كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
أتعامل مع الدعوة إلى الحوار السوداني ـ سوداني باعتبارها فكرة تستحق الترحيب من حيث المبدأ. فالسودان، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من النزاع المسلح، لا يحتاج إلى مزيد من الحرب، وإنما إلى طريق يوقف نزيف الدم ويفتح الباب أمام تسوية سياسية تعيد للدولة عافيتها وللمجتمع قدرته على استعادة حياته الطبيعية.
لكن الترحيب بفكرة الحوار لا يعني بالضرورة قبول الطريق الذي اختير للوصول إليه. ففي النزاعات المركبة مثل التي شهدها السودان، قد يصبح الطريق إلى الحوار جزءا من المشكلة إذا لم تُبنَ العملية منذ بدايتها على شروط تجعلها مستقلة ومحايدة وقابلة للقبول من مختلف أطراف النزاع.
لقد أفرزت الحرب واقعا جغرافيا وسياسيا جديدا، مناطق واسعة تخضع لسيطرة القوات المسلحة، وأخرى تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، فضلا عن مناطق تتداخل فيها السيطرة والنفوذ. الحديث عن هذه الجغرافيا لا يعني الاعتراف بتقسيم السودان، كما لا تمنح السيطرة العسكرية أي طرف شرعية سياسية تلقائية. لكنها تظل واقعا لا يمكن تجاهله عند تصميم حوار وطني شامل.
ومن هنا لا أرى أن مكان انطلاق الحوار مسألة لوجستية محضة. فالخرطوم / بورسودان أو ونيالا ليست مجرد أماكن تصلح لاستضافة مؤتمر، فلكل واحدة منها دلالتها السياسية في واقع الحرب الراهن. لو كانت الدعوة تستهدف فعلا إنتاج حوار سوداني شامل، لكان متوقعا أن تأخذ هذه الجغرافيا في الاعتبار منذ الوهلة الأولى، حيث لا ينبغي للحوار أن يتجاوزها. كان يمكن، مثلا، أن تنطلق الدعوة متزامنة من الخرطوم ونيالا معاً، أو اعتماد صيغة متنقلة… مع تأكيد واضح أن الاعتراف بالواقع الجغرافي لا يعني الاعتراف بشرعية التقسيم.
وهذا يقودنا إلى أكثر نقطة تعقيدا في الحوار، وهي مسألة الحياد ـ وهي مسألة لا تبدأ عند طاولة الحوار. أتحفظ هنا على أن يكون معيار الحياد مجرد إعلان تصدره اللجنة عن نفسها. فالحياد هو إشارة لصفة ينبغي أن تكون قابلة للإدراك من جميع الأطراف.
وهنا استسمح القارئ ان يكون طرحي ذاتيا نوعا ما، أنني شخصيا لا تنطبق عليّ صفة المحايد بالمعنى الصارم، فقد أعلنت بوضوح انحيازي للقوات المسلحة السودانية في هذه الحرب، وهذا الانحياز يجعلني غير مؤهل لعضوية لجنة يفترض أن تقوم بهذه المهمة. فالحياد عادة لا يتحقق بإخفاء الموقف، بقدر ما يظهر أحيانا بالإفصاح عنه.
وينبغي ألا يفهم من ذلك أنني أفترض أن يكون أعضاء لجنة الحوار بلا تاريخ أو مواقف أو قناعات، فهذا شرط شبه مستحيل. المطلوب هو شروط واضحة تمنع المواقف السابقة والانتماءات من التأثير في إدارة الحوار، وتركيبة اللجنة قابلة للتصديق من جميع الأطراف. فكل مبادرة حوار تحمل رسائل معلنة وأخرى مضمرة… حيث يعد المكان رسالة، ولغة الخطاب رسالة، وتركيبة اللجنة وخلفيات أعضائها وعلاقاتهم السابقة رسالة، وحتى ترتيب من يُدعى أولا ومن يُطلب منه الالتحاق لاحقا رسالة أخرى. وهذه الرسائل هي التي تصنع، تدريجيا، حالة القبول أو الشك في مستوى حياد اللجنة استقلاليتها ومصادر تمويلها.
