا أنهم بلغوا المرتغى، تبدّت لهم «الوصاية» بدايةً لغربةٍ أشدّ حلكة.
ولعلّ أبدع ما اختطه لنا درويش، أنه لم يركن بالحزن إلى عزلته الرطبة، بل صاغه لغةً قائمة بذاتها. فجعل من الفقد وثيقة ذاكرة، ومن الذاكرة مشكاة حياة، ومن الحياة قصيدة مكللة بالجمال والوجع. كان يملك القدرة النادرة على خوض غمار الموت دون أن يزرع فينا كراهية الحياة، وأن يتغنّى بالوطن دون السقوط في فخ الهتاف الأجوف، وأن يلامس شغاف الحب دون أن يخدش هشاشته العذبة. إذ كان يعلم يقينًا أن الكائنات الباذخة لا تبتغي صخبًا؛ حسبه أن يقول: «ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا»، فنصغي بوجل عميق، مدركين تمام الإدراك أن هذه العبارة تجاوزت أفق الشعر لتستقرّ في مقام الاعتراف الوجودي الأخير. وفي هذا السياق، أعلن في القصيدة تحديه للفناء الجسدي عبر خلود الكلمة، مخلداً جملته الشهيرة: «هزمتكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها».
نحن أيضًا… نعم، نحن نحب الحياة، رغماً عن أنف الخراب. رغم المدن التي تركناها خلفنا تندب أيامها، والوجوه التي واريناها التراب، والأخلّاء الذين تقطّعت بيننا وبينهم أسباب الوصل، والبيوت التي استحالت صورًا باهتة، والطرقات التي ضلّت مساربها المؤدية إلى ذات المرتجى. نحبها، لا لأنها صافحتنا بعدل، بل لأنها الملاذ الأخير المتبقي لنا كي نجرّب الابتداء مرة أخرى من شقّ المستحيل. محمود درويش، الذي أسرف في كتابة الإنسان الفلسطيني الحامل وطنه في أحشائه، لعله أدرك أن الوطن السرمدي الأخير للغريب هو ذاكرته. فإذا ما انطفأت الذاكرة، تاه الإنسان في جهات الأرض أجمع.
لهذا كله، لا نصطفّ حول قصائده ترفًا أدبيًّا فحسب. نحن نحرسها لأننا نرتجف هلعًا من النسيان. نلوذ بـ «أحن إلى خبز أمي» كلما جارفنا اشتياقٌ عصيّ على التسمية. ونرجع إلى «في القدس» حين يستحيل المكان مجازًا يفوق طاقة الجغرافيا. ونقف خاشعين أمام «أثر الفراشة» حين ندرك أن الهشاشة الدقيقة قد تخلف دمارًا يعجز الاحتمال عن حمله. ونقرأ «لاعب النرد» فنبصر حكيمًا يقف على حافة مرآة عمره، يحاول تفكيك ما كان من اختياره، وما ألقته إليه مصادفات العبث الوجودي.
وهكذا، بعد ثماني عشرة سنة من الغياب المادي، يظلّ محمود درويش متربعًا على عرش الروح بيننا. لا كشتاطٍ مسجون في دفتي كتاب، بل كنبضٍ سرّي نستدعيه كلما عجزت الألسنة عن بثّ ما يُقاس ولا يُقال. لهذا؛ سلامٌ على الفارس الذي ارتحل غريبًا، وألقى بين أيدينا وطنًا من لغةٍ وبهاء. سلامٌ على من اتخذ من القصيدة مسكنًا يستظلّ فيه كل تائهٍ دون وجل من طارقٍ مباغت. سلامٌ على محمود، الذي مات في التاسع من آب/أغسطس، لكن رميم روحه ظلّ يرفرف حيًّا في كل مرة يقف فيها واحدنا أمام شرفةٍ بعيدة، يتفرّس في مدينةٍ مستحيلة المراس، ليهمس في سرّه الشاجن: ليت لي وطنًا يحتويني، أو قصيدةً تسع عزلتي. وفي الحالتين… كان درويش يعرف الدرب تمام المعرفة.
hishamissa.issa50@gmail.com
