“تأسيس”: بين مبدأ الحوار وكلفة التحالف في الرد على مقال الأستاذ طلعت محمد الطيب
من «الانتفاضة المحمية بالسلاح» إلى رفض «تأسيس»: أين اختفى المبدأ؟
عاطف عبدالله
أتفق مع الإطار النظري العام الذي يقوم عليه مقال الأستاذ طلعت محمد الطيب، ولا سيما في دعوته إلى توحيد المعايير في التعامل مع القوى المسلحة، ورفض تحويل الهوية السياسية أو التاريخ السابق لأي طرف إلى بديل عن مناقشة مشروعه السياسي ومواقفه العملية. كما أن استدعاء تجربة أسمرا ومفهوم “الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح” يطرح بالفعل سؤالاً مشروعاً حول مدى الاتساق في الخطاب السياسي السوداني عبر المراحل المختلفة.
غير أنني أرى أن الانتقال من صحة المبدأ النظري إلى صواب الموقف السياسي العملي يحتاج إلى قدر أكبر من التمييز. فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُبنى على المبادئ والنظريات وحدها، مهما بلغت وجاهتها، وإنما تقوم أيضاً على قراءة دقيقة لموازين القوى، ولطبيعة اللحظة التاريخية، وللتفاهمات الممكنة، وللظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع.
لذلك يمكن القول إن المبدأ الذي يطرحه المقال صحيح من حيث الأساس: لا ينبغي رفض الحوار مع أي قوة لمجرد أنها قوة مسلحة، كما لا ينبغي قبولها لمجرد أنها تعلن مواقف سياسية مرغوبة. لكن السؤال السياسي الأكثر تعقيداً هو: ما هي كلفة الحوار أو التفاهم أو التحالف في هذه اللحظة تحديداً؟ وماذا يمكن أن يكسب أو يخسر المشروع المدني الديمقراطي من ذلك؟
وهنا، في تقديري، تقع المسألة الأساسية في العلاقة مع “تأسيس”، باعتبارها الذراع السياسي المرتبط بقوات الدعم السريع.
فالقوى المدنية السودانية لا تتحرك اليوم في فراغ، وإنما راكمت، رغم الحرب والانقسام والضعف، قدراً من المكاسب السياسية والمعنوية، محلياً وإقليمياً ودولياً، باعتبارها القوة التي تطرح بديلاً مدنياً للحرب وللسلطة العسكرية معاً. وأخشى أن يؤدي أي تحالف سياسي مباشر، أو حتى تفاهم غير محسوب، مع “تأسيس” إلى أن يصبح خصماً من هذا الرصيد، وأن يربك موقع القوى المدنية ويضعف قدرتها على المحافظة على استقلالها السياسي والأخلاقي.
وهذا لا يعني رفض الحوار المبدئي، ولا الدعوة إلى الإقصاء، ولا إنكار أن أي تسوية سياسية شاملة ستضطر، في نهاية المطاف، إلى التعامل مع جميع القوى المؤثرة في الحرب. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الحوار الضروري لإنهاء الحرب وبين التحالف السياسي الذي يمنح الشرعية أو يخلق انطباعاً بالشراكة السياسية.
كما أعتقد أن إعلان “تأسيس” تشكيل حكومة كان خطأً سياسياً كبيراً، وربما من أكثر الأخطاء التي يصعب التراجع عنها أو تصحيح آثارها. فقبل ذلك الإعلان، كان يمكن النظر إلى “تأسيس” باعتبارها إطاراً سياسياً يمكن محاورته حول وقف الحرب، ومستقبل الدولة، وترتيبات الانتقال، وإنهاء تعدد الجيوش. أما الانتقال إلى إعلان حكومة وسلطة موازية، فإنه نقل الأمر إلى مستوى مختلف تماماً.
ذلك أن إعلان حكومة في ظل الحرب لا يُقرأ باعتباره مجرد خطوة تنظيمية أو سياسية عابرة، وإنما يحمل، موضوعياً، دلالات تتصل بتقسيم السلطة والأرض والسيادة، ويعزز المخاوف من تفتيت السودان إلى مناطق نفوذ متقابلة. ومن هنا فإن الاعتراض على “تأسيس” بعد إعلان الحكومة لا يتعلق فقط بكونها مرتبطة بقوة مسلحة، بل يتعلق أيضاً بطبيعة الخطوة السياسية نفسها وآثارها المحتملة على وحدة الدولة السودانية.
