باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 2 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

الشريطُ البطيء لمعركة كرري: عبقريّةٌ بخمسِ راياتٍ، وخليفةٌ على فروة

اخر تحديث: 1 سبتمبر, 2026 10:13 مساءً
شارك

الشريطُ البطيء لمعركة كرري: عبقريّةٌ بخمسِ راياتٍ، وخليفةٌ على فروة
قراءةٌ في كتاب الرائد الطيّار عصمت حسن زلفو
د. الرشيد خليفة

من النادر أن يتحوّل مصرعُ عشرة آلاف رجلٍ في أربع ساعاتٍ وعلى رقعةٍ لا تتجاوز أربعة أميال إلى شريطٍ سينمائيٍّ بطيءٍ من خمسمائةٍ وسبعين صفحة؛ لكنّ هذا بالضبط ما فعله ضابطٌ سودانيٌّ من سلاح الطيران بمعركة كرري. أخذ المذبحةَ التي انتهت قبل الظهر، وأعاد تصويرها لقطةً لقطةً، بالدقيقة والياردة، حتى صارت أشبه بفيلمٍ يُعرض بالحركة البطيئة: كلُّ رصاصةٍ لها توقيت، وكلُّ رايةٍ لها مسار، وكلُّ خطأٍ له إحداثيّات. وهذه قراءةٌ في ذلك الشريط — نأخذها بكثير من الجدّ، وكثيرٍ من الأسى.
المؤلّف، طيّارٌ يهبط فوق ساحة 1898
لم يكن عصمت حسن زلفو مؤرّخًا محترفًا ولا أستاذَ تاريخٍ في جامعة، بل ضابطًا في سلاح الطيران برتبة رائد. ومع ذلك كتب أشهرَ ما أُلّف بالعربية عن معركة كرري. والقصّة أنّ القيادة العامّة للقوّات المسلّحة ابتعثته إلى بريطانيا لينجز بحثه، فأمضى في دُور الوثائق البريطانية — بين أوراق الحربية وتقارير مخابرات وينجت — ما لم يُمضِه سودانيٌّ قبله، وخرج بكتابٍ صدر عن دار جامعة الخرطوم للنشر سنة 1973م [1]. وفي المفارقة طرافةٌ لا تخفى: طيّارٌ لم يحلّق فوق كرري يومًا، إذ سبقت المعركةُ الطيرانَ بجيلٍ كامل، يُعيد بناء معركةٍ أرضيّةٍ بالثانية، وكأنّه يصوّرها من عَلٍ بعدسةٍ جوّية.
أمّا مصادره فثلاثة روافد يمتزج فيها الأرشيف بالذاكرة: الوثائق البريطانية المكتوبة وتقارير المخابرات غير المنشورة من جهة، ومذكّرات المعاصرين، كمذكّرات بابكر بدري، من جهةٍ ثانية، ثمّ الشهادات الشفويّة لمن بقي حيًّا من رجال الخليفة، من الملازمين وشيوخ القبائل ومؤرّخي المهدية أنفسهم. وهذا المزج بالذات — وثيقة العدوّ مقابل رواية الأنصار — هو الذي منح الكتاب قيمته: فهو يقرأ المعركة بعينِ من هُزم فيها، لا بعينِ من كتب عنها منتصرًا.
الكتابُ في سطور
يُقسّم زلفو كتابه في ثلاثة أبواب. الأوّل، «القسورة»، وتعني الأسود الضارية، تمهيدٌ في قيام المهدية ورجالها ودولة الخليفة عبد الله. والثاني، «الغزو»، في حملة كتشنر لإعادة احتلال السودان. والثالث، «المعركة»، وهو قلب الكتاب النابض؛ ففيه ذلك الشريط البطيء الذي يرصد الساعات الأربع فصلًا فصلًا. ثمّ تأتي الملاحق: صورةٌ من تقارير مخابرات عبد الباقي للخليفة، وخطّة الخليفة كما دوّنتها يوميّةُ المخابرات قبل ثلاثة أيامٍ من المعركة، والخريطة الأصلية التي أرفقها السردار كتشنر بتقريره، والتقرير الأصلي عن استشهاد الأمير يعقوب التعايشي. أهدى المؤلّف كتابه إلى «عشرة آلاف رجلٍ سالت دماؤهم الغالية رخيصةً… في أربع ساعاتٍ من الزمان». والمأساةُ كلّها، كما ترى، مضغوطةٌ في أربع ساعاتٍ وأربعة أميال.
