مناظير الاحد 27 سبتمبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- تخوض الحكومة الانقلابية معركة خاسرة في جنيف ضد تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، وهو امر واضح من مواقف الدول والاتحادات الإقليمية والمنظمات الدولية التي تدعم التمديد، فماذا ستفعل الحكومة عندما يتم التمديد .. هل ستواجه أصل المشكلة، وهي الجرائم والانتهاكات التي أُرتُكبت من هذا الطرف او ذاك في حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، أم تحارب الجهة التي تحقق في هذه الجرائم؟!
- بدأت الحكومة محاولاتها لاعاقة التمديد بالتحرك المبكر بين السفراء الأفارقة في جنيف،
وتبرر ذلك باعتبار عمل البعثة تدخلاً سياسياً في الشأن السوداني، ولكنها تصطدم بمواقف دولية وإقليمية قوية يصعب تجاهلها. - الاتحاد الأوروبي أعلن بوضوح في مجلس حقوق الإنسان في 7 سبتمبر تأييده لتجديد ولاية البعثة، وقال إن استمرارها ضروري لجمع الأدلة وحفظها وتحقيق العدالة للسودانيين، وجدد في الثاني والعشرين من نفس الشهر موقفه بصورة أوضح، مؤكداً دعمه لتجديد الولاية ولتوسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان كله.
- بل ان الدول الافريقية التي تسعى الحكومة للحصول على دعمها، او على الاقل على تحييدها، يؤيد معظمها التمديد، حيث إلتقى رئيس بعثة تقصي الحقائق التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ببعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وبممثلي المجموعة الأساسية بشأن السودان، ومن بينهم بريطانيا وألمانيا وإيرلندا وهولندا والنرويج، واصدر بياناً رسميا اكد فيه بوضوح إن اللقاءات تناولت أهمية تجديد ولاية البعثة الأممية، وعندما تتعاون آلية أفريقية رسمية لتقصي الحقائق بشأن السودان مع الآلية الأممية وتؤكد أهمية تجديد ولايتها، يصبح من الصعب إقناع العالم بأن قضية التحقيق الدولي هى مجرد مؤامرة غربية على السودان.
- في جلسة مجلس حقوق الإنسان الخاصة بانتهاكات حقوق الانسان في السودان، لم يكن التأييد لتمديد عمل البعثة من دولة واحدة، بل ظهرت في الجلسة مداخلات باسم الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة نيابة عن مجموعة دول، والسويد نيابة عن مجموعة دول، إلى جانب مداخلات من دول ومنظمات أفريقية وغيرها، وشاركت كينيا باسم المجموعة الأفريقية، وكل هذه الجهات أكدت دعمها لتمديد عمل البعثة !
- كما ان تقرير البعثة نفسه يضع الحكومة أمام مشكلة معقدة، فهو يتحدث عن انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ارتكبتها أطراف الحرب، وعن جرائم واسعة ضد المدنيين، وعن الحاجة إلى جمع الأدلة وحفظها ومحاسبة المسؤولين عنها، وأوضح الاتحاد الأوروبي إن نتائج التقرير تتضمن أفعالاً تحمل سمات الإبادة الجماعية في حصار الفاشر.
- ثم جاءت الضربة الأخرى للحكومة من مجلس حقوق الإنسان نفسه، ففي دورته السابقة (الدورة 62 )، اعتمد المجلس من دون تصويت قراراً بشأن مدينة (الأبيض) طلب فيه من بعثة تقصي الحقائق إجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات والجرائم الدولية المحتملة في المنطقة، وتقديم تحديث عن التحقيق خلال الدورة 63 الحالية، أي أن المجلس لم يتراجع عن البعثة، بل أضاف إليها مهمة جديدة.
- لذلك فإن حملة الحكومة ضد التمديد تبدو منفصلة عن الواقع في جنيف، فالمجلس يوسع مهام التحقيق، والاتحاد الأوروبي يؤيد التمديد، والآلية الأفريقية الرسمية تتعاون مع البعثة الأممية وتؤكد أهمية تجديد ولايتها، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية تطالب باستمرار التحقيق وجمع الأدلة، بينما تُجهد الحكومة نفسها لإغلاق ملف التحقيق قبل أن يكتمل، فلماذا تسعى الى ذلك، وما الذي تخشاه من التحقيق المستقل إذا كانت واثقة من براءتها، ولماذا لا تترك الأدلة والوقائع هى التي تتحدث؟!
- ان مزاعم الحكومة عن تسييس البعثة الدولية ووصف ما تقوم به بالتدخل في الشأن السوداني، مجرد مبررات واهية لصرف النظرعن القضية الأصلية، وكان من الواجب ان تتعاون مع البعثة للوصول الى الحقيقة وتحديد المسؤولين عن الجرائم وحفظ الأدلة، وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب وتحقيق العدالة، وليس السعى لاغلاق الملف وهو ما يؤكد صحة الاتهامات الموجهة إليها والى مليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم وانتهاكات فظيعة ضد المدنيين وحقوق الانسان ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، لن يفلت مرتكبوها من الحساب مهما طال الزمن أو قصر!
