كتاب “خمس سنوات في السودان” (2 – 2)
إيدوارد فوزرجيل Edward Fothergill
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
نُشِرَ كتاب البريطاني إيدوارد فوزرجيل “خمس سنوات في السودان Five Years in the Sudan” لأول مرة عام 1910م في بريطانيا. ثم أُعِيدَ نشره بنيويورك في العام التالي. وهذا وهو الجزء الثاني والأخير لترجمة بعض ما ورد ذكره في الكتاب من تلك الطبعة الأمريكية، مع قليل من التعليق.
المترجم
خصص المؤلف الفصل الخامس من كتابه لصيد الأفيال، وللقتال في منطقة “السدود”، وبدأ بوصف “بحر أبيض” الذي يجري بسرعة وعمق كقناة ضيقة في المنطقة الواقعة جنوب “التوفيقية” (ملكال الآن. المترجم)، وذلك بخلاف وضعه في مناطق الشمال. وكتب عما في المنطقة من قرى صغيرة متباعدة عن بعضها، وعن سكانها الذين يؤثرون العزلة عن بعضهم البعض. وذكر أن بهذه المنطقة أعداد لا بأس بها من حيوانات الصيد مثل الظباء وظباء الماء والغزلان ذات الأذان البيضاء، وفي بعض المواقع توجد أنواع نادرة من حيوانات الصيد. وذكر أنه لم يجد في منطقة السدود لحماً طازجاً يأكله سوى لحم فرس النهر، الذي كان قد أفلح (لحسن الحظ، كما قال) في اصطياده ذات مرة. واكتشف أن لحم ذلك الحيوان ليس سيئاً، رغم أنه عسير المضغ. غير أن الله عوضه عن لحم ذلك الحيوان الضخم عندما أفلح في اصطياد غزال واحد وسط مجموعة كبيرة من الغزلان، وفر له لحمها قدراً معقولا من اللحم الطري.
ولاحظ المؤلف كثرة الغزلان في منطقة “بحر الغزال”، التي لا بد أنها سميت بذلك الاسم لكثرة الغزلان فيها. ولاحظ أيضاً كثرة الْقِرَدَةِ الْعُلْيَا apes بها، ووصفها بأنها مخلوقات مخيفة المنظر، طولها قد يساوي طول البشر، ولكنها تحافظ دوماً على مسافة آمنة بينها وبينهم. وسمع الكاتب قصصا مرعبة عن مهاجمة تلك القرود للنساء عندما تسير الواحدة منهن بمفردها. وذكر المؤلف – بافتخار فيما يبدو – من أنه اصْطَادَ لأول مرة في حياته فيلا في بحر الغزال. وحكى في أكثر من ثلاث صفحات قصة اصطياده لذلك الفيل الذي كان يسير مع رفقيه على بعد نحو 50 ياردة من باخرته. وقال إنه اختار أضخمهما، وصوب بندقيته على دِمَاغِه، وكانت “ضربة حظ نادرة” إذ أن للفيل دماغ brain صغير كما ذكر (معلوم الآن للفيل أكبر دماغ من بين كل الثدييات البرية، إذ يزن دماغه نحو 5 كيلوجرامات. المترجم). وبمساعدة من كل من كانوا في معسكر الصيد، جُرَّ الفيل المقتول إلى خارج المستقنع الذي وقع فيه، واكتشف المؤلف أن له نابين بديعين (أورد المؤلف صورة لذلك الفيل وعلى ظهره وقف عشرة من الجنوبيين (ص 98). واستغرق استخراج هؤلاء الرجال للنابين وقتا طويلاً، وكانوا – فيما يبدو– يهتمون أكثر باستخراج لحم ذلك الحيوان. ووصف الصياد الإنجليزي الصراع والعراك الذي اشتعل بين أولئك الرجال حول اللحم (رغم وفرته) بأنه” تكالب ووحشية” لم يشهد مثلها في حياته من قبل، فقد كان منظرهم مفزعاً للغاية، وهي – بالنسبة له بالطبع – “دليل على الوحشية الكامنة في قلوب الناس. بل إنها تكاد تتعدى الوحشية؛ فقد كان فريق عملي يشبهون الوحوش الضارية (beasts of prey)، تملؤهم الدماء، وتُسكرهم شهوة الطمع؛ وقد كشفوا لي عن جوانب في طباعهم أثارت دهشتي وذهولي”. وذكر أيضاً بأنهم: “فقدوا في تلك اللحظات كل شعور بالأخوة الإنسانية (هكذا! المترجم)؛ فقد كانوا كالكلاب التي تتنازع على عظمة. فقد كان أحدهم يمسك بقطعة لحم مميزة ويستعد لقطعها، ولكن ما أن يراه زميل آخر، حتى يلقي بالقطعة التي كان يسعى للحصول عليها سابقاً، ويهوي بضربة قاطعة على تلك القطعة الأفضل التي بحوزة زميله. وأُصيب بسبب تلك الممارسات العنيفة كثيرون بجروح بليغة ولجأوا إليّ طلباً للعلاج في نهاية المطاف، ولكن لم يقع ذلك إلا بعد انقضاء اليوم وزوال أي احتمال لفقدان شيء من اللحم. ومع ذلك، فبمجرد أن غادر أولئك الرجال بقايا الفيل الممزقة، عادوا ليصبحوا – مثلما كانوا قبل تلك الواقعة الدموية – تلك الجماعة الضاحكة المعهودة، بل وأكثر سعادةً أيضاً وهم ينتظرونً الوليمة المرتقبة”(ص 98 – 99).
