حين يتساءل أحد أنصار الكيزان وأنصار الحرب باستغراب عن سبب ما يسميه داء العداء للإسلاميين فإنه يتجاهل قبل كل شيء سؤالا أكثر بساطة وأشد وضوحا: كيف وصل قطاع واسع من السودانيين إلى هذا الموقف أصلًا؟
فليس من المنطقي أن يطلب من الضحايا تفسير غضبهم بينما يعفى المتسببون في المأساة من تفسير أفعالهم.
لقد اختار الصحفي عادل الباز أن يسخر من شخصيات مثل الدكتور النور حمد ورشا عوض وأم سلمة الصادق وأن يصور انتقادهم للإسلاميين وافعالهم باعتباره حالة مرضية مزمنة لا علاج لها. لكن لو أراد حقًا أن يفهم أسباب هذا الموقف، لكان عليه أن ينظر في تاريخ الذين يدافع عنهم لا أن يسخر من أعمار من ينتقدونهم.
يتساءل الصحفي عادل الباز ساخرا من الدكتور النور حمد ورشا عوض وأم سلمة الصادق، عن سبب ما يسميه داء العداء للإسلاميين وكأن الأمر لغز مستعص على الفهم أو مرض غامض لم يعثر له الطب السياسي على تفسير أو علاج.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أصيب السودانيون (وليس النور حمد ورشا وأم سلمة وحدهم) بهذا الداء العضال؟
السؤال الحقيقي هو: ماذا فعلتم بهذا الشعب حتى أصبح يحمل كل هذا الوجع؟ وكيف يمكن لشعب أن ينسى ثلاثة عقود وزيادة من القمع والخوف والإذلال؟ وكيف يمكن لأب فصل من عمله باسم الصالح العام أن ينسى؟ وكيف يمكن لأمٍ انتظرت ابنها الخارج من المعتقلات وبيوت الأشباح أن تنسى؟، وكيف يمكن لأسرة دفنت أحلامها مع وطن كان يتآكل يوما بعد يوم أن تنسى؟
أنتم تسمونه داء ونحن نسميه ذاكرة. ذاكرة لا تزال تحتفظ بصوت الأبواب التي كانت تفتح ليلا لاعتقال الناس وتحتفظ بأسماء الذين مروا عبر دهاليز بيوت الأشباح وتحتفظ بصور الأسر التي استيقظت على طرقاتٍ عنيفة على أبوابها، ثم نامت سنواتٍ طويلة وهي تنتظر عودة أحبائها. ذاكرة تحتفظ بأوجاع الذين قضوا أعمارهم يشاهدون وطