فضيلي جمّاع:
نودّع معك أنبل الصفات يا دكتور عياد عيدو !!
رحل عن عالمنا اليوم صديقي وزميل الدراسة وابن بلدتي الدكتور عياد عيدو جورج. رحل في هدوء كما هي سيرته مذ كنا تلامذة حتى وخط الشيب رؤوسنا. يحدثك في هدوء مقدماً الإبتسامة على ما يدور بينه وبينك مهما كان ثقل الموضوع أو خطورته. وعياد من أسرة سودانية ذات أصول قبطية أثوذوكية محافظة. كان وسطاً في العمر بين إخوته وأخواته. ولعلّ أجمل ما في البيئة التي ولدنا وتربّينا فيها أنّ مجتمعنا حتي وقت قريب لم يكن معنياً بعقيدة الفرد أو عشيرته أو لونه. وحتى لا أنسب هذا التفرّد لموطني الأصغر ، الذي جمعني منذ الصبا الباكر بالراحل العزيز وأسرته فإنني أقول إن هذا التفرّد الإنساني الرفيع كان خصلة في أرياف ومدن السودان كلها قبل أن يصيب بلادنا ما أصابها من كابوس فصل الناس وميز بينهم في اللون والدين والعرق.. فلا غرابة أن تقوم حروب يصرخ فيها القاتل بالتكبير ويسقط القتيل وهو يهتف بالتكبير.
كأنِّي أرى ابتسامتك الصافية يا أخي عياد وأنت تودّعنا في هذه السنوات العجاف التي لبس فيها الشيطان جبة الزاهد !!
إلتقيت الطالب عياد عيدو لأول مرّة في مدرسة الفولة الأميرية الوسطى. من بين أبناء مدينة المجلد كنا : عياد وعمر الشوين وجلال يوسف الدقير والمرحوم ملاح عبد العزيز معذب قد ضمنا فصل واحد. وكثيراً ما نقتسم الزاد والهموم الصغيرة. طبعاً كنّا أكثر الناس حظاً ، إذ سبقنا بأربع سنوات إخوة لنا : شقيقي علي جمّاع ومكرم عيدو الشقيق الأكبر لعياد وآخرون من أبناء المجلد. أقول كنّا أكثر حظاً لأننا خضعنا للتربية والنصح من جانب معلمينا ومن جانب إخوتنا الكبار. لم يكن النصح من جانب شقيقي علي أو مكرم عيدو يخصني لوحدي أو يخص عياد مثلاً. كان إخوتنا الكبار بمثابة عين وسلطة الأب في مرحلتنا الجديدة. وهكذا قمنا معاً ، تسندنا في المدرسة وترعانا ثقافة مجتمع يحترم صغيره الكبير ويوقر الكبير الصغير. حكى لي الأخ مكرم عيدو أنّ أحد أبناء المجلد من أبناء دفعته قال له مستغرباً وهما بأروقة جامعة الخرطوم: (والله يا مكرم سنواتنا دي كلها أنا فاكرك مسلم) ! وتزول الدهشة حين نعرف أنّ أبناء عيدو جورج ما كانوا يتناولون طعاماً أمام زملائهم المسلمين طيلة شهر رمضان المعظّم.
كتبت في بدء الثمانينات مقالة في رثاء العم عيدو جورج – والد فقيدنا العزيز. اخترت عنواناً لمقالي (بين هلال محمد وصليب المسيح).. أشرت فيه إلى حسن المعشر في الديار التي أنجبتنا وربتنا. تحدثت عن الصداقة التي جمعت والدي جمّاع ، المسلم من طائفة الأنصار وعيدو جورج النصراني الأرثوذوكسي ! أذكر تلك القصة التي بها أكثر من دلالة. وصلت وزميلي عياد بالقطار إلى بابنوسة وقد أغلقت مدرسة خورطقت الثانوية لشهر كامل بسبب إضراب الطلاب عن الدراسة. وجدت الوالد في دكان العم عيدو الذي كان قد انتقل بتجارته لبابنوسة. كنت أعد نفسي لركوب البص إلى المجلد – مشوار ساعة أو أقلّ بقليل. لكن العم عيدو قال بالحرف: (يا جمّاع الولد دا وعياد ولدي ممتحنين الجامعة. ما في داعي يمشي المجلد يقضيها كلها حوامة مع صحبانو. الولد يقعد هو وعياد يذاكرو تحت رعايتي.) ردّ عليه الوالد: (الراي رايك يا أبو مكرم). ولتخفيف الأمر على شخصي قال العم عيدو بأني مسموح لي بزيارة أسرتنا بالمجلد يومي الخميس والجمعة فقط، على أن أعود بالبص صباح السبت إلى بابنوسة.
يعود الفضل – من بين أسباب أخرى – للعم عيدو في قبولي بالجامعة ذلك العام، فقد هيأت لنا أسرته كل الظروف الموائمة لاستذكار دروسنا. عرفت حينذاك عن كثب زميل دراستي عياد عيدو. وارتقى عندي بمرتبة الصديق مدى العمر.
كان آخر لقائي به قبل خمس سنوات. هاتفته بأني في الخرطوم . طلب مني أن أصف له مكان نزلي. وفي ساعة زمان كانت سيارته تقف ويترجّل منها بوجهه الصبوح وابتسامته التي لا تغيب. تعانقنا ونحن نضحك كأن كلاً منا يستعيد ذكريات عمرٍ جميل مضى. فاجأني بكرمه الموروث من والده بأكياس من الفواكه جاء بها من مزرعته. وقبل أن يغادر قال لي بأنّ شقيقه الأكبر مكرم ليس بالسودان هذه الأيام لكنه أوصى بأن تقيم الأسرة مأدبة غداء لشخصي الضعيف.
هكذا نشأنا في ذلك البلد – المجلد التي من أعيانها وسكانها عيدو جورج ذو الأصول القبطية والذي تمّ اختياره أول رئيس لنادي المجلد الثقافي الإجتماعي في بواكير الخمسينات، ومن سادتها إبراهيم الخليفة الجعلي العمرابي من المتمة وكان صهراً للناظر بابو نمر ناظر عموم المسيرية. ومن المجلد الأعمام محمد ود الفكي من ام الخبير وعوض عطية من اليمن وعبد الحميد سليمان من الكاميرون ومدني عبد الرحمن وبريمة حمودة من الأبيض والفقيه الصالح عبد الكريم جبريل والذي تعود أصوله إلى مالي ، ومنها عبد الله محمد (أبو حريبة) و العم علي قاجرة والعم عثمان الأسيوطي والعم يوسف الدقير من ام سنطة والعم بشير التجاني حسب الله – رجل الأعمال والخطيب البارع. عاش هؤلاء وغيرهم مع أهل المجلد من بادية المسيرية ومن إثنيات أخرى لا يفرقهم إلا سفر المكان والموت الذي خطف حبيبنا الدكتور عياد جورج. ولا نملك إلا أن نقول : لله ما أعطى ولله ما أخذ. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
العزاء لأهل مدينتنا المجلد في فقد أحد بنيها الأبرار. والعزاء في البدء لأسرة العم عيدو جورج اسطفانوس وعلى رأس الأسرة الإخوة الدكتور مكرم عيدو والأساتذة نبيل وعصام وجورج والياس وعماد والأخوات هدى وسميرة ورجاء وأصهارهم.
وأخيراً فإنّ رحيل الدكتور عياد يا أبناء وبنات العم عيدو جورج هو رحيل أحد أبناء المجلد التي تحسب أسرتكم جزءاً أصيلاً منها ، وتحسب الراحل العزيز أحد أبنائها البررة. له الرحمة من رب غفور رحيم.
فضيلي جمّاع
لندن في 18 أغسطس 2026
algazoli@gmail.com