وفي جزء آخر من الكتاب تعرض الكاتب لموضوع “الخيانة الزوجية” التي “يبدو” أنها كانت أمرا شائعاًً في منطقة ذكر اسمها. وحكي قصة امرأة أقبلت على باخرته وهي تصرخ بأعلى صوتها وألقت بنفسها في الماء. كتب أن من حوله: “سارعوا بإنقاذها وأحضروها أمامي. قالت وهي تنتحب أنه لم يعد بمقدورها العيش مع زوجها، لذا قررت أن تنتحر”. همس “الشاويش” في أذن المؤلف بأنها كانت قد أسرت له بأنها ستعاود محاولة الانتحار بعد إطلاق سراحها. لقد غدت تلك المرأة هي “بطلة اللحظة”. وكتب المؤلف: “ولما كنت مشغولاً حينها بكثير من الأعمال فقذ قلت لها محذراً بأني لن أعاقبها هذه المرة، وسأطلق سراحها، ولكن إن حاولت الانتحار تارة اخرى فلن تجد من يساعدها”. وأمر الرجل من حوله – وهي تسمع لقوله – بعدم محاولة إنقاذها إن حاولت الانتحار مرة أخرى. غضبت المرأة لقوله، وأحست بالضيم وأنها لم تُعَامَلْ بالاحترام الذي يخيل إليها أنها تستحقه. وانسحبت من أمامه وآبت لزوجها وهي عابسة، ولم تعد لمحاولة الانتحار مرة أخرى. وذات مرة قدمت عليه امرأة تحمل معها كل “أملاكها في العالم”، وثلاثة أطفال، وقالت بأنها ترغب في البقاء في خدمته. وأخفقت كل المحاولات لإثنائها عن عزمها، واضطر الجنود لإبعادها بالقوة. وذكر المؤلف بأنه رآها بعد أشهر قليلة، ويبدو أنها غدت سعيدة وقانعة بعد أن نسيت مشاكلها القديمة (ص 102 – 103).
خصص الكاتب الفصل السادس من كتابه لمديرية بحر الغزال وسكانها. ولام البريطانيين على تجاهل استكشاف هذا الجزء من الجنوب. غير أنه ذكر ايضاً أنه: “لن تكون هناك أي ميزة فورية في التوغل داخل هذه المناطق؛ فجميع التقارير تشير إلى عدم وجود ما يستدعي مثل هذا الإجراء، فضلاً عن أن سكانها -على الأرجح – هم من القبائل المتوحشة. ولا تزال القبائل القاطنة في السهول الواقعة في الأجزاء الشمالية من منطقة بحر الغزال حذرة ومترددة حيال البريطانيين، إلا أن ثقتها في الحكومة ستزداد يوماً بعد يوم كلما أدركت أنها تنعم بالسلام سنةً تلو أخرى، وأنه لم يعد هناك من داعٍ للخوف من غارات تجار الرقيق. ولهذا، فإن إرسال حملة عسكرية مكلفة مالياً لن يحقق سوى ذات الغايات التي تتحقق بالفعل الآن عبر الوسائل السلمية”.