الترجمة، نصفُ الكتابِ يتكلّم الإنجليزية
نقل الكتابَ إلى الإنجليزية المستعربُ البريطاني بيتر كلارك — وهو موظّفٌ في المجلس الثقافي البريطاني عملَ طويلًا في العالم العربي وترجم غيرَ عملٍ عن العربية — فصدرت الترجمة عن دار فردريك وارن بلندن سنة 1980م تحت عنوانٍ لا يخلو من دلالة: «كرري: الروايةُ السودانية لمعركة أمدرمان» [2][3]. غير أنّ القارئ الإنجليزي لم ينَل الكتاب كاملًا، بل نال نصفه تقريبًا؛ فالنسخة الإنجليزية في مئتين واثنتين وستّين صفحة، بينما الأصل العربي نحو ضعفها. اختصر كلارك الأنسابَ والاستطرادات ونسيجَ الوصل، فخرجت الترجمةُ أمينةً لكنّها رشيقةٌ على حمية (رجيم غذائي). والمفارقة الساخرة أنّ «الروايةَ السودانية» وصلت إلى القارئ الإنجليزي بعد أن هذّبتها يدٌ إنجليزية.
ماذا قال الآخرون في الكتاب
عُرض الكتاب في دورية «مجلة التاريخ الأفريقي» سنة 1981م تحت عنوان «رؤيةٌ سودانية لأمدرمان» [4]. وهذه دورية متخصصة في تاريخ أفريقيا تصدر الان عن دار نشر جامعة كامبريدج. وهي من أقدم الدوريات وارفعها مكانة وتخضع لتحكيم الأقران ولها موثوقية عالية. ومنذئذٍ استقرّ لهذا الكتاب في الكتابة الأنجلوفونية موقعٌ خاصّ: فهو المرجع الذي يُستدعى كلّما أُريد سماعُ «الطرف الآخر» من المعركة، إلى جوار المرجع الأكاديمي المعياري لدراسة الدولة المهدية عند بيتر هولت [5]، لا بديلًا عنه، بل مكمّلًا له من الضفّة المقابلة. أمّا في الكتابة السودانية الشعبية فيكاد يُعامَل معاملةَ النصّ المقدّس، يُستشهد به لتصحيح رواية تشرشل. ولإنصاف الحقيقة: التحفّظ الجوهري الذي يُذكر ليس في وقائعه، بل في أمرين؛ أنّ الترجمة الإنجليزية نصفُ الكتاب، وأنّ نبرة زلفو تميل أحيانًا إلى البطولة الرومانسية أكثر مما يحتمله ميزانُ المؤرّخ البارد.
خطّةُ الخليفة على الورق، «عبقريّةٌ ومركّبة»
وصف تشرشل خطّةَ الخليفة بأنّها بدت له «عبقريّةً ومركّبة، ingenious and complex» [6]، وقد أصاب تشرشل هنا في وصفه — على الورق. فالخطّة، كما يعيد زلفو بناءها، اقتحامٌ على مرحلتين، لكلٍّ منهما محوران. المرحلة الأولى هجومٌ فجريٌّ بمحورين: عثمان أزرق يسدّد ضربةً أماميّةً مباشرة على قلب الزريبة، وإبراهيم الخليل بجيش «الكارا» ينعطف شمالًا ليضرب جناحها الأيسر بين النيل وجبل سكراب في مركز المعركة. أمّا المرحلة الثانية — وهي الثقل الأكبر والاحتياطي المدّخر — فتتولّاها قوّةُ عثمان شيخ الدين الضخمة والرايةُ الخضراء بعد أن تتخذ خطوط تشكيلها خلف هضاب كرري، ثمّ تنقضّ رايةُ يعقوب الزرقاء كالمطرقة. وبقيت قوّةٌ صغيرةٌ لعثمان دقنة, نحو سبعمائة رجل، خارج هذا الحساب كلّه: لم يكن الاشتراكُ في الهجوم من واجبها أصلًا، بل حراسةُ طريق أمدرمان ومنعُ التفافٍ معادٍ عند خور أبو سِنط.
