«أن يتخذ الإفريقيون من وعيهم بتاريخهم سبيلاً للمشاركة في نهضة القارّة».. هكذا تلخص الإعلامية والكاتبة السودانية-البريطانية البارزة زينب البدوي جوهر مشروعها الفكري والثقافي العابر للحدود. فمن خلال مسيرة مهنية لامعة ومؤثرة في كبرى المؤسسات الإعلامية العالمية كـ “بي بي سي”، لم تكتفِ البدوي بدور المذيعة والمحاورة السياسية الحذقة، بل تجاوزته لتصبح مؤرخة وموثقة شغوفة بذاكرة القارة الإفريقية العميقة، لاسيما عبر كتابها البارز الذي يترجم رؤيتها ورسالتها الحضارية.
كسر القيود الاستعمارية عن الذاكرة الإفريقية
طالما عانت إفريقيا من سردية أحادية الجانب، صاغها المستعمرون وكتبتها أقلام غربية اختذلت تاريخ القارة في أقبية العبودية والحروب والفقر، متجاهلةً عراقة حضاراتها القديمة وإسهاماتها الجبارة في مسيرة التطور البشري. تأتي صرخة زينب البدوي الفكرية لتُشكل قطيعة مع هذه الصورة النمطية. إنها تدعو أبناء القارة إلى استعادة ملكية تاريخهم الحقيقي، مستندةً في ذلك إلى منبع موثوق تمثله “تاريخ إفريقيا العام” الصادر عن منظمة اليونسكو، والذي وُضع بأقلام نخبة من الباحثين والمؤرخين الأفارقة أنفسهم.
البدوي تؤكد من خلال أطروحاتها أن الجهل بالماضي هو أكبر عائق أمام التقدم في الحاضر؛ فالأمم التي لا تعرف من أين أتت، تعجز عن رسم ملامح طريقها إلى المستقبل. ومن هنا تنبع أهمية الصحوة التاريخية الإفريقية التي تسعى الكاتبـة لإشعال جذوتها في عقول الأجيال الناشئة.
إرث سوداني عريق في صناعة الوعي
لا يمكن فصل هذا الشغف المعرفي والوطني العارم عن جذور زينب البدوي السودانية الأصيلة. فهي حفيدة رائد التعليم النسوي في السودان وأحد أبطال معركة أومدرمان التاريخية، بابكر بدري، وابنة الصحفي السوداني الذي كرّس حياته للإصلاح الاجتماعي وقضايا الفكر. هذا الانتماء المزدوج والعميق منحها رؤية نافذة وإحساساً مرهفاً بالهوية، جعلها تجسر ببراعة بين الثقافات، وتضع القارة الإفريقية وقضاياها في قلب اهتمام الرأي العام العالمي.
نحو نهضة إفريقية قوامها المعرفة
إن مقولة «أن الوعي بالتاريخ يشارك في نهضة القارة» ليست مجرد شعار رومانسي، بل هي دعوة عملية لاستثمار الطاقات الشبابية الهائلة في إفريقيا. فالقارة الغنية بمواردها الطبيعية، هي الأغنى بشرياً وثقافياً، ولن تكتمل استقلاليتها السياسية والاقتصادية إلا باستقلالها المعرفي والثقافي.
عندما يدرك الشاب الإفريقي أنه وريث لحضارات عريقة أسست للفنون والعلوم والفلسفة قبل آلاف السنين، تتولد لديه الثقة اللازمة لبناء غدٍ أفضل، متجاوزاً عقبات التهميش والتبعية.
في خواتيم طروحاتها، تذكّرنا زينب البدوي بأن إفريقيا ليست قارة بلا تاريخ، بل هي مهد الإنسانية ومستقبل العالم متى ما أُتيح لأبنائها أن ينظروا إلى أنفسهم بمرايا الحقيقة لا بمرايا الآخرين. وإن التفاتة سودانايل وغيرها من المنابر الفكرية لتجارب أبناء السودان المهجريين الناجحين، ليؤكد أن جذور النيل قادرة أبداً على رفد الساقية الإفريقية بكل ما يروي ظمأها نحو النهضة والحرية والتقدم.
مستوحى من حوار نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية مع الإعلامية زينب البدوي بمناسبة إطلاق كتابها الجديد..