وكان الفرنسيون – بحسب زعم المؤلف – هم رواد نقل المدنية في المناطق الداخلية بجنوب بحر الغزال. وذكر المؤلف أن “سكان تلك المناطق كانوا قد نالوا معرفة أولية عن البيض وعن طرقهم في الإدارة قبل أن نتولى نحن حكمهم وإدارتهم”. غير ان الحكومة لم تكن حريصة على تغيير قوانين الأهالي في تلك المناطق، باعتبار أنهم ليسوا مستعدين بعد لذلك. وضرب مثالاً على تطبيق القضاة البريطانيين لقوانين الأهالي بسرده لقصة رجل سرق كمية من الذرة من جاره. وكانت العقوبة المعتادة لمثل ذلك الجرم هي القتل الفوري. وأنقذت السلطات ذلك اللص بصعوبة شديدة ليمثل أمام القائد العسكري البريطاني بالمنطقة (الذي كان معروفا بالتساهل تجاه جرائم “الأهالي”). غير أن القائد العسكري لم يتساهل مع ذلك اللص، وحكم عليه بما هو مُمَارَس عند سكان المنطقة، وأمر جنده قائلاً: “خُذوه بعيداً وأعدِموه رمياً بالرصاص عند الفجر، ولكن دعوه يحفر قبره أولاً، وإلا فقد نواجه مشكلة مع الضباع”. (ص 107).
وصف الكاتب بأن مثل تلك العقوبات المحلية هي عقوبات مُروِّعة بالفعل، ولكنها ستُزال تدريجياً. غير أنه من الضروري التحرك في هذا الاتجاه بتُّؤَدة إن أراد الحكم البريطاني كسب ثقة الأهالي الذين لا مفر من التعامل معهم. وأكد أيضاً أنه لم يشهد قط في طوال سنوات إقامته بالسودان أي حالة من القسوة المتعمدة من جانب رجل إنجليزي تجاه أي فرد من الأهالي؛ إذ تسود بينهم – على وجه العموم – علاقات طيبة للغاية، ويكنّ الأهالي احتراماً صادقاً للرجل الإنجليزي العادي. وزعم أن السودان بلد محظوظ نسبة لأن “السردار كتشنر” كان يدقق في اختيار حكام مديريات البلاد (وكانوا كلهم أو معظمهم في غضون السنوات القليلة الأولى للحكم الثنائي من ضباط الجيش. المترجم)، وكان يحرص على أن يبتعدوا عن العادات الضارة، خاصة السكر، إذ أن السودانيين – على وجه العموم – يحتقرون من يدمن على شرب المسكرات، التي زاد انتشارها مع زياد أعداد الأوربيين (خاصة الأغاريق) في البلاد.
وفي جزء آخر من هذا الفصل ذكر الكاتب في تعميم كاسح أن سكان شمال السودان يعتبرون سكان الجنوب “عرقاً أدنى مكانةً منهم”، بل يعدونهم “عبيدا”؛ بنفس القدر التي يعد بها المصريون السودانيين “عبيدا”. وزعم بأن الاعتقاد الأول قد يكون له بعض المبررات، بينما لا يجد أي مُسَوِّغ للاعتقاد الثاني. وفي رأيه أن “السوداني العادي” أكثر قدرة على التطور وأشد رغبة في استيعاب المعرفة، إذ أنه يتمتع بوفرة أكبر من المقدرات العقلية (هكذا! المترجم) من “المصري العادي” (ص 110). وأقر بأنه ليس في السودان الآن (أي في العقد الأول من القرن العشرين. المترجم) طبقة متعلمة أو أرستقراطية كما هو الحال في مصر ولكن مقارناته المذكورة تنطبق على الفئات الدنيا في المجتمعين!
ومن “طرائف” ما ذكره الكاتب في هذا الفصل (والفصل الذي يليه) قوله إنه ما من شيء يزعج أو يغضب الرجل السوداني أكثر من أن يُنعت بأنه امرأة. وضرب لذلك مثلاً بإرساله لعدد من الرجال في بحر الغزال لقطع أشجار كانت كثيرة الأشواك. وقام كل الرجال بما أمروا به بهمة عالية عدا رجل واحد تَشَكَّى له من أن الأشواك قد جرحت يداه، وأنه أصيب بالسهر والحمى من جراء ذلك. وهنا تدخل رئيس العمال وسأله إن كان بالفعل رجلاً أم أنه امرأة متخفية في زي رجل. وأمر المؤلف (الرَّحِيم) ذلك الرجل بغسل يديه وأخذ قسط من الراحة تحت ظل شجرة. وبعد ساعة أو نحوها وجد ذات الرجل المتشكي يعمل في قطع الأشجار الغزيرة الشوك بنشاط وهمة تفوق غيره من الرجال، ولم يعد للتشكي تارةً أخرى (ص 110 -111).