الرايات الخمس، أمّةٌ تُقادُ بالألوان
وهنا يبلغ «التنسيق العسكري» ذروتَه الطريفة. فالجيش موزّعٌ على راياتٍ بالألوان: عليّ ود حلو تحت الراية الخضراء «الباهية»، وعثمان شيخ الدين تحت الخضراء «الداكنة»، ويعقوب تحت الراية الزرقاء — رايةِ الخليفة نفسه — ومربّعاتٌ هائلةٌ من المقاتلين تحت راياتٍ بيضاء بلا قائدٍ بعينه، وخلفها الخليفة محمد شريف تحت رايةٍ حمراء. تأمّل المنظومة: أمّةٌ بأكملها تُقاد بلوحة ألوان. والفرق بين تشكيلين، كلٌّ منهما بحجم جيش، هو دَرَجةٌ في الأخضر، «باهٍ» أم «داكن»، ويُنتظر من الأمير أن يميّز بينهما عبر أربعة أميالٍ من دخان البارود. فتلك الرايةُ الزاهية كانت في الواقع صفوفَ قدامى محاربي المهدي المتهالكة، فما بهاؤها إلّا قِدَمُها.
وأمّا كيف كان الخليفة يتّصل بقادته وقد تناثروا على أميال؟ فبفارسٍ يحمل الرسائل، على الجلة «راكبٌ مستعدٌّ لتوصيل رسائل الخليفة للقادة» وبحركة الرايات صعودًا وهبوطًا. عقيدةُ إشاراتٍ قوامُها الخيلُ والقماش، في مواجهة رشّاشات مكسيم ومدافع الهاوتزر. علي الجلة، ضابط الارتباط بين الخليفة وامراء الميدان، هوالتجسيد الحي لمنظومة الاتصال البدائية عند الخليفة. فبينما كان كتشنر يدير معركته بالهيلوغراف (الإشارات الضوئية) والبوارج (Gunboats) والتلغراف، كان الخليفة يدير جيشه المترامي على أميال عبر فارسٍ واحد يركض بالرسائل، وعبر حركة الرايات، علواََ وهبوطاً. فرجل واحد على فرس، مهما بلغت سرعته وشجاعته، لا يستطيع ان يفرض التزامن الذي اشترطته “الخطة العبقريّة” بين مخلبي الهجوم، وهنا يكمن جانب من سّر انهيار التنسيق في كرري.
وحين تسأل: أين كان الخليفة في هذا كلّه؟ في المقدّمة مقاتلًا؟ فالجواب: لا، بل في المؤخّرة على فروته، قرب جبل سركاب أو [Surgham] في المصادر الإنجليزية، بين حرسه ومدفعين، يدير المعركة بالمراسيل. بل يصحّح زلفو وهمًا شائعًا: حتى عليّ ود حلو لم يَقُد هجوم رايته الخضراء ولم يُجرح في الميدان البعيد، وإنما أصابته شظيّةٌ وهو في رئاسة الخليفة، بشهادة ملازمه نفسه. فـ«الخلفاء» — ود حلو وشريف — أشبهُ بأعضاء مجلس إدارةٍ لا ينزلون الميدان؛ ولكلّ رايةٍ «أميرُ أمراء» يتولّى الموتَ نيابةً عنهم: يعقوب، وعبد الله أبو سوار.
