مناظير الثلاثاء 15 سبتمبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- تناولتُ امس في مقال تحت عنوان «ساهلة يا رشيدة» الرسالة الصوتية للدكتور ياسر حنفي، رئيس قسم الجراحة بكلية الطب جامعة الخرطوم، التي هدد فيها طلاب الدفعة 96 (خامسة طب) بالرسوب إذا لم يجلسوا للامتحان، ثم أغراهم بامتحان «ساهل» يمكن أن تنجح فيه «رشيدة ست الشاى» و«الغنماية الماشة في الشارع»، وانتقدتُ اسلوب التهديد والترغيب لارغام الطلاب واسرهم على العودة الى الخرطوم انطلاقا من موقف سياسي معين لا علاقة له بالمسائل الأكاديمية والقوانين واللوائح المعمول بها في جامعة الخرطوم، كما قرأتُ تعليقا للدكتور محمد أمين صديق الاستاذ بكلية العلوم بالجامعة ينتقد فيه حديث الدكتور حنفي ويوضح بعض النقاط المتعلقة بالقوانين واللوائح مما يدعوني لاستكمال حديثي اليوم مبتدئا بالسؤال الذي وضعته عنوانا لهذا المقال: «من يملك القرار في جامعة الخرطوم»؟!
- يقول د. ياسر في التسجيل إن من لا يدخل الامتحان سيحصل على F(رسوب)، وإن هذه الدرجة ستظل في سجله حتى يموت، وإن مجلس العمداء أصدر قراراً بعقد الامتحانات ولا مجال لمناقشته.
- إذا عدنا الى قانون جامعة الخرطوم لسنة 1995، يتضح لنا بما لا يدعو مجالا للشك انه لا يجعل رئيس القسم أو حتى مجلس الكلية صاحب القرار النهائي في الشؤون الأكاديمية. فالقانون ينص على أن مجلس الأساتذة يتولى «التنظيم العام لبرامج الدراسة بالجامعة والامتحانات» التي تُعقد وفقاً للنظم الأساسية، كما ينص على أن مجلس الكلية يضع الخطط والبرامج المتعلقة بتنفيذ مناهج الدراسة والامتحانات، ثم يرفع توصياته إلى مجلس الأساتذة، وهذا مهم جداً في الأزمة الحالية.
- فمجلس الكلية، وفق القانون، ينسق تنفيذ المناهج والامتحانات بين الأقسام، لكنه يرفع توصياته إلى مجلس الأساتذة، أما أن يصبح قرار عقد الامتحان، أو عدم عقده، قراراً نهائياً لا يُناقش، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى سند واضح من القانون واللوائح.
- والأهم أن اللائحة الأكاديمية لدرجة البكالوريوس لسنة 2016، التي أجيزت في اجتماع مجلس الأساتذة رقم 417 في مارس 2018، صادرة أصلاً من مجلس الأساتذة استناداً إلى قانون الجامعة.
- وتنص اللائحة على أن منح درجة البكالوريوس مرتبط بالنجاح في جميع المقررات المطلوبة واستيفاء متطلبات التخرج، كما تنص على وجود امتحانات نهائية وامتحانات بديلة وملاحق لإزالة الرسوب.
- بل إن اللائحة نفسها تقول إنه «إذا حدثت ظروف طارئة تستدعي رفع اللائحة جزئياً أو كلياً، يُرفع الأمر إلى مجلس الأساتذة ليقرر بشأنه»، وهذه المادة بالذات تكتسب أهمية كبيرة في ظروف الحرب الحالية، لأن الأزمة ليست ظروفاً عادية، والطلاب الذين يعيشون خارج السودان لا يواجهون مجرد رغبة في عدم حضور الامتحان، وإنما ظروف سفر وأمن وإقامة ودراسة وحياة مختلفة تماماً.
- لذلك فإن القضية ليست خلافا سياسيا مع دكتور ياسر او ان كلامه لا يعجبنا، وانما هى: هل جرى اتخاذ قرار الامتحانات وفق التسلسل الأكاديمي والقانوني الصحيح، وهل كان مجلس الأساتذة طرفاً في القرار، وهل رفع مجلس الكلية توصية الى مجلس الجامعة، ومن الذي يملك قانوناً إصدار القرار النهائي؟!
- ثم هناك سؤال آخر: إذا كان ثلاثة من رؤساء الأقسام، كما يقول د. محمد أمين، قد أبلغوا الطلاب بعدم إمكانية عقد الامتحانات وفق الجدول المعلن، فكيف انتقل الأمر بعد ذلك إلى تهديد الطلاب بالرسوب بسبب عدم الحضور، وهل أُبلغ الطلاب بقرار نهائي واضح صادر من الجهة المختصة، أم أنهم وجدوا أنفسهم أمام قرارات متضاربة؟!
- أما قول د. ياسر إن مجلس العمداء هو «أكبر مجلس تنفيذي في السودان» وإن قراراته لا تناقش، فيحتاج هو الآخر إلى مراجعة النصوص. القانون المنشور لجامعة الخرطوم يحدد بوضوح اختصاصات مجلس الجامعة ومجلس الأساتذة ومجالس الكليات ورؤساء الأقسام، ولا يظهر في المواد التي اطلعتُ عليها ما يجعل رئيس قسم الجراحة صاحب سلطة منفردة على مستقبل طلاب كلية الطب.
- جامعة الخرطوم ليست شركة خاصة، ولا يمكن أن تُدار شؤونها الأكاديمية بمنطق «أنا قررت وانتهى الأمر»، الجامعة مؤسسة لها قانون ولوائح ومجالس واختصاصات محددة، وإذا كانت هذه المجالس قد أصبحت معطلة أو جرى تجاوزها، فالمشكلة أكبر بكثير من امتحان دفعة من الطلاب.
- نحن لا ندافع عن طالب لا يريد الجلوس للامتحان، ولا عن أستاذ يريد تعطيل الدراسة، نحن ندافع عن قاعدة بسيطة: الامتحان قرار أكاديمي، والرسوب قرار أكاديمي، ومنح الدرجة العلمية قرار أكاديمي، وكل ذلك يجب أن يتم وفق القانون واللوائح، لا وفق قوة الصوت أو التهديد أو الأمر الواقع.
- لهذا فإن السؤال الذي يجب أن تجيب عنه إدارة جامعة الخرطوم الآن ليس لماذا رفض بعض الطلاب الجلوس للامتحان، وإنما: من يملك القرار، وبأي قانون، وبأي لائحة؟!
