بقلم: السر جميل
في زحمة الحياة وتزاحم المشاغل، يمضي الإنسان حثيثا في سعي دؤوب، وتتعدد أعماله وتتنوع مقاصده، غير أن الجوهر الحقيقي لكل تلك التحركات لا يقاس بظاهرها، بل يكمن في الباعث الذي ينبع من أعمق نقطة في وجدانه. إن الإخلاص هو ذلك السر الخفي والميزان الدقيق الذي يحول العادي من السلوك إلى تسبيح طاهر، والفعال اليومية إلى تسام روحي يتجاوز حدود الأرض. إنه النبض الذي يمنح الأفعال روحا، والغاية التي تصفو بها النيات وتتحرر بها القلوب من قيود التصنع ورغبة الثناء.
ولا يمكن لمفهوم أن يتجلى في أبهى معانيه وأعمق معارجه كما يتجلى في هذا المضمون المكتمل البهاء، حيث تتوارى الوسائط وترتقي الصلة بين العبد وربه، ويقول إمامنا الشعراوي رحمة الله “ما معنى الأخلاص؟ إلا الحق سبحانه وتعالى، فيقول فيه: «الإخلاص سر من أسراري أودعته قلب من أحببت من عبادي، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده». فعمل رفعه الله عن مرتبة كتابة الملك، وأيضاً لم يجعل للشيطان عليه مدخلاً، يبقى أمر يتعلق بالله وبالعبد ذاته بلا واسطة، حتى في الكَتْب لا واسطة. فبقى ما هو معنى الأخلاص؟ معنى الأخلاص أن تكون كل حركة للنفس الإنسانية مراداً بها وجه الله تعالى، لأنه لو كان مراداً بها غير وجه الله تعالى.. يبقى ده رياء.”
تأمل هذا التحليق العالي في إدراك العبودية، فالإخلاص ليس مجرد طاعة تؤدى، بل هو حالة تجرد كاملة يحرر فيها الإنسان نفسه من قيدين خفيين قيد الاستعراض أمام الخلق، وقيد الاستجابة لنوازع النفس والوساوس. حين يرتفع العمل عن كتابة الملك، فهذا يعني أنه تجاوز التسجيل الروتيني للمشاهد الظاهرة ليدخل في دائرة العلم الإلهي المباشر، وحين يحجب عن الشيطان، فهذا يعني أن النية قد بلغت من الصفاء حصانة تامة لا تطالها الأطماع ولا تخترقها الأوهام بل تكون في معية الله في أعلى مرتبة. إنها رابطة محبوكة بالحب الإلهي، أودعها الخالق في أصفى مستقر.قلب العبد المحب.
حين يستقر هذا المفهوم في وعي الإنسان، يتغير فهمة للحياة برمتها. تلتئم حركاته وسكناته، أفكاره وتطلعاته، سكونه وسعيه، لتدور كلها حول قطب واحد لا ثاني له. يغدو العطاء صامتا لا ينتظر كلمة شكر، والجهد متواصلا لا يبحث عن أضواء الشهرة، والصدق جليا حتى وإن خفي عن الأبصار. إن الإخلاص يفرغ القلب من رياء المظاهر وعبودية الانطباعات، ليرسخ مكانه طمأنينة وثباتا لا يهزمهما تجاهل البشر ولا ينقص منهما غياب التقدير.
إن الإخلاص في جوهره هو الحرية المطلقة، حرية النفس من أوهام الاستحسان الخارجي، وعروجها إلى رحاب الطهر الذي لا يبتغي إلا وجه الله تعالى. هو البصيرة التي تتجاوز القشور لتمسك باللب، والمنهج الذي يجعل حركة النفس الإنسانية برمتها اتصالا دافئا بالخالق ومسعى خالصا لنيل رضاه.