الشريطُ البطيء، أربعُ ساعاتٍ بالثانية
هنا يتألّق منهج زلفو ويُصاب القارئ بدُوار الدقّة. يوقّت المؤلّف كلّ شيء: توقّفُ الجيش عند الثانية وخمس دقائق على بعد ستّة أميالٍ من العدوّ، لا لسببٍ، كما يقول بصراحةٍ قاطعة، «إلّا أنّ التوقيت الذي حدّده لم يحن بعد»؛ ثمّ المبيتُ في تشكيل اقتحامٍ لا تشكيلِ راحة؛ ثمّ فتحُ مدافع الهاوتزر مع الفجر. وحين أطاحت قذيفةٌ برأس قبّة المهدي المدبّب، على مرأى من الخليفة وجمعه، خيّم صمتٌ ثقيلٌ وخجلٌ على الآلاف، وهتف الخليفة «لا حول ولا قوّة إلّا بالله… هدموا القبّة ولم يخافوا الله»، ثمّ تمالك نفسه بجملةٍ صارت مثلًا: «القبّة بنيناها من طينٍ وسنبنيها من طين». وأمّا المرحلة الأولى — هجومُ الخليل وعثمان أزرق — فتقدّمت الرايات في وضح النهار عبر آلاف الياردات من أرضٍ مكشوفة نحو نيران البنادق والرشّاشات والمدفعية مجتمعة، فأُبيدت. والمفارقة المرّة أنّ أمّةً أمضت عشرين عامًا تبتكر تكتيكاتٍ أدهشت أقوى جيوش الأرض، دخلت المعركة فنسيت أن تستعمل حتى نظرياتها هي، ومشت منتصبةَ القامة إلى الأفواه المشرعة.
وأمّا ميزانُ السلاح فكان هو الحَكَمَ قبل أن تُطلَق رصاصة. فعلى جانب السردار كتشنر منظومةُ نيرانٍ متكاملة: بنادقُ «لي-متفورد» الإنجليزية المتكرّرة عديمةُ الدخان في أيدي الفرقة البريطانية، و«مارتيني-هنري» في أيدي كتائب المشاة المصرية والسودانية؛ تسندها عشراتُ رشّاشات «مكسيم» الآليّة الحزاميّة التي تحصد الصفَّ بأكمله في ثوانٍ، وإلى جانبها رشّاشاتُ «مكسيم-نوردنفلت» سريعةُ الطلقات. ومن المدفعية بطارياتُ الميدان الثقيلة، وسريّةُ مدفعيّةِ خيّالةٍ بمدافع «كروب» عيار اثني عشر رطلًا للإسناد المتحرّك، ومدافعُ الهاوتزر التي قذفت أمدرمان وقبّةَ المهدي بدانات «الليدايت» شديدةِ الانفجار — لأوّل مرّةٍ في تاريخ الحرب، من مدًى بعيد. ثمّ البوارجُ في النيل تصبُّ قذائفَ مدافعها السريعة ورشّاشاتِ مكسيمها على الجناح النهريّ. في مقابل هذا كلِّه لم يكن لدى الخليفة إلّا حفنة من مدافع «كروب» المغنومة، وستّةُ مدافعَ جبليّة، ومدفعُ «نوردنفلت» يتيم، أكثرُها ملساءُ الماسورة تُعبّأ من الفوهة وقد شحّت ذخيرتُها حتى أمر بوقف استعمالها؛ وبنادقُ «رمنجتون» أحاديّةُ الطلقة، بطيئةٌ قليلة، في أيدي الجهاديّة والملازمين، بينما حمل جمهورُ الأنصار السيفَ والحربة. فحين تصطدم موجاتُ الحراب المكشوفة بجدارٍ من المكسيم والليدايت والمتفورد، لا تكون النتيجةُ معركةً، بل حصادًا — وهذا، لا نقصُ الشجاعة، هو ما جعل السهلَ أرضَ حصاد.