من هنا تأتي أهمية “الثقة”… والثقة كمفهوم مجرد لا يمكن قياسه مباشرة، لكن مؤشرات إنتاجه أو تقويضه قابلة للملاحظة. و تجاهل اللجنة لهذه المؤشرات لا يلغي الشك، بقدر ما يتركه يتشكل لدى الأطراف من تلقاء نفسه. لذا يجب الحذر في تفسير رفض أي طرف للمبادرة. فقد لا يكون الرفض رفضا للحوار من حيث المبدأ ولكن رفضا للطريق الذي اختير للوصول إليه. وهذا فارق جوهري.
هنا يصل الطرح للنقطة الأكثر حساسية، وهي إذا كان هناك طرف يرى أن الحوار قد ينتهي إلى تكريس شرعية السلطة القائمة، أو منح الفريق عبد الفتاح البرهان على سبيل المثال شرعية سياسية جديدة كرئيس للجمهورية، فإن الدعوة لن تُقرأ في فراغ، خاصة إذا سبقتها تصريحات أو إجراءات يمكن أن تُقرأ في هذا الاتجاه. لا أقول إن اللجنة قصدت ذلك، ولا أملك أساسا للحكم على نوايا أعضائها، لكن السياسة لا تُقرأ بالنوايا وحدها، وإنما بالسياق والتوقيت وتسلسل الأحداث.
على أن السؤال المهم هنا… هل الحوار مفتوح على سؤال الشرعية، أم يبدأ من شرعية مفترضة سلفا؟ الفرق بين الإجابتين هائل. فإذا افترض الحوار مسبقا شرعية أحد الأطراف ثم دعا الآخرين للتفاوض داخل هذا الإطار، فقد يتحول من وسيلة لإعادة بناء الشرعية إلى وسيلة لإضفاء شرعية جديدة على شرعية مفترضة سلفا. أما إذا كان سؤال الشرعية نفسه مفتوحا أمام السودانيين، فإن الحوار يصبح مساحة سياسية حقيقية لإعادة تأسيس الدولة.
مهما يكن من شي، أحتاج هنا إلى توضيح موقفي حتى لا أضع نفسي في موقع لا أدّعيه:… أنا منحاز للقوات المسلحة السودانية في هذه الحرب، وقد أعلنت ذلك من قبل. لكن هناك فرقا جوهريا بين الموقف من الحرب والموقف من شرعية الدولة بعد الحرب. فانحيازي في ميدان القتال لا يعني، ولا ينبغي أن يعني، انحيازا في تحديد من يملك حق الحديث باسم السودانيين مستقبلا. هذا التمييز هو ما يجعلني أرى أن سؤال الشرعية يجب ألا يُحسم بالانحياز العسكري، ولا بالسيطرة على الأرض، ولا حتى بنتيجة الحرب وحدها ـ حتى لو انتهت الحرب لصالح الطرف الذي أنحاز إليه.
فعندما يتم الانتقال من سؤال الحرب إلى سؤال الشرعية، أقف عند شرعية مختلفة… شرعية الشارع السوداني. وهي، في تقديري، الشرعية الحاضرة الغائبة في كل المعادلة … حاضرة لأنها مصدر الشرعية الأصلية لأي نظام سياسي سوداني، وغائبة لأن الحرب شتتت أصحابها بين النزوح واللجوء والشتات. لا أحد يستطيع أن يتحدث باسمها نيابة عن السودانيين. فلا الجيش، ولا الدعم السريع، ولا الحركات المسلحة، ولا لجنة الحوار نفسها. فالسيطرة على الأرض لا تساوي امتلاك إرادة الشعب، وامتلاك السلاح لا يساوي امتلاك الشرعية السياسية.
والحديث عن “شرعية الشارع” قد يبقى مجردا ما لم يُترجم إلى آليات ملموسة. وأتصور أن أي حوار جاد يحتاج، من ضمن بنيته، إلى قنوات فعلية لسماع من غيّبتهم الحرب جغرافيا… تمثيل مباشر لتجمعات النازحين واللاجئين في الدول المضيفة ومعسكرات النزوح داخل السودان، وآليات استطلاع أو تشاور رقمي يصل إلى الشتات، ومساحة مستقلة عن رعاية أي طرف من أطراف الحرب لتوثيق هذا الرأي ونقله إلى طاولة الحوار دون وسيط سياسي واحد يحتكر تمثيله. هذه التفاصيل التقنية ليست هامشية، إنها الاختبار العملي لمدى جدية أي دعوة تتحدث عن “الشعب” أو “الشارع” كمصدر للشرعية.
