مناظير الخميس 17 سبتمبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- شهد اندلاع الحرب في السودان انتشار الشائعات الضارة والاتهامات الكاذبة للنيل من الخصوم، وتصفية الحسابات السياسية والشخصية، وأصبح البعض يطلق الاتهامات دون دليل، وينشرها دون التحقق من صحتها، وكأنَّ سمعة الناس وحقوقهم لا قيمة لها.
- ولا بد من الجميع النأى عن هذا السلوك وإدانته بأشد العبارات، فالكذب على الناس، وتزوير الحقائق، والتشهير بالآخرين، ليست حرية رأي ولا نقداً مشروعاً، وهي ممارسات تفتقر إلى المسؤولية والأخلاق، خاصة عندما تصدر عن أشخاص يعرفون خطورة ما يفعلون، أو يدركون أن ما ينشرونه قد يضر بمستقبل إنسان وسمعته ومكانته العلمية والمهنية.
- ومن المؤسف أن تمتد هذه الممارسات إلى الوسط الأكاديمي، الذي يُفترض أن يقوم على احترام الحقيقة، والتثبت من المعلومات، والالتزام بالمعايير العلمية، ومن الأمثلة على ذلك ما جرى بشأن شهادة الدكتوراة لبروفيسور مصطفى إدريس البشير، أستاذ الكيمياء الحيوية بكلية الطب بجامعة الخرطوم، فقد تداول البعض اتهامات تزعم أن شهادة الدكتوراة التي حصل عليها من جامعة لوند بالسويد مزورة، وأنه لم حصل فقط على شهادة ماجستير.
- عندما وصلتني هذه المعلومة، كنتُ متأكداً من عدم صحتها، ليس لأنه صديق لي، أو لمعرفتي الشخصية به، فقد التقيته مرة أو مرتين فقط في مؤتمرات علمية، ولا تربطني به علاقة من اي نوع، وإنما أعرفه من خلال ارتباطي بالمؤسسات الأكاديمية، وعملي في المجال الاكاديمي لفترة طويلة، ومن خلال معرفتي العامة بشخصيته وإنجازاته الأكاديمية والعلمية، فهو معروف بعلمه وابحاثه المنشورة في الدوريات العالمية، ويعمل أستاذا للكيمياء الحيوية الطبية بجامعة الخرطوم، وتولى رئاسة قسم الكيمياء الحيوية، وإدارة البحث العلمي والعلاقات الثقافية، وعمادة كلية الطب، ثم منصب مدير جامعة الخرطوم، كما شغل منصب الأمين العام المساعد لاتحاد الجامعات العربية، وله إسهامات علمية في أبحاث الملاريا والكيمياء الحيوية الطبية، فضلاً عن مشاركاته في مؤتمرات علمية إقليمية ودولية.، وإنسان بكل هذه السيرة اللامعة من المستحيل ان يكون مزورا !
- صحيح أن السيرة وحدها لا تثبت صحة الشهادة، ولكنها تُلزم (على الأقل من الناحية الاخلاقية) مَن يطلق اتهاماً خطيراً مثل هذا أن يقدم دليلا حاسماً وليس استعراضا لاقاويل متناثرة في الميديا!
- ولأنني كنت مؤمناً بمصداقية بروفيسور إدريس، كما ظللتُ خلال مسيرتي المهنية ملتزماً بالمعايير المهنية الدقيقة، فقد راسلتُ على الفور جامعة لوند بالسويد، مستفسراً عن شهادة الدكتوراة، وعن تفاصيلها من السجلات الرسمية للجامعة.
- وجاءني الرد سريعا خلال يوم واحد من السيدة “أنيت سالتين”، من كلية الطب بجامعة لوند، أكدت فيه أن مصطفى إدريس البشير دافع عن أطروحته للدكتوراة في كلية الطب بجامعة لوند يوم 29 مايو 1991، وحصل على الدكتوراة في العلوم الطبية يوم 5 يونيو 1991،
وقالت أن موضوع أطروحته كان “الكيمياء الطبية”، وأن المشرفين عليها كانا بروفيسور(جاكوب دونر) وبروفيسور (بو أكيستروم).
هذه الافادة الرسمية صادرة من الجامعة نفسها، وهى تؤكد حصول البروفيسور مصطفى إدريس البشير على درجة الدكتوراة، وبذلك تسقط الاتهامات التي زعمت أنه لم يحصل إلا على الماجستير، ولا يبقى أمام أصحابها إلا الاعتذار والاستغفار عن نشر معلومات غير صحيحة.
- احترام الحقيقة لا يتجزأ، ولا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية أو الصراعات الشخصية إلى وسيلة للنيل من الشهادات الأكاديمية والسمعة المهنية، فالجامعة ليست ساحة لتصفية الحسابات، والأساتذة ليسوا أهدافاً مباحة للشائعات.
- علينا أن نفرق بين النقد المشروع والافتراء، وبين السؤال عن المؤهلات العلمية وإطلاق الاتهامات الباطلة، ومن يملك دليلاً على تزوير شهادة فليقدمه إلى الجهة المختصة، أما نشر الاتهامات دون دليل فهو إساءة للعلم والعلماء وللجامعة وللمجتمع.
- إن الأجيال القادمة تتعلم من أساتذتها احترام الحقيقة، والالتزام بالعلم، والابتعاد عن الكذب والتشهير، ومن واجبنا جميعاً، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها السودان، أن نحمي هذه القيم، لا أن نهدمها.
- فليتق الله الذين يطلقون الاتهامات الباطلة، وليعلموا أن الكلمة مسؤولية، وأن سمعة الإنسان ليست مجالاً للعبث !