عثمان شيخ الدين: الابنُ الذي وصل متأخّرًا
وقبل أن نلاحقه في الهضاب، نُجِبْ على السؤال الطريف: إذا كان عثمان شيخ الدين ابنَ الخليفة، فلماذا لا يتطابق اسمه مع اسم أبيه؟ فالخليفة هو عبد الله بن محمد التعايشي، والابن هو عثمان، و«شيخ الدين» لقبٌ لا كُنية عائلة، ونسبه الصحيح «عثمان بن عبد الله». أضِف إلى ذلك أنّ عثمان كان الوريثَ المهيّأ، أميرًا نشأ في ترف أمدرمان وسهراتها أقربَ منه إلى خشونة الميدان، بشهادة زلفو، فأيُّ حكمةٍ في أن يُوكَل الجناحُ الشمالي الحاسم إلى أميرٍ من رجال المجالس؟
سار شيخ الدين شمالًا شرقًا نحو هضاب كرري ليحتلّ خطّ تشكيله للمرحلة الثانية، لكنّه اصطدم بعقبةٍ: كانت تلك الهضاب محتلّةً بخيّالة (Egyptian Cavalry) يقودها الجنرال برودوود (Robert Broadwood) وهجّانته ومدفعيّته الراكبة، فكان لا بدّ من إجلائهم أوّلًا. وهنا موضعُ الخطأ الاستخباري الذي يرصده زلفو بدقّة: ظَنّت طلائعُ الاستكشاف أنّ من احتلّ كرري «مشاةٌ» يثبتون في مكانهم، لا خيّالةٌ متحرّكة. فبدلًا من إجلاء مشاةٍ ثابتين واحتلال أرضٍ، وجد شيخ الدين نفسه يطارد قوّةً متحرّكةً لا تكفّ عن التراجع شمالًا، فانجرّ خلفها ثلاثة أميالٍ في وعورة الهضاب، مسرعًا، تحت الشمس، بعد ليلةٍ في العراء وزحفٍ فجريّ. هذا هو ما أنهكه وقواته: لا المسافةُ من أمدرمان وحدها، بل مطاردةُ طُعمٍ يجرّه بعيدًا عن الميدان.
فلمّا انسلّ برود وود عائدًا إلى النهر بالطريق الأقصر، كرّ شيخ الدين جنوبًا بصفوفٍ منهكةٍ متناثرة، فظهرت طلائعه المتعبة قبيل الساعة العاشرة بدقائق — ولا تزال على أكثر من ميلين من أقرب قوّةٍ للعدوّ، لواء ماكدونالد. وكانت رايةُ يعقوب الزرقاء قد لفظت أنفاسها الأخيرة، على مرأى من الخليفة ومجلسه؛ إذ قُتل يعقوب على صهوة جواده في نحو التاسعة والخمسٍ والخمسين على بعد مائة ياردةٍ من صفوف ماكدونالد. هكذا وصل المخلبان اللذان كان يُفترض أن ينطبقا معًا في اللحظة نفسها، فانطبقا بفارق من الزمن الذي اشترطته الخطة، وأُبيد كلٌّ منهما وحده. هذا بالضبط موضعُ انهيار التنسيق على مقياس زلفو للمسافات والتوقيتات: وهو ليس بغلطةٌ واحدة، بل تفكّكٌ يمكن تصويره بالثانية بين أبٍ في المؤخّرة وابنٍ ضائعٍ في الجبال. وقياس التوقيتات والمسافات استخرجه زلفو من كل المصادر البريطانية التي كانت تتعامل بالساعات المضبوطة.
يبقى السؤال الذي لا مفرّ منه: ما دامت قوّات الابن مهمّةً إلى هذا الحدّ للنصر، فلماذا لم ينتظرها الخليفة؟ والجواب في صميم مأساة الخطّة «العبقرية»: لأنّه فقد القدرة على أن يعرف أين ابنُه، وعلى أن يمسك بزمام التوقيت. كانت الخطّةُ تشترط تزامنًا لا يستطيع نظامُ الرايات والمراسيل أن يفرضه عبر أميالٍ من الهضاب والدخان. ولمّا سقطت المرحلةُ الأولى وقُتل إبراهيم الخليل، دفع الخليفة رايةَ يعقوب الزرقاء — احتياطيَّه الأكبر — دون أن يتأكّد من وصول شيخ الدين: بعضُه حزنٌ جارف، وبعضُه فقدانُ سيطرة، وأكثرُه خطّةٌ افترضت ساعةً دقيقةً لم تكن بيده أصلًا.
