مناظير الثلاثاء 13 اكتوبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطابه الانتخابي بمدينة سيراكيوز يوم الجمعة الماضية (التاسع من اكتوبر، 2026 )، إن الولايات المتحدة موّلت سد النهضة الإثيوبي، ووصف ذلك بالقرار الغبي، ثم زعم أن إثيوبيا حجبت كل مياه النيل ولكنه حل المشكلة!
- هذه ادعاءات كاذبة ليس لها دليل واحد، ظل ترامب يرددها من حين لآخر، وذكرها في يناير الماضي خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دافوس، من دون تقديم وثيقة واحدة أو رقم يثبت أن الولايات المتحدة ساهمت في تشييد السد.
- بلغت التكلفة الإجمالية لسد النهضة نحو 4.8 إلى 5 مليارات دولار أمريكي، بتمويل اثيوبي خالص من موارد الدولة، والسندات التي طرحتها للمواطنين، والمساهمات الشعبية داخل البلاد وخارجها، إلى جانب تمويلات تجارية اثيوبية، ولم تقدم أمريكا أو البنك الدولي وصندوق النقد أى اموال للمساهمة في بناء السد، وهو ما تؤكده الحقائق والارقام وليس الاحاديث !
- التمويل الخارجي الوحيد كان من الصين التي قدمت قرضا بنحو مليار دولار لتنفيذ مشروع خطوط نقل الكهرباء والمحطات المرتبطة بالسد، بهدف نقل الطاقة المنتجة إلى الشبكة الكهربائية الإثيوبية، وليس لتمويل السد نفسه !
- إذا كان ترامب يملك دليلاً على تمويل أمريكي، فلماذا لا يظهره، وما هى قيمته، وما هى الجهة الأمريكية التي قدمته، ومتى دُفعت الأموال، أما قوله إن إثيوبيا حجبت كل مياه النيل، فهو تضليل آخر، فالسد يخزن المياه ويستخدمها لتوليد الكهرباء، ولا يستهلكها كلها.
- صحيح أن هنالك خلافات بين إثيوبيا ومصر والسودان حول قواعد الملء والتشغيل، وتبادل المعلومات وضمان تدفق المياه في فترات الجفاف، وقد يؤثر تشغيل السد في تدفقات المياه إلى دول المصب في ظروف معينة، لكن لا يعني ذلك أن اثوبيا حجبت مياه النيل عن الآخرين، بينما يتباهى ترامب امام الناخبين الأمريكيين الذين لم يسمع معظمهم بسد النهضة من قبل بأنه حل المشكلة وانهى الخلاف، بدون أن يعلم أحد اين وثيقة الاتفاق التي تثبت ذلك، إلا إذا كانت في مخيلة الرئيس المعتوه !
- لقد ظل ترامب يكرر الاكاذيب والمزاعم امام الناخبين الامريكيين، ويقدم نفسه انه صاحب الفضل في حل الخلافات والمشاكل، وانه الوحيد في العالم الذي يستحق جائزة نوبل للسلام، ويهاجم الجائزة بأنها مسيسة ويكيل الشتائم للجنة الجائزة والفائزين بها، ليستمع الى تصفيق وهتافات المهووسيين أمثاله الذين يضعون الولاء السياسي فوق الحقائق، ويقبلون من زعيمهم كل ما يقول حتى لو قال لهم أنا ربكم الأعلى كما فعل فرعون، وقد يعرف بعضهم أن كلامه كذب في كذب، ولكنهم يتسامحون معه لأنه يخدم مصالحهم أو يدغدغ عواطفهم !
- وهنا يكمن الخطر، فعندما يصبح الولاء بديلاً عن التأكد من صحة المعلومة، تتحول الأكاذيب إلى أداة سياسية، ويظل الرئيس او المسؤول يستخف بعقول البلابيس أو البلابسة بدون أن يحتاج إلى إقناعهم بالحقيقة، ويكفيه أن يقول لهم ما يريدون سماعه، ثم ينتظر منهم الهتاف والتصفيق.