من هنا أرى أن يجب التمييز بين مسارين… المسار الأول هو إيقاف الحرب. حماية المدنيين، وقف إطلاق النار، فتح الممرات الإنسانية، معالجة القضايا الأمنية، لعدالة الانتقالية وتهيئة البيئة التي تسمح للسودانيين بالعودة إلى المجال السياسي. أما المسار الثاني فهو إعادة تأسيس الشرعية السياسية للدولة، وهذا المسار لا يجوز أن يبدأ بافتراض الإجابة التي يُفترض أن يبحث عنها. فالشرعية ليست بندا عاديا في جدول الأعمال، فهي الإطار الذي يمنح بقية العملية معناها. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق “من سيجلس إلى طاولة الحوار؟” هو “ما الذي تملك هذه الطاولة أن تقرره، وما الذي لا يحق لها أن تفترضه مسبقا؟” فإذا كانت الطاولة ستقرر، مباشرة أو بشكل غير مباشر، من يملك شرعية الحكم في السودان، فعليها أن تكون أكثر حذرا في شروط تأسيسها وتركيبتها ومكان انطلاقها ولغتها.
على عموم الأمر، قد تكون فكرة الحوار صحيحة، وقد تكون مخرجاته المنشودة نبيلة، لكن ذلك لا يكفي. هناك ما يمكن تسميته شرعية المسار (Process Legitimacy) أن يكون الطريق الذي أنتج الحوار نفسه قابلا للقبول من السودانيين المختلفين. وفي الحالة السودانية الراهنة، تزداد أهمية هذه المسألة لأن النزاع لا يدور فقط حول السلطة، وإنما حول من يملك حق تعريف الدولة وشرعيتها ومستقبلها.
قد لا يكفي إذن أن تقول اللجنة “نحن محايدون”. السؤال الذي سيطرحه السودانيون هو… هل شكلت اللجنة بطريقة تجعل حيادها قابلا للتصديق؟ وهنا يصبح خيار اللجنة الجغرافي للانطلاق، ولغة الخطاب، وتركيبة اللجنة، وخلفيات أعضائها، وتوقيت الدعوة، والسياق الذي سبقها، أجزاء من اختبار واحد. هل نحن أمام عملية حوار مفتوحة، أم أمام مسار سياسي يحمل في داخله نتيجة مفترضة؟ وهذا الاختبار يجب أن يسبق بدء الحوار، لا أن يُترك للأطراف لتكتشفه بعد جلوسها إلى طاولة (لن تحضر لها). فالحياد الذي يظهر في بنية العملية منذ البداية أقوى من الحياد الذي تحتاج اللجنة إلى الدفاع عنه بعد انطلاقها.
لا أعتقد أن السودان يحتاج إلى حوار يضيف طبقة جديدة إلى صراع الشرعيات. ما يحتاجه هو مسار واضح يفصل بين سؤالين…. كيف نوقف الحرب؟ وكيف نعيد تأسيس الشرعية السياسية للدولة؟ قد يتقاطع السؤالان، لكنهما ليسا سؤالا واحدا. وقف الحرب يحتاج إلى تسوية بين المتحاربين، أما إعادة تأسيس الشرعية فتحتاج إلى السودانيين جميعا.
إذا كان الحوار يراد له أن يكون سودانيا ـ سودانيا، ينبغي أن يضمن ألا تُمنح الشرعية مسبقا لأي طرف من خلال تصميم الحوار نفسه، ولا تُستمد من أي طرف. فالشرعية التي ينبغي أن تكون فوق الطاولة ليست شرعية اللجنة، ولا الجيش، ولا الدعم السريع، ولا القوى السياسية، إنها شرعية السودانيين أنفسهم، أولئك الذين فرقتهم الحرب بين مدن السودان ومعسكرات النزوح ودول اللجوء ومنافي الشتات. وإذا كانوا غائبين الآن عن المجال السياسي الطبيعي، فلا ينبغي لأحد أن يتحدث باسمهم أو يمنح نفسه حق التصرف في شرعيتهم. فالشرعية قد تكون غائبة عن مؤسسات الدولة بفعل الحرب، لكنها لم تختفِ من أصحابها. وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي حوار سوداني – سوداني جاد.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