كمينُ أبو سِنط، صناعةُ أسطورةٍ وطنية
أوّلًا تصحيحٌ لازم: الكمينُ الشهير وقع عند خور أبو سِنط قرب جبل سركاب، لا عند خور شمبات — فخور شمبات هو موضع رئاسة الخليفة ومجلس شوراه، لا موضع الكمين. متى وقع هذا الكمين؟ في قلب معركة كرري صباح الثاني من سبتمبر نحو الثامنة وسبعٍ وثلاثين دقيقة، فهي معركةً منعزلةً تمامًا عن بقيّة المعركة. خرجت كتيبةُ الرماحة الحادية والعشرون البريطانية، نحو أربعمائة فارسٍ بقيادة الكولونيل مارتن، بأمرٍ بسيطٍ هو تنظيفُ طريق النهر إلى أمدرمان، فإذا بها — بدافع الزهو الفوجيّ والمجد الشخصي لا بالضرورة التكتيكية، إذ كانت أوّلَ تجربةٍ ميدانيةٍ لها، واعترف تشرشل لاحقًا بأنّ الكتيبة كلّها كانت مسكونةً بهاجس “هجمة الخيالة” الأسطوريّة التي بنى الجيش البريطاني مجده على أمثالها— تندفع نحو ما بدا مائةً ونيّفًا من حملة البنادق على حافّة الخور.
وخلف هؤلاء نهض أكثرُ من ألفي مقاتلٍ من رجال عثمان دقنة وربعِ التعزيز من الراية الزرقاء «كأنّ الأرض انشقّت عنهم». هل كانت الخيّالة تحمل الرماح حين استدرجها دقنة؟ نعم؛ فهم «الرماحة»، الفرسانُ يُشرِعون رماحهم الطويلة أمامهم، وتلك ذروةُ المفارقة: آخِرُ صيحةٍ للرمح الأنيق في وجه رجالٍ رابضين في مجرًى جافٍّ يرفعون الحراب. دام الاصطدام أقلَّ من دقيقتين، وسقط نحو سبعين من الرماحة بين قتيلٍ وجريح، أعلى خسائر كتيبةٍ بريطانيةٍ في ذلك اليوم، ومئةٌ وتسعة عشر جوادًا، ونُثرت ثلاثةُ صلبانِ فيكتوريا على الناجين، وكان الملازم الشابّ ونستون تشرشل بينهم [7][8]. وفقد عثمان دقنة نحو مائةٍ من رجاله.
أنجح الكمينُ أم فشل؟ تكتيكيًّا أدمى الرماحة البريطانيين إدماءً موجعًا، لكنّهم شقّوا طريقهم وترجّلوا وأجلوا رجال دقنة بنيران بنادقهم. أمّا استراتيجيًّا فلم يغيّر شيئًا: مشاجرةٌ معزولةٌ لم تُنقذ أمدرمان ولم تخدش قوّةَ كتشنر النارية. وهل كان يمكن أن يغيّر هذا الكمين نتيجة المعركة؟ كلّا؛ فالمعركة حُسمت بمدافع الهاوتزر ورشّاشات مكسيم على السهل المكشوف، لا بمعركةِ دقيقتين في خور. ومع ذلك تحوّل الكمينُ في الذاكرة الوطنية السودانية إلى مبعثِ فخر: عثمان دقنة، أميرُ الشرق الداهية، يستدرج الخيّالةَ البريطانية «التي لا تُقهَر» ويُذيقها الهزيمة، فيفرّ مارتن غربًا [9]. ومن موضوعية زلفو أنّه يثقب هذه الرومانسيّة دون أن يُهين الشجاعة: فالفخّ كان بلبلةَ مارتن أكثر منه براعةَ دقنة، إذ كان رجالُ دقنة واقفين على الخور حراسةً لا كمينًا مدبّرًا، والرماحةُ هي التي ارتمت فيهم طلبًا للمجد. بل إنّ الأسطورة البريطانية المقابلة، أنّ هذه «آخِرُ هجمةِ فرسانٍ في تاريخ الجيش البريطاني»، أسطورةٌ أخرى يدحضها من يذكّر بهجمة الهُسار العشرين عند تشاناق سنة 1920م على مضيق الدردنيل بتركيا إبان نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية زمن اتاتورك. فأبو سِنط أرضٌ نبتت فيها أسطورتان وطنيّتان، سودانيّةٌ وبريطانية، من دمِ الدقيقتين نفسه.
