شَذَرَات مِنْ تَاريخ وتُراث المَقَل والحِجِيْر
مُؤانسة مَع العَم أحمد الفَضُل
تحرير عادل سيد أحمد
مُوسِم التمر:
في الماضي كان يتم قفيز (تلقيح) التمر في شهري نوفمبر وديسمبر، وهناك أناس مختصين يطلعوا النخلة ويلقحوه تلقيحاً.
هذا التلقيح كان يتم دائماً بواسطة الأولاد، ففي بيتنا، مثلاً، كان إخواننا الكبار هم من يلقح البلح، لكن في السنين الأخيرة بدأ يدخل أناس آخرين كالعرب.
وكان القفَّاز يلقح البلحة ويتابعها إذا كانت قد جَبَّدت (أخرجت الطلع) للمرة الأولى وفتحت وقبل أن تصير بيضاء فيلحقها ويقفز الجزء الفاتح منها. وفي المرة الثانية والمرة الثالثة يطلعوا فيها، يعني كان هناك (نظام) يعني. كل مرة، وبعد مدة وأخري، يطلع ليتأكد ما إذا كان هناك طلع جديد.
ولكل ناس نخل ضكر (ذكر)، وهذا الذكر هو الذي يطلعوا منه القفوز اللازم للتلقيح، ويستمر البلح في النمو في مراحل حتى يجيء ميقات حصاده:
- الدفِّيق: وهو ظهور الثمر في شكل حبيبات خضراء.
- يكبر الدفيق قليلاً ويحمل الماء المُر.
- الهَرُود: يتساقط ويجمع ويؤكل وله طعم لذيذ.
- بعد ذلك يصفَر البلح ويسمى الصُفُوري.
- ثم يُبقِّع وتظهر علامات النضوج في رأسها وتصير حلوة الطعم.
- ثم ينضج رأس الثمرة فتسمى (بالبلحة أم راس) وهي حلوة جداً.
- تنضج الثمرة إلى النصف، وتؤكل في هذه المرحلة مع القهوة كأجمل ما يكون.
- يكتمل النضوج فيتم الحصاد.
وحصاد البلح يكون في دائماً الخريف. في شهر سبتمبر. وقبل شهر سبتمبر يبتدئ ينضج. قبل نضوج البلح وقبل أن يقطعوه يكون هناك ما يُسمى بتمر الهبوب. والله كنت أرى في تمر الهبوب تكافلاً عظيماً. هناك أناس موجودون في البلد ليس عندهم بلح، ولا نخل مع أنهم مواطنين ومعروفين.
الناس تنهض باكراً قبل صلاة الصبح أو مع صلاة الصبح، وينزل الشباب عند النخل حيث البلح يتساقط بسبب الأهوية والخريف، ولا تفرز حقك من حق غيرك ولا شيء من ذلك بل يُلقط التمر من أي ناحية ويجمع ويسمى (تمر الهَبُوب). حتى الناس الذين ليس لديهم بلح، فمن تمر الهبوب يعملوا جوالات، كم جوال! ويبيعوها فتفيدهم في الحصول على المال.
وأنا أفتكر إن ما كان في ذلك الزمان كان تكافلاً عظيماً جداً، لكن الآن صارت هذه الحكاية مختلفة وتغيرت بحيث صار كل شخص يحرص على حقه من البلح. وأنا لا أعيش في هذه الأيام هناك.
عندما ينضح التمر يقرر، كل الناس، أن ينزلوا لحش البلح. وكنا نحصد البلح في ساقية ود بلول حيث لدينا بلحاً كثيراً هناك. وعندنا بلح في ساقية ود فحل، وفي ساقية ود الفكي، وفي المسيد، لكن الغالبية كانت عندنا نحن في ساقية ود بَلُول.
وكان يصحى الناس باكراً ناس أُمِّي وأبُونا (رحمهم الله) وإخواننا، وأمي تَعُوس (تخبز) الحَرِف (قِرصٌ مخبوز من القمح) بالتمر، حرف التمر اللذيذ ذاك ويدهنوه بالسمن، ويربطوه في مناديل، ويشربوا معه الشاي في البيت بدري ثم ينزل كل الناس الرجال الكبار آباؤنا وينزل إخواننا، وعماتنا وخالاتنا تحت إلى الى حيثُ البلح. وهناك يقوم إخوانا الكبار، الذين كانوا قد قفزوا البلح، يطلعوا أشجار النخيل ويقطعوا السبيط، وأول سبيطة هي للقفَّاز، الآن صارت الحكاية غير ذلك، حيث صار القفاز يأخذ نصف المحصول.
