محمد صالح محمد
أحياناً يقف الإنسان عاجزاً أمام نبضات قلبه، لا يدري أفي اليقظة هو أم في طيف حلم طويل لا يريد له أن ينتهي. وحين يكون المعشوق هو ذلك الوطن الصغير، وتلك الروح السمراء المليئة بالدفء والحنان والمعروفة بـ “الزولة”يصبح العشق صلاة لا تنتهي، وتلتبس الحدود الفاصلة بين الحلم والحقيقة.
في كل ليلة حين يغفو العالم وتهدأ ريح الشوارع، كانت أطيافها تتسلل إلى جفوني. أراها تقبل بابتسامتها التي تذيب قسوة الأيام، وبذلك الوقار العفوي الذي يملأ عينيّ نوراً. كنت أمد يدي لألمس كفها ، وأسابق الدمع وهو يطوق جفوني من شدة الشوق واللهفة، لكن يدي كانت ترتطم بفراغ الوداع، فأستيقظ على ألم الفقد وغصة الحنين. كان حلمي بها أصفى من ماء الغمام، وأعذب من أغنيات الأمهات على ضفاف النيل.
تمر الساعات ثقيلة، تلاحقني ملامحها في تفاصيل الصباح، وفي وجه كل عابر أبحث عنها متسائلاً بقلب يقطر شوقاً أهي مجرد ومضة خيال عابرة في ليل الوحشة أم حقيقة سألقاها قريباً لأروي ظمأ الروح المكلومة؟ كنت أردد اسمها سراً وجهراً كأنما أحرس به بقايا صبري.
لكن العشق الصادق لا يرضى بالظلال؛ وفي ليلة مكتظة بالحنين، انفتح باب الحقيقة على مصراعيه. وقفت أمامي، لا كطيف يتبدد مع النسيم، بل واقعاً حياً ينبض بالحياة والدفء. التقت عيناها بعيني، فانكسر جدار الغياب، وسقطت دموع الفرح حارّة على خدين طالما أنهكهما الانتظار. في تلك اللحظة، ائتلف الحلم بالحقيقة، وأدركت أن كل دمعة سقطت شوقاً لم تذهب ضياعاً، بل كانت صك الإبحار إلى قلبها الأبدي حيث لا فراق بعد اليوم ولا عذاب.