تناول الكاتب في الفصل التالي تجواله في منطقة السدود، وليس فيه ما يستحق الذكر هنا سوى توسعه في الكتابة عن عمليات إزالة الأعشاب التي تعيق الملاحة. وذكر أنه أصيب فيها بالزحار (الدوسنطاريا)، ولما لم يكن بالمنطقة أي رجل بريطاني له علاقة بالطب، فقد عالج نفسه بتناول المخللات وصلصة ورشستر (المكونة من توابل سائلة داكنة ومُخمَّرة، تتميز بمذاق مالح ولاذع ونكهة “أومامي” غنية. المترجم)، وغيرها من المواد التي لا تُهضم. واضطر للعودة لأم درمان، وذكر أن خادمه في أيام سكنه فيها لشهر كامل مع صديق بريطاني كان صبيا اسمه محمد، وصفه بإنه أفضل خادم (شمالي أو جنوبي) قابله في كل رحلاته، فقد كان مطيعا وينجز بهمة وسرعة كل ما يُطلب منه تحت كل الظروف. ولم ينس أن يذكر أنه سمع في تلك الأيام وهو بأم درمان بأن آخر خادم له عنما كان في منطقة السدود قد قُبِضَ عليه بتهمة سرقة بعض زجاجات الخمر في البيت الذي كان يقيم فيه، وقال بأنه أحس يومها بقدر هائل من الارْتِياح لذلك الخبر! وأنتقل بعد ذلك المؤلف للمستشفى (التي ذكر أنها كانت في عهد المهدية مقراً لحريم الخليفة)، وبقي فيها لشهر كامل، قبل أن يُنْقَلُ للقاهرة، حيث بقي تحت اشراف طبيب سوري. وبعد أسبوعين آب لبلاده قبيل عيد الميلاد، وترك خادمه “محمد” في عهدة طباخ أوروبي يعمل في إحدى كبرى فنادق القاهرة.
عاد المؤلف للسودان بعد قضاء ثلاثة أشهر في إنجلترا، وسافر بعد أيام قليلة في الخرطوم إلى منقلا بجنوب السودان، التي كان لمفتشها البريطاني (النقيب بورتون، الذي تقاعد من خدمة الجيش وعمل لاحقاً المدير العام لبريد مصر) باخرة مزودة بثلاثة مدافع، ورشاشين مكسيم، مع مدفعين عيار 12. وصارت تلك الباخرة سكناً للكاتب. غير أن تلك الباخرة لم تسلم هي الأخرى انتقاد المؤلف، إذ وصفها بـ “عدم الثبات”! وكانت مهمة المؤلف تتلخص في التنقل بالباخرة الحربية بين مختلف المحطات التي كان عليه تفقدها. وكان وجود تلك الباخرة الحربية قد أضفى طابعاً إضافياً من الهيبة والسلطة على تلك المحطة الحدودية الواقعة بين محطتي الكونغو في “كيرو” و”لادو”. ووصف الكاتب أيامه في تلك المحطة بأنها كانت “أسعد أيام حياته”، ولا غرو، فقد وجد فيها فرصة سانحة لاصطياد أعداد كبيرة من الحيوانات البرية. وأتى الكاتب علي سيرة الأمطار الغزيرة في تلك المنطقة، وقال بأنه يفضل الصيد تحت زخات المطر، إذ أن ذلك يذكره بالصيد في إنجلترا. وعلى سبيل المقارنة مع جنوب السودان (الذي لا تكاد الأمطار تتوقف فيه)، قال بأن المطر في الخرطوم يعطل كل شيء تقريباً، إذ يتوقف الناس عن العمل عند هطول المطر، ولا يُتَوَقَّعُ منهم أن يعملوا أصلاً.
وذكر المؤلف أن سكان منطقة منقلا هم من قبيلة “البيهري Behri” (التي يُشار إليها غالباً باسم “البلي” أو “جور بلي” https://shorturl.at/CUWkR)، ووصفهم بأنهم كُسالَى ونِحَاف الجسد (بل أضعف سكان السودان بنيةً جسدية)، وتبدو نسائهم غالباً في حالة بائسة من سوء التغذية؛ إلا أنهم مثل باقي سكان السودان الآخرين، قد يكون لهم مستقبل أفضل لو أمكنهم التخلص من تلك النزعة المحافظة (conservatism) التي تقضي بأن العمل لا يليق بالرجال. ويعيش سكان تلك المنطقة على صيد الأسماك بالحراب، وهي عملية تتطلب مهارة فائقة، غير أن مردودها من الأسماك قليل جدا.
