د. صلاح أحمد الحبو
ثمة أفكار لا تستمد قوتها من صحتها بقدر ما تستمدها من طول إقامتها في الوعي. ومن أكثر الأفكار رسوخاً في المخيال السوداني فكرة «المركز والهامش»، التي بدأت بوصفٍ لعلاقات سياسية واقتصادية واجتماعية، ثم انتهت إلى ما يشبه القانون الجغرافي: الخرطوم مركز، وما عداها هامش؛ من يسكن قلب الخريطة قريب من الدولة، ومن يسكن أطرافها بعيد عنها.
لكن ماذا لو أعدنا رسم الخريطة؟
ماذا لو كانت العاصمة في حلفا، أو كسلا، أو كاودا، أو الجنينة؟ هل كان الهامش سيختفي، أم كان سينتقل إلى مكان آخر؟ وإذا انتقل، ألا يعني ذلك أن المشكلة لم تكن في المكان بقدر ما كانت في الطريقة التي صاغ بها المكانُ علاقتَه بالسلطة؟
هنا يصبح السؤال الجغرافي سؤالاً فلسفياً. فالخريطة لا تحكم بذاتها، وإنما السلطة هي التي تمنحها دلالتها السياسية. لو كانت العاصمة في حلفا، لأصبحت دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وفق منطق المسافة، أطرافاً أبعد. ولو كانت في كاودا، لأصبح الشمال والشرق والوسط مناطق أبعد عن مركز القرار. ولو كانت في كسلا، لتبدلت هندسة القرب والبعد. وهكذا يمكن للهامش، الذي نتصوره ثابتاً على الخريطة، أن يتسع أو يضيق بمجرد تحريك نقطة واحدة.
المفارقة أن السودان ربما ظل يخلط بين مركز الخريطة ومركز الدولة. فالمركز الجغرافي نقطة، أما المركز السياسي فعلاقة، والمركز الاقتصادي شبكة، والمركز الاجتماعي منظومة امتياز، والمركز الرمزي قدرة على تعريف من يتحدث باسم الوطن ومن يقف خارجه.
لذلك فإن نقل العاصمة لا ينقل السلطة بالضرورة. يمكنك أن تحمل الخرطوم إلى حلفا أو كسلا أو كاودا، ثم تكتشف أن المركز أعاد إنتاج نفسه في المكان الجديد. فالسلطة ليست مبنىً ولا عنواناً بريدياً؛ إنها قدرة على اتخاذ القرار، وتوزيع الموارد، وصناعة القانون، وإنتاج الاعتراف. ومن يملك هذه القدرة يستطيع أن يصنع مركزه حيثما وجد.
لهذا أيضاً لا يكون الهامش دائماً مكاناً؛ قد يكون وضعاً سياسياً. قد يسكن الإنسان قرب القصر ولا يملك القرار، وقد يعيش بعيداً آلاف الكيلومترات لكنه متصل بشبكات المال والنفوذ وصناعة القرار. وقد تكون مدينة في أقصى الجغرافيا أقرب إلى الدولة من مدينة تقع في قلب العاصمة.
ومن هنا تصبح مراجعة مفهوم المركز والهامش مراجعة للخيال السياسي نفسه. فقد جمع بعض المفكرين والباحثين والسياسيين أفكاراً وعبارات ومفاهيم من مدارس متعددة، ثم أُسقطت على الجغرافيا السودانية، فتحولت بعض القراءات الجزئية إلى يقين شامل، وأصبح المكان أحياناً متهماً قبل أن يبدأ التحقيق.
الخرطوم صارت «مركزاً»، والآخرون «هامشاً»، وكأن المصطلحين قادران وحدهما على تفسير التاريخ السوداني. لكن الخرطوم نفسها ليست كتلة واحدة؛ فيها مراكز وهوامش، كما أن داخل الأقاليم مراكز وهوامش. المركز يمكن أن يسكن داخل الهامش، والهامش يمكن أن يسكن داخل المركز.
ولذلك فإن افتراض كاودا عاصمة للسودان يحمل مفارقة كاشفة. كاودا ليست مجرد نقطة جغرافية؛ إنها في المخيال السياسي السوداني مكان للصراع والمقاومة والشعور بالإقصاء. فإذا أصبحت عاصمة، هل يصبح سكان الخرطوم هامشاً؟ هل يصبح الشمال بعيداً؟ وهل يؤدي تغيير الموقع وحده إلى تغيير علاقة الدولة بالمواطن؟
غالباً لا. لأننا حين نغير موقع العاصمة قد نغير مسرح التاريخ، لا شروطه.