النهاية على الفروة، أفي كرري أم في أمّ دبيكرات؟
يبقى مشهدُ الفروة، الذي يظنّه كثيرون خاتمةَ كرري. والحقيقة أدقّ. ففي كرري، حين حُمل إلى الخليفة نبأُ استشهاد يعقوب، أصابته هزّةٌ لم يُفق منها، وصار كلُّ همّه أن يستشهد جالسًا على فروته. لكنّ عثمان دقنة، بحسب جاكسون [10]، أو محمد عمر البنّا، بحسب بابكر بدري [11]، أمسك بذراعه وأنهضه، وقال له ما معناه: سنموت كلانا يومًا ونحن نقاتل على صهوات جيادنا، فلا جدوى من الموت هنا جالسًا على فروتك. فأركبوه حمارًا، فمضى نحو أربعة أميالٍ غرب النيل عائدًا إلى أمدرمان، وقد تسلّل عنه أتباعه، وحيدًا مطرقًا، «على ظهر حمار»، كما بدأ رحلته إلى المجد، انتهى بها مهزومًا كسيرًا.
فمشهدُ الفروة الذي يتذكّره القارئ نصفَ تذكّر، الخليفةُ جالسًا على جلده ينتظر الموت، لم يقع في كرري، بل بعدها بأربعة عشر شهرًا ونصف، في أمّ دبيكرات، يوم الرابع والعشرين من نوفمبر 1899م، حين أدركته قوّةُ وينجت باشا أخيرًا. هناك أمر أمراءه بالترجّل، وفرش فروته، وجلس مستقبلًا القبلة، وعليٌّ ود حلو عن يمينه وأحمد فضيل عن يساره، فأصابته ثلاثُ طلقاتٍ في صدره اخترقت إحداها قلبه [1]. وأمّا معناها فليس طلبَ الرصاصة انتحارًا، ولا طلبَ الأسر حيًّا، ولا الصفحَ والاستسلام، بل نقيضَ ذلك تمامًا: هي عادةُ زعيم العرب «الذي يأنف من الاستسلام»، كما جاء في تقرير وينجت نفسه؛ ينزل عن فرسه، ويجلس على الفروة، ويلقى الموتَ حيث يجلس. إنّها كوريغرافيا الرفض لا الخضوع. والطريف أنّ الشيء الوحيد الذي «يعرفه» الجميع عن نهاية الخليفة، مشهدَ الفروة، مُصنّفٌ تحت المعركة الخطأ، والسنة الخطأ، والمعنى الخطأ.
الخلاصة، عبقريّةٌ بلا ساقين
فهل كانت الخطّة عبقريّةً حقًّا؟ على طاولة الرمل، نعم، ولم يُخطئ تشرشل حين وصفها بالعبقرية والتركيب: تطويقٌ من مرحلتين وأربعة محاور، مع احتياطيٍّ ضخمٍ مدّخر، يهدف إلى ضرب جناح الزريبة ومؤخّرتها. لكنّ الخطّة لا تساوي إلّا بقدر وسائل تنفيذها، ووسائلُها هنا كانت نظامَ إشاراتٍ من رايةٍ وفارس، وقادةً يقودون من مؤخّرةٍ سحيقةٍ لا يؤثّرون معها في هجومهم نفسه، شيخ الدين خلف آلافٍ من رجاله، والخليفة خلف سركاب — واستخباراتٍ خلطت بين الخيّالة والمشاة، وقبل ذلك كلِّه عدوًّا جعلت مدافعُه ورشّاشاته السهلَ المكشوف أرضَ حصاد. كانت العبقرية حقيقيّةً وبلا أثر: اشترطت تزامنًا لا يقدر عليه جيشٌ مهديٌّ في القرن التاسع عشر، في وجه نارٍ لا تُخدَع بأيّ ذكاء. وأعظمُ ما صنعه زلفو أنّه أرانا — بالدقيقة والياردة — أين تفكّكت الخطّةُ الجميلة ومتى: لا في خيانةٍ ولا في غلطةٍ مفردة، بل في ذلك الانهيار البطيء القابل للتصوير بين أبٍ في المؤخّرة وابنٍ ضلّ في الهضاب.