وخصص الكاتب الفصل التاسع من كتابه للحديث عن المبشرين والإرساليات المسيحية. وذكر أنه في الفترة بين أول يوم لوصوله وبين عودته من منقلا، حدثت بعض التغييرات، منها هدم “قلعة فشودة” (التي شيدها الضابط الفرنسي Marchand. المترجم)، وبُنِيَ مكانها مبنى حديث يستخدم سكناً لمدير المديرية. وكادت الحمى أن تختفي من المدينة، ربما بسبب تجفيف بعض المستنقعات. وتعود أهالي المنطقة على استخدام العملة المعدنية، وأضاف ساخراً بما يفيد أن الصعوبة الآن تكمن في منعهم من سلب الآخرين من الكثير من تلك العملة (ص 177).
وكتب ما فحواه التالي: “لقد سخَّر المبشرون الكاثوليك كل جهدهم في إعطاء الأهالي بعض أساسيات الدين، وتعليمهم حرث الأرض والزراعة والبناء وطرق وأساليب العمل المنظم، وتركوا التوسع في التعليم الديني نفسه للأجيال القادمة. وحتى ذلك الحين، ظل التابعون لكنيسة إنجلترا المقيمون في البلاد – عن حق وصواب – يعيشون في الخرطوم. أما الحادثة الوحيدة المتعلقة بتعاليم هؤلاء المبشرين والتي يمكنني الحديث عنها، فهي واقعة قد لا يكون من الإنصاف تماماً ذكرها؛ ومع ذلك، فإنني أسوقها هنا مع كامل التحفظ، وأدع للقراء حرية الحكم فيما إذا كانت ناجمة عن تلك التعاليم أم أنها محض مصادفة. ففي وقت ما لم يكن يعمل معي أي خادم شخصي وأنا على وشك مغادرة الخرطوم لجنوب البلاد، فقال لي أحد المبشرين بالخرطوم بأنه سيبحث لي عن “ولد” قبل سفري، وإن أخفق في مسعاه، فسوف يرسل لي واحداً من خدمه ليعمل معي. وبالفعل وجدت في الباخرة أنه قد أرسل لي واحداً من خدمه. وما أن وقعت عليه عيناي حتى أحسست بأني لن أحبه. كان من طبقة الـ Uriah Heep، وكان يفعل دوماً أشياءً تثير أعصابي فأوبخه عليها، ولكنه ينظر إلي وكأنه “شهيد مجروح”، وقد يبتعد عني والدموع تتساقط من عينيه، دون أن يفسر لي سبب ما قام بفعله. وكنت أعرف تماماً مقدار ما أستهلكه أسبوعياً من مواد غذائية وشاي، ولكني لاحظت أيضاً أن ما هو موجود بمسكني من مواد غذائية تختفي باستمرار وبسرعة شديدة، وأنه يحاسبني على ما يشتريه من لحم بما قيمته ثمن خروف كامل، وعندما أسال ذلك الخادم عن السر في ذلك يكتفي بالبكاء ويبتعد عني في صمت! وذات يوم ضقت ذرعاً به وأمسكت بخناقه وهززته هزاً حتى أعترف في برود شديد بجرمه، بعد أن كذب في البداية، وأقر بأنه كان يبيع ما عندي من مواد لبعض العاملين بالباخرة. ولم أجد من مفر سوى أن أتركه مع العاملين في مصلحة حكومية على الشاطئ. أعلم أن السرقة كانت شائعة، لم أكن لأبالي كثيراً لو أنه واجه الأمر بوقاحةٍ وصلفٍ مثل أي لصٍ آخر في البلاد، لكنني لم أطق ذلك المظهر الذي يوحي بالبراءة المظلومة التي كان يقابل بها كل اتهاماتي له؛ فقد أحسست وكأنني شرير آثِم يوجه الاتهام إلى قديس طاهر”. عَتَبَ المؤلف على “كنيسة إنجلترا” في معاملتها (المتسامحة بحسب رأي المؤلف. المترجم) مع الأهالي، ووضعها بسهولة الناس جميعاً على قدم المساواة، حتى وإن كان من بينهم بعض المذنبين. وأشاد المؤلف بالإرسالية الأمريكية التي اتخذت من نهر السوباط مقراُ لها. وأثني على الرجال والنساء الذين ظلت تلك الإرسالية تبعث بهم عاماً بعد عام، غير أنه أكد على معارضته المبدئية لطرقهم في تحقيق أهداف التبشير الذي كانوا يقومون به، بل ويؤمن بأن طرقهم لتحقيق أهدافهم خاطئة تماماً، بل قد تضر بالبلاد! وذكر الكاتب ما يفيد بأن “الأسلوب الذي يفسدون (أو يدللون/ يدلعون spoil) به الأهالي من شأنه أن يجعل مهمة الحكومة – المتمثلة في ضمان خضوع جميع قبائل السودان طواعيةً وبإجماع تام – أشد عسراً مما هي عليه بطبيعتها أصلاً. وإن التشكيك في هذه الأساليب يعني إثارة جدالات شائكة تعود لقرون مضت حول مبادئ الأخوة المسيحية، وعلاقة الأخوة التي تجمع الرجل الأبيض بالرجل الأسود. وأنا أطرح هذا الأمر لقناعتي بمبرراته؛ فالمعاملة التفضيلية التي يحظى بها الرجل الأسود هنا – والتي تتناقض تماماً مع ما يلقاه على أيدي المبشرين الكاثوليك في البلد نفسه – تُعد ظلماً لجميع الأطراف المعنية، وخاصةً للرجل من الأهالي المخدوع الذي يجري إعداده تدريجياً للاعتقاد بأنه مساوٍ للرجل الأبيض، بل وأنه يستحق امتيازات لا يمكن للرجل الأبيض نفسه الحصول عليها. وخلاصة القول في هذا الجانب هو أن هؤلاء المبشرين الأمريكيين يفسدون (يدلعون) الأهالي، وأني أعتقد أن هذا عمل يقارب الأعمال الإجرامية، ولا أستطيع أن أفهم سلبية ولامُبَالاة حكومة السودان التي تسمح بمثل هذا العمل المضر. لقد زرت الإرسالية الأمريكية في نهر السوباط في رفقة سيدات (بيض بالطبع، المترجم)، وكان علينا أن ندخل عبر بوابة الإرسالية فوق أجساد السكان الأصليين العراة تماماً والممددين على السلالم، دون أن يُزعجهم أحد أو يوقظهم. لقد جلستُ إلى المائدة داخل الإرسالية بينما كانت صفوف من الرؤوس السوداء تشرئب بأعناقها لمتابعة ما يجري؛ واستمعتُ إلى عبارات الثناء التي كان يطلقها المضيفون الأمريكيون – وهم مخطئون في تقديرهم – إذ كانوا يشيرون إلى هؤلاء الأهالي المتفرجين بفخر، معتبرين إياهم دليلاً على الثقة التي يكنّونها لمعلّميهم. فما الذي يأملون تحقيقه مع عرقٍ متوحش (savage race) كهذا، إن هم أفسدوهم عمداً منذ البداية؟ ومتى ينوون غرس قيمة الاحترام الواجب للمرأة البيضاء – إن لم يكن للرجل الأبيض – في نفوسهم؟ إن الأهالي الذين يقعون تحت تأثير هذه الإرسالية لا يجنون سوى القليل من النفع، في حين يلحق بهم قدرٌ هائل من الضرر. وارتكبت الإرسالية الأميركية خطأ آخر عندما قامت (لغرض تدريب بعض رجال الأهالي كي يغدوا أعضاء مفيدين للمجتمع) بجلبها لهم بيوتاً جاهزة من الخشب من أمريكا أو مكان آخر، بينما كان الأجدى هو تدريبهم على بناء منازلهم بأنفسهم بالطوب الأحمر”.
غير أن “إفساد (تدليل) الأهالي لا يقتصر على المبشرين الأمريكيين وحدهم، فحكومة السودان هي من تتحمل الوزر الأكبر لسماحها بارتكاب الآخرين مثل تلك الأخطاء أمام ناظريها. ولعل حكومة السودان ليست هي الحكومة الوحيدة في العالم التي تعوزها الشجاعة الكافية، وتخشى عواقب إثارة الرأي العام عالمياً في أمر كهذا” (ص 181- 185).