لكن ماذا لو تجاوزنا السؤال كله؟ ماذا لو لم نبحث عن مدينة تنتصر على المدن، وإنما عن نظام لا يجعل مدينة واحدة مركزاً أبدياً؟
هنا يمكن أن نتخيل سوداناً جديداً، مستقراً بعد الحرب، اتفق فيه السودانيون على التداول السلمي للسلطة، وأضافوا إليه مبدأ أكثر جرأة: التداول السلمي للعاصمة.
ينص الدستور، في هذا الخيال، على أن العاصمة السياسية تتداول بين المدن وفق جدول محدد مسبقاً، متزامناً مع الدورات الانتخابية. تكون دورة 2026–2030، مثلاً، عاصمتها كسلا. تعرف الأحزاب ذلك قبل الانتخابات، فتضع برامجها على ضوء الجغرافيا السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدورة: الشرق، موانئه، حدوده، موارده، ثقافته، تنميته، وعلاقته ببقية السودان.
ثم تأتي دورة 2030–2034، عاصمتها الأبيض. فتجد كردفان نفسها في قلب البرنامج الوطني لا على هامشه؛ الزراعة والثروة الحيوانية والطرق والأسواق وسلاسل القيمة والتنمية الريفية والحضرية تصبح قضايا انتخابية مركزية.
ثم تأتي دورة أخرى في كاودا، أو دنقلا، أو الجنينة، أو بورتسودان، وفق معايير دستورية معلومة مسبقاً.
عندها لا يعود على الإقليم أن ينتظر أن تأتيه الدولة؛ الدولة هي التي تأتي إليه.
وهنا يتحول تداول العاصمة من فكرة إدارية إلى فلسفة للحكم. فالحزب الذي يريد السلطة يعرف مسبقاً أن عليه أن يخاطب السودان كله، وأن المركز الذي يسعى إلى إدارته ليس ثابتاً. وحين تكون كسلا عاصمة، يصبح الشرق امتحاناً للبرنامج السياسي؛ وحين تكون الأبيض عاصمة، تصبح كردفان امتحاناً آخر؛ وحين تكون كاودا عاصمة، يصبح السؤال عن العدالة والسلام وإعادة بناء الدولة حاضراً في قلب المشهد، لا في هامشه.
وبذلك ينتقل التنافس من الصراع على احتلال المركز إلى التنافس على إدارة الوطن.
وليس المقصود أن تتحول مؤسسات الدولة إلى أمتعة تنتقل كل أربع سنوات، بل أن تكون هناك عاصمة سياسية دورية، مع توزيع مؤسسي مستقر للمؤسسات الاتحادية وفق تصور دستوري واضح. المقصود هو كسر احتكار المكان للمعنى السياسي للدولة.
فحين تتحرك العاصمة، تفقد قدسيتها. وحين يستضيف الهامش الدولة، تتراجع صفة الهامش. وحين يصبح المركز قابلاً للتداول، تتحول الجغرافيا من قدر سياسي إلى فضاء وطني.
ربما ليست المشكلة أن الخرطوم كانت في المكان الخطأ، ولا أن مدينة أخرى ينبغي أن تحل محلها. المشكلة أن مكاناً واحداً حمل، لعقود، أكثر مما ينبغي أن يحمله مكان: السلطة والمال والرمز والإدارة والإعلام والفرص والاعتراف. وحين تتجمع هذه كلها في مكان، تتحول المدينة إلى مركز، والمركز إلى امتياز، والامتياز إلى صراع.
أما إذا أصبح المركز متداولاً، فإن المدينة تعود إلى طبيعتها: مدينة اليوم، وعاصمة الغد، ومكاناً من أماكن السودان، لا السودان كله.
وعندها يمكن أن نغادر سؤال «المركز والهامش» إلى سؤال أكثر عدلاً: كيف نجعل السودان كله مركزاً، من دون أن نحتاج إلى مركز واحد؟
قد يبدو «التداول السلمي للعاصمة» اليوم خيالاً سياسياً. لكن كل مؤسسة كانت ذات يوم خيالاً قبل أن تصبح قاعدة.
وربما لا يحتاج السودان، بعد كل ما دفعه من ثمن، إلى خيال أكثر جرأة من أن نتعلم كيف نتداول السلطة دون رصاصة، ونتداول العاصمة دون معركة؛ وأن نترك لكل مدينة فرصة أن تقول ذات يوم:
اليوم نحن قلب السودان.
ثم يأتي الغد لمدينة أخرى.
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