ولهذا ربما يكون السؤال الأدق ليس: لماذا قبلنا الحركة الشعبية المسلحة ورفضنا “تأسيس”؟
بل: هل الظروف السياسية، وطبيعة المشروع، وموقع القوة المسلحة في الصراع، والنتائج المترتبة على التحالف معها، متطابقة فعلاً حتى نقيس التجربتين بالمقياس نفسه؟
فالقياس بين الحالات التاريخية يحتاج دائماً إلى الحذر. صحيح أن السلاح، من حيث المبدأ، لا ينبغي أن يكون وحده معيار القبول أو الرفض، لكن السياق الذي يستخدم فيه السلاح، والمشروع الذي يخدمه، وموقع القوة المسلحة من الدولة والمجتمع، ومدى استعدادها للتخلي عن السلاح والخضوع للسلطة المدنية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن المبدأ المجرد.
لذلك أرى أن موقف القوى المدنية يمكن أن يجمع بين أمرين لا تناقض بينهما:
أولاً، رفض الإقصاء المبدئي والقبول بالحوار مع جميع الأطراف المعنية بالحرب ومستقبل السودان، بمن فيهم “تأسيس”، متى كان الحوار موجهاً نحو وقف الحرب وحماية المدنيين والحفاظ على وحدة السودان والانتقال إلى الدولة المدنية.
وثانياً، التحفظ الشديد على أي تحالف سياسي أو شراكة غير مشروطة يمكن أن تُفهم باعتبارها منحاً للشرعية لمشروع سياسي وعسكري لم يقدم بعد ضمانات كافية بشأن وحدة الدولة، ووحدة الجيش، والمدنية، والمساءلة، ومستقبل السلاح.
إن التحدي الحقيقي أمام القوى المدنية ليس أن تثبت أنها “ضد هذا السلاح” أو “مع ذلك السلاح”، وإنما أن تحافظ على استقلال مشروعها عن جميع القوى المسلحة. فلا ينبغي أن تصبح القوى المدنية ملحقاً بالجيش، كما لا ينبغي لها أن تصبح ملحقاً بالدعم السريع أو بأي قوة عسكرية أخرى.
وهنا، في تقديري، تكمن أهمية الفكرة التي يطرحها المقال: المعايير يجب أن تكون واحدة. لكن وحدة المعايير لا تعني بالضرورة وحدة المواقف العملية أو التحالفات. فقد تتساوى الأطراف أمام مبدأ الحوار، لكنها لا تتساوى بالضرورة في جدوى التحالف معها، أو في توقيت ذلك التحالف، أو في الثمن السياسي الذي يمكن أن يترتب عليه.
فالسياسة ليست تخلياً عن المبادئ، لكنها أيضاً ليست تطبيقاً ميكانيكياً لها. إنها، في أفضل صورها، محاولة دائمة للجمع بين ثبات المبدأ ومرونة التكتيك، وبين وضوح الغاية وحسن تقدير الطريق إليها.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الحوار مع “تأسيس” لا ينبغي أن يكون محرماً من حيث المبدأ، لكن التحالف معها أو التفاهم في الظروف الراهنة، وبعد إعلان حكومتها الموازية، مسألة مختلفة تماماً، تحتاج إلى حساب دقيق للكلفة السياسية والوطنية، لا إلى الاحتكام للمبادئ المجردة وحدها.
فالهدف النهائي للقوى المدنية يجب أن يبقى واضحاً: إنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة السودان، ومنع تفتيته، واستعادة المجال السياسي المدني، وإخضاع جميع القوى المسلحة ـ بلا استثناء ـ لسلطة دولة ديمقراطية واحدة.
وهذا هو، في رأيي، المعيار الذي ينبغي أن تُوزن به كل التفاهمات والتحالفات المقبلة: ليس فقط من نتحاور معه؟ وإنما أيضاً ماذا نخسر وماذا نكسب من الحوار أو التحالف، وفي أي لحظة سياسية، وتحت أي شروط، ولخدمة أي مشروع وطني؟