يقطع القفاز أحسن سبيطة ويلموها له بعيداً فهي حقه. ثم بعد ذلك يقطع البلح ويرميه فيقوم اللقَّاطُون، وهم النساء كلهم أو معظمهم نساء، يلقطوا هذا البلح ويجمعوه، ثم يخرتوا (يخرطوا) البلح في قُفَاف ثم يقوم الآباء بتعبئته في جوالات. بعدين يبتدئوا يحملوه في الجمال أو الحميرـ لينقلوا البلح للبيوت فوق ويشر في حوش خاص اسمه (حوش التمر) ليجف هناك.
هذا هو حصاد البلح وهذا هو موسم الحصاد، طبعاً يظلوا هناك حتى الليل لا يغادرون.
في مثل هذا الوقت يجيء أناس جائلين. بعضهم يقولون إنهم يريدون أن يحصدوا بلح السيد علي. أي شخص في البلد عنده نخلها وهبها للسيد علي. يقول لك: - هذه مِلك السيد علي.
وقد كان عندنا نخلة قبيحة لا أعرف أصلها، ولا تشيل ثمر كثير يسمونها تمرة الأسياد.
بعد كل هذه الأشياء الجميلة تجيء بائعات التُّرمُس. وكانت هناك امرأة ادعى (بت فنك الحلبية) كانت تجيء وهي تحمل (قفتها) وهي مليئة بالتُرمُس، وتقول لي: - لك قَدرُو بقدره، وواحد بإتنين.
وتعني أنك إذا ملأت لها طاسة من البلح البركاوي فستعطيك طاسة من الترمس، أما أذا كانت طاستين من الجَّاوْ، والجَّاوْ يكون دائماً علفاً للبهائم، فتعطيك طاسة من الترمس بالمقابل.
والناس عادة يأكلون الترمس مع البلح، وهو شيءٌ لذيذ جداً.
ثم إن فائدة النخل الاقتصادية لا تقف عند إنها تنتج بلح وفقط، فالنخلة يستفاد منها من كل أجزاء جسمها.
أولاً من قلبها، فتأخذ النسوة جزءاً منه وليس كله، ويأخذن الجريد من كل ناحية، فينسجنه ويصنعن منه البروش، والبرش كان يستعمل بديلاً للمراتب واللِّحَافَات في فرش الأَسِّرة والعناقريب. والبرش يستعمل في المناسبات، عندما تكون هناك كرامة أو احتفال الناس يفرشوه عندها. والبرش يفرش سجاجيد في الجامع، يعني كل مساحة المصلي في الجوامع تكون مفروشة بالبروش. البرش أيضاً يصنعه منه فرش مُلوَّن للعريس.
ثانياً الجريد، يستعملوه في عرش البيوت. فتكون البيوت كلها معروشة من الجريد. يرص هذا الجريد ويضعوا تحته الفِلَق، والفلق هي قطع من ساق النخلة ذاته، يشققوه إلى قطع كبيرة ويصنعوا منه الفلقة. والفلق يُوضع في سقف البيت، يضعوا الفلق ثم فوقها الجريد ليسقفُوا البيوت.
أيضاً يؤخذ جريد النخل، فيدقوه ويصنعوا منه حبالاً ليربطوا أجزاء الساقية بعضها ببعض.
ثالثاً الأشميق. والأشميق هذا يقلعوه من وسط الجريد (من القلب)، ويفتلوا منه حبالاً. هذه الحبال (حبال الأشميق) قوية جداً، يربطوا بها الأغنام، يربطوا بها أيضاً الحمير والأبقار.
الحبل مهم جداً، يستعملوه في البيوت، يستعملوه للمشلعيب . وأيضاً لنساجة العناقريب .
وحبل الأشميق هذا حبل جميل جداً، وقوي جداً، ويعني هناك أناس يشتغلون في صناعته ويذهبوا فيبيعوه في السوق، ويكون اقتصادهم كله إنهم يفتلون حبل الأشميق وأيضاً حبل الجريد.
وحبال الساقية كلها من جريد النخل.
رابعاً العرجون. العرجون هي الشبكة التي تحمل ثمار البلح، بعد أن يخرط منها البلح يدقوها ويفتلوا منها حبال، أيضاً هي حبال قوية جداً. وهناك جزء من الساقية يسمى (اللَّواوِير)، فيربطوها بهذه الحبال.
