إدوارد كورنيليو
تستعد الأمانة الوطنية للحركة الشعبية لتحرير السودان لتنظيم فعالية لجمع التبرعات في دارها بجوبا تحت شعار نحشد قوتنا ونبني حزبنا ونؤمن مستقبلنا. الخبر يبدو تنظيميا وعاديا في موسم انتخابي، لكنه في الحقيقة يكشف أكثر مما يخفي عن طبيعة الحزب والدولة معا في جنوب السودان بعد خمسة عشر عاما من الاستقلال.
الحركة الشعبية نشأت كحركة تحرر وطني واسعة. كانت تستمد قوتها من الفلاحين والرعاة والطلاب والجنود في الغابات. كان تمويلها يأتي من التزام الناس بقضيتها ومن تضحياتهم المباشرة. اليوم الصورة انقلبت تماما. الدولة التي تديرها الحركة تعتمد بنسبة تتجاوز تسعين بالمئة على عائدات النفط. هذا النفط لا ينتجه مصنع ولا مزرعة، بل هو ريع يخرج من باطن الأرض ويذهب مباشرة إلى خزينة الدولة. من يسيطر على الدولة يسيطر على توزيع هذا الريع.
هنا ولدت طبقة جديدة في جوبا. هي ليست طبقة رجال أعمال بالمعنى الكلاسيكي الذي يبني مصنعا ويشغل عمالا. هي طبقة تكونت داخل جهاز الدولة نفسه. جنرال يتحول إلى مقاول، موظف كبير يملك شركة استيراد، مسؤول يوزع الأراضي. هذه الطبقة لا تعيش من الإنتاج، بل من القرب من السلطة. والسلطة تحتاجها لتمويل نشاطها السياسي.
لذلك فإن السؤال البسيط من سيدفع في حملة التبرعات هو السؤال الأهم. الفلاح في أويل الذي لا يجد بذورا للموسم لن يدفع. المعلم في واو الذي لم يتقاض راتبه لشهور لن يدفع. العامل اليومي في سوق كونجو كونجو لن يدفع. من سيدفع هو ذلك المقاول الذي ينتظر عقدا جديدا، وذلك التاجر الذي يريد حماية لقطعة الأرض التي حصل عليها، وذلك المسؤول الذي يريد أن يثبت ولاءه لكي يحافظ على موقعه. التبرع هنا ليس دعما لفكرة، بل هو رسم للبقاء داخل شبكة المصالح. هو استثمار ينتظر صاحبه أن يسترده في شكل عقد أو ترقية أو حماية.
بهذا المعنى تتحول الحملة من عملية حزبية إلى عملية إعادة توزيع للمال العام الذي خرج من الباب كعقد حكومي وعاد من الشباك كتبرع حزبي. الحزب الذي كان يطلب من الناس أن يقدموا أبناءهم للقتال من أجل التحرير، أصبح يطلب من الأغنياء الجدد الذين صنعهم هو نفسه أن يعيدوا جزءا من المال لكي يستمر في الحكم.
شعار الحملة نفسه يقول الحقيقة دون قصد. نحشد قوتنا ونبني حزبنا ونؤمن مستقبلنا. مستقبل من؟ لو كان الحزب لا يزال حزب الفقراء لكان شعاره نحشد قوتنا لنبني المدارس أو لنوفر الدواء. لكن التركيز على بناء الحزب وتأمين مستقبله يكشف أن الحزب أصبح غاية في حد ذاته، كيانا منفصلا عن الناس الذين ادعى تمثيلهم. هو يريد أن يؤمن استمراره كجهاز يوزع الفرص والريع.
الانتخابات التي يجري الاستعداد لها في 2026 تأتي في هذا السياق. لا يوجد في جنوب السودان صراع حقيقي بين برامج اقتصادية مختلفة. كل القوى السياسية الكبرى تتفق على نفس النموذج القائم على النفط والمساعدات الخارجية والاستيراد. لذلك فإن الانتخابات لن تكون صراعا حول كيف ننتج، بل صراعا حول من يوزع ما هو موجود بالفعل. ومن يملك المال لتمويل الحملة هو من سيضمن لنفسه موقعا متقدما في طابور التوزيع القادم.
لهذا السبب تفقد الحملات الانتخابية معناها كأداة للتغيير. هي تتحول إلى آلية لإضفاء الشرعية على وضع قائم. تعطي للناس حق وضع ورقة في صندوق، بينما القرار الأهم حول أين تذهب أموال النفط قد اتخذ بعيدا عنهم. الحزب الذي فقد الكثير من رصيده الأخلاقي بعد الحرب الأهلية وما خلفته من جراح، لم يعد قادرا على حشد الناس بالخطاب الثوري القديم. لم يبق أمامه إلا المال كأداة للحشد.
في المحصلة ما يحدث في دار الحركة الشعبية بجوبا ليس مجرد جمع تبرعات. هو لحظة مكاشفة. حزب بدأ من الغابة مدعوما بعرق الفلاحين وفقرهم النبيل، يقف اليوم في عاصمة من الأكواخ الصفيحية ليطلب المال من طبقة كونها من ريع الدولة. هذه هي دورة السلطة والثروة في بلد لم ينجح حتى الآن في بناء اقتصاد ينتج شيئا. وحتى يبنى ذلك الاقتصاد المنتج، سيظل الحزب والدولة والثروة شيئا واحدا، وسيظل جمع التبرعات مجرد نقل للمال من جيب إلى جيب داخل نفس الدائرة الضيقة.