وأمّا الكتاب نفسه فقوّته في منهجه: أرشيفُ الحربية البريطانية مقروءًا في ضوء شهادة الملازمين، والبناءُ الدقيق بالدقيقة، ورَدُّ العقل والمبادرة إلى الأنصار بدل تصويرهم قطعانًا تندفع، ثمّ هدمُه الهادئ للأساطير المريحة — البريطانية والسودانية على السواء. وضعفُه في نبرةٍ رومانسيّةٍ تُجهد أحيانًا لإثبات «عبقرية» الخطّة، وفي بناءٍ يتّكئ جزئيًّا على تشرشل وعلى استجواب الناجين بعد أشهر — حتى لتكاد «الخطّة» تُستنبط عكسيًّا من شكل المعركة — وفي ترجمةٍ إنجليزيّةٍ اقتطعت نصفه. ويبقى، مع ذلك، الشريطَ البطيء الأصدق الذي صوّر به سودانيٌّ ساعاتِه الأربع الأثقل: أربع ساعاتٍ، وأربعة أميال، وخطّةٌ عبقريّةٌ بلا ساقين تحملها.
المراجع
[1] عصمت حسن زلفو، كرري: تحليل عسكري لمعركة أمدرمان، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1973م.
[2] Ismat Hasan Zulfo, Karari: The Sudanese Account of the Battle of Omdurman, trans. Peter Clark, Frederick Warne, London, 1980 (xvi + 262 pp.).
[3] بيتر كلارك (المترجم): مستعربٌ بريطاني عمل بالمجلس الثقافي البريطاني منذ 1967م وترجم أعمالًا عن العربية؛ والنسخة الإنجليزية مختصرةٌ في نحو نصف حجم الأصل العربي الصادر عن دار جامعة الخرطوم 1973م.
[4] “A Sudanese مشاهدة of Omdurman” (مراجعة كتاب Karari), The Journal of African History, vol. 22, no. 2 (April 1981), pp. 285–286.
[5] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898, Clarendon Press, Oxford, 1958.
[6] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, Longmans, Green & Co., London, 1899.
[7] Winston S. Churchill, My Early Life: A Roving Commission, Thornton Butterworth, London, 1930.
[8] National Army Museum, London — “The Charge of the 21st Lancers at the Battle of Omdurman, 1898” (collection.nam.ac.uk).
[9] «بل فرَّ جمعُ الطاغية»، صحيفة الراكوبة (نموذجٌ لتداول الأسطورة الوطنية عن كمين عثمان دقنة للكولونيل مارتن)، www.alrakoba.net.
[10] H. C. Jackson, Osman Digna, Methuen, London, 1926.
[11] بابكر بدري، تاريخ حياتي، الجزء الأول.

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
السنيورة محافظ المركزي !!
الأخبار
أنباء عن مذكرة تصحيحية للإسلاميين بالسودان
منبر الرأي
السعودية وداء الاحساس بالقوة .. بقلم: شوقي بدري
منبر الرأي
الحارث إدريس… من دبلوماسي أعادته الثورة إلى بوق لجيش الحركة الإسلامية
هذا جيلٌ شامخٌ يصعُب عليك لَجمُهُ يا البرهان! (١-٢) .. بقلم: عثمان محمد حسن

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لقاء أديس أبابا بين رئيس الوزراء ورئيس الحركة الشعبية شمال .. ورش التفاوض غير الرسمية: ماذا تعني؟ .. بقلم: د. الواثق كمير

د. الواثق كمير
منبر الرأي

فى شأن الجزيرة الخضراء!! … بقلم: الخضر هارون

الخضر هارون
منبر الرأي

بعد الحرب: لا مصالحة بلا مصارحة

صلاح أحمد الحبو
منبر الرأي

بدلاً من”كلفتة” حوار لايحل ولا يربط .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss