بقلم: هشام الحلو
ثمة أرواحٌ لا يكتمل النصاب البصري للذاكرة إلا بها، وحين يستدعي الفكر اسم الصديق الفنان التشكيلي والمصور الفوتوغرافي القدير “خالد حامد” (زيبرا)، تفوح فوراً رائحة الأرض المبتلة في خرطوم الأيام البعيدة، وتنساب سيرةٌ زاهية كُتبت تحت زخات المطر، حيث كان التجوال أسلوب حياة، وكانت الأفكار الرومانتيكية والرمضانية المتوهجة تشكل ملاذنا الإنساني والفلسفي؛ تلك الأفكار التي كنتُ أُساق إليها وألتقيه حولها —على مضض— في ذلك الفضاء الأثيري: استديو “ستي كبر” لصاحبه الراحل العم يحيى، حيث كان يتخلق الوعي ويتشكل المعنى في أزمنة الصفاء البصري والوجداني.
واليوم، وإذ تتداعى الأنباء المحملة بالحزن والرجاء حول ظروفه الصحية الحرجة وحاجته الماسة لعملية زراعة كلى، يتقاطر الوفاء نصوصاً وحراكاً؛ فقد جاءت الندوة الحوارية الاستثنائية التي استضافها “صالون الإبداع للثقافة والتنمية بالقاهرة” مؤخراً لتشكل احتفاءً يليق بقامة مبدعة لم ينل النزوح ولا عناء المرض من صلابة روحها، ولتؤكد أن تجربة خالد حامد ليست مجرد سيرورة تشكيلية عابرة، بل هي حجر زاوية أصيل في بنية “الجيل الوسيط” للحركة التشكيلية السودانية.
ينتمي خالد حامد (المولود في حي أم درمان العريق عام 1963) إلى طبقة مبدعي “الجيل الوسيط”؛ ذاك الجيل الذهبي الذي نُصب حارساً على البوابة الفاصلة بين التأسيس الهوياتي الحروفي والترابي لرواد “مدرسة الخرطوم” (من شاكلة إبراهيم الصلحي وأحمد شبرين)، وبين اندفاعة الشباب نحو العصر الرقمي والتكنولوجي. لقد تميز خالد حامد بإنجاز معادلة بصرية معقدة تتجاوز القالب الأكاديمي الصارم نحو انفتاح أدواتي وسائطي متعدد؛ فزاوج ببراعة بين اللوحة المسندية الكلاسيكية، وتصميم الأغلفة، وأفلام الكرتون التثقيفية، وصولاً إلى التصوير الفوتوغرافي الميداني الاحترافي.
تتجلى الفلسفة العميقة لمرسم خالد حامد في انحيازه المطلق لقضايا البيئة والمسكوت عنه في الهامش الاجتماعي والحيوي. ولم تكن ألقابٌ مثل “صديق الحمير” أو “زيبرا” مجرد مجازات صحفية، بل هي مسميات لمدارس فلسفية ابتدعها في سياق التشكيل السوداني. يتجلى ذلك بنصاعة في معرضه المفاهيمي الخالد “كيف يجهلوك؟ / كارو دوت كوم” الذي استضافه المركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم؛ عام 2010م حيث أحدث صدمة سيكولوجية وبصرية من خلال تفكيك العنوان ذاته: “الـكارو” كرمز للعمل البدائي والشقاء العضلي المنسي، في مقابل الـ “دوت كوم” كرمز للحداثة الرقمية الواهية. لقد نقل خالد حامد “الحمار” من محموله الثقافي السائد المتصل بالسخرية أو البلادة، ليعيد “أنسنته” كرمز للنبل، والصبر الإنساني المشترك، والجمال التشريحي، جاعلاً منه مرآة مكبرة لوجه المواطن السوداني الكادح في أزقة الخرطوم وأم درمان.
ولم يكن خالد حامد يوماً فنان مِرسَمٍ مغلق أو قاعة نخبوبة مكيفة؛ بل نقل التشكيل السوداني إلى خضرة “الأدغال” وأحضان الطبيعة البكر. انطلق عبر رحلات استكشافية ميدانية لسنوات طويلة في عمق إفريقيا وثق خلالها الحياة البرية، ولا سيما الحمار الوحشي (الزيبرا) والكائنات المهددة بالانقراض، محولاً عدسته وفرشاته إلى أداة لـ “الدبلوماسية البصرية البيئية” التي جابت كبرى القاعات في بريطانيا، وألمانيا، وكينيا، والإمارات. وفي ذات السياق التوثيقي الأنثروبولوجي، برزت لوحاته التي تناولت ثيمة “الهودج” وتراث الترحال البدوي، حيث تجلت خلفيته كمصور احترافي في اقتناص الزاوية الواقعية وإعادة صياغتها تشكيلياً بالتضاد اللوني والألوان الحارة كالأحمر والأصفر المشبعين بوهج البيئة السودانية.
إن تجربة خالد حامد، بأبعادها الأكاديمية والتربوية التي غرسها في وجدان طلابه بجامعة الأحفاد ومختلف المؤسسات، وبمساهماته المبتكرة في وسائط الرسوم المتحركة، تظل تجربة شاملة للتشكيلي الملتزم بمجتمعه وبيئته.
إن الدعوات الصادقة بالشفاء العاجل والتام للصديق العزيز والفنان القدير خالد حامد تغمر قلوب كل محبيه وزملائه؛ لتتضافر الجهود والأيادي في هذه الحملة التضامنية النبيلة لتجاوز محنته الصحية، وليستمر هذا القلم وهذه الفرشاة وتلك العدسة في إثراء وجداننا البصري والإنساني، استعادةً لروح تلك الأيام البعيدة… أيام الخرطوم والمطر، والونسة التي لا تنتهي.