يعني النخلة فيها الشيء الكثير، وفيها فوائد جمَّة يعني. وقد ذكرت كثيراً في القرآن الكريم، طبعاً ولها وضعها الخاص يعني.
والبلح ذاته أنواع. فهناك البركاوي، وهو غالبية الإنتاج عندنا فكل الناس ينتجون البركاوي بكثرة، لأن البركاوي يعتبر مجزي ويُباع بسهولة أكثر.
هناك أيضاً التَّمُودَة، والقُنْدِيْلَة. ونعتبر التَّمُودَة أرقى الأنواع، بلح أكل، وتجيء بعدها القُنْدِيْلَة.
وعلى ذكر (التمودة) في مرة، وأنا طفلٌ صغير جداً، رأيت عند درب التُّرُك رجلاً يلبس ملابس بسيطة جداً، ومعه امرأتين بسيطتين أيضاً، وطلع هذا الرجل فوق اللَّور (كبري صغير من فلق النخل تمر من تحته المياه) في ساقية صالح، ونط أمام هاتين المرأتين، وغني وقال:
التمودة الفوق جدولها
جيتَ أمد إيدي أتناولها
الحراريس قالوا لي لا
انت فقري وما بتقدرا
سيبا لي سيد المقدرة
بعدها عرفت إن هذا الشخص كان ذاهباً لناس ود إبراهيم ليطلب العرسان لهاتين البنتين، أو هو يريد الزواج من إداهن لا أدري! وقد قدموا من قرية البخيت.
وقال الابن (خليفة عثمان) عندما كان طالباً في الجامعة في رسالة لوالديه يسألهم فيها عن البلح، قال لهم:
مادِلَّة ما حصل التمر دا
بعض السبيط عشرة
والبعض فات عشرين
موسم فرحنا يتم
بالله قول امين
ما تمحقوا المطرة
بعد البحر والعين
عشان إنتو تنجموا
وبعدين تكونوا مبسوطين
يمشوا الكبار للحج
ويعرسوا العازبين
وأنا ألاحظ، في سوق أم درمان، أن التَّمُودَة قليلة، التَّمُودَة السمحة الحلوة الصفراء التي تلمع عندما تنظر إليها لا تجدها كثيرة. لكن الناس يعتمدون على القُنْدِيْلَة، لأن القُنْدِيْلَة طعمها أو سكرها قليل. بعدها يأتي الجَّاوْ. والجَّاوْ هذا يقوم بروس (أي ينبت لوحده). وفي مرات يحصدوه، وفي مراتٍ أخرى لا يحصدوه.
وفي الصيف، بعد أن الناس تنتهي المواسم ويصبح لا شيء هناك، نمشي ونلعب فوق البحر، ثم نجيء فنجد نخلات فيها البلح، فنرمي عليها الحجارة ونلقط منها البلح.
وهكذا، فإن للنخلة فوائد لا حدود لها. لذلك هي شيءٌ عظيم، من أعظم جنس الأشجار.
هناك صفات جميلة جداً، عند أهلنا في البلد كنت شاهداً عليها وكلموني عن بعضها، بلحنا كله زرعه جدي لأنه كان زارع نخل كثير جداً أكثر من نخل إخوانه، زرع أرضه كلها. قالوا: عندما يحفر الأرض ليزرع شتلة، وقد كانت رجله مقطوعة لكنه كان رجلاً عملياً، يقول للغاشي والماشي، للجوعان وللدلَّاع (المستهبل)، وأنا لا أعرف أين هو الدلَّاع الآن، وللسرَّاق، كلهم، عافي لهم ليأخذوا منها، مما يعنى إن كل تمره هذا وقفٌ لله.
وأنا رأيت الناس أيام حصاد البلح، يجيء أناس مساكين مَارُّون طوالي فيعطوهم على الفور، لذلك الحياة كان فيها لمسة تكافلية وكانت حياة سمحة.
كافوتة هذه، وأنا متأكد إن معظم مناطقها كانت بهذا المستوى العلاقات كانت حميمة، والقوي يساعد الضعيف.
يعني نحن شاهدنا أشياء جميلة، لم نلحظ غنياً ولم نرّ شخص فقير، حتى من يملكون بيوتهم مفتوحة للآخرين. وعندما كنا صغاراً كان يمكننا أن ندخل في أي بيت ونأكل في أي بيت بدون أي حرج أو وجل.
لذلك فإن كَافُوتة أمان فعلاً، وهي تلي المدينة المنورة مباشرةً، وأنا سأجيئ لها فنتكلم عن الأمن والحياة في كافوتة.
