بقلم: هشام الحلو
منذ أيام، ترجّل عن هامش النضال الفكري والوجودي المفكر والأنثروبولوجي السوداني الكبير الدكتور “حيدر إبراهيم علي”، ليترك خلفه فراغاً مأساوياً ومشرعاً على أسئلة الهوية والوجود. ورحيل حيدر إبراهيم ليس مجرد انطفاء لقامة أكاديمية مرّت بسكون في تاريخنا الحديث، بل هو غياب لشاهد أنثروبولوجي نادر استطاع أن يفكك بنية الذات السودانية وتناقضاتها بكل شجاعة وجرأة نقدية، ممارساً مشرط التحليل على أزماتها دون مهادنة أو تجمل.
يقف كتابه الاستثنائي «أزمنة الريح والقلق والحرية» الصادر عام 2015 ، كوثيقة تأسيسية لمشروعه المعرفي والأخلاقي؛ فهو لا ينتمي إلى سيرة ذاتية تقويمية أو احتفائية تسعى لترميم الذات أو استعراض الأمجاد الشخصية، بل هو “أنثروبولوجيا نقدية” متكاملة للمجتمع السوداني في تحولاته المعقدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لقد حوّل الكاتب حياته الخاصة وفضاءه الممتد إلى “حالة دراسية” تتشابك فيها ذاكرة القرية والمكان مع أزمات الدولة الحداثية الناشئة، وتداخل الشفاهي بالكتابي، والتقليدي بالحديث، ليرصد كيف تتداخل التجربة الفردية مع المأساة الجمعية للوطن.
يستدعي العنوان، المستلهم من بيت المتنبي الخالد:
(عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي)
مقولة وجودية عميقة تجعل من “القلق” والترحال الوجودي والفكري زاوية النظر الأبرز لفهم المأساة السودانية. إن القلق عند حيدر إبراهيم ليس محض حالة نفسية عارضة أو اعتلال شخصي عابر، بل هو “شرط وجودي” وبنية حاكمة للذات والمجتمع. إنه القلق الناجم عن العيش في حالة من “اللامعيارية” الدائمة؛ حيث تتهاوى بنى المجتمع التقليدي وقيمه الموروثة دون أن تتمكن حداثة مكتملة الملامح من التأسيس لنفسها، وفي ظل عجز بنيوي ومزمن للنخب السياسية والثقافية عن إنجاز عبور تاريخي آمن وناجز.
يتجلى هذا البُعد الأنثروبولوجي الناقد في قراءته الأولى لبنية “الأسرة الممتدة” بقرية (القرير)، حيث تتداخل الأسطورة بالنوبي والفرعوني والإسلام الشعبي في نسيج اجتماعي معقد. لم تكن الأسرة مجرد حضن عاطفي أليف، بل كانت مختبراً لصراع ثقافي محتدم بين جيل “الأفندية” المتعلم حديثاً وجيل “الحبوبات” اللاتي مثّلن مستودع الحكمة التقليدية والخرافية.
لقد أدرك حيدر إبراهيم – متقاطعاً مع أطروحات الباحث “ترمنجهام” – أن “ثقافة الحبوبات” والسيطرة الرمزية على فضاء “الحوش” كانت أعمق جذوراً وأشد نفوذاً من القشور السطحية للتعليم الحديث، مما أبقى المجتمع محاصراً في دائرة مفرغة تتجاذبها أوهام الحداثة وثقل الموروث.
رحل حيدر إبراهيم وتركنا في قلب “الريح” التي طالما حذّر من عواصفها الهوجاء، وفي مواجهة “القلق” الذي صاغه كأداة للمعرفة والتجاوز، متطلعاً دوماً نحو “الحرية” كأفق أخير للوجود الإنساني وسرديته النبيلة. إن أثر حيدر إبراهيم علي سيظل حياً ومضيئاً ما دامت الأسئلة الكبرى حول الهوية والمجتمع والدولة في السودان تشغل بال العقل الحر والضمير النقدي الباحث عن الخلاص.
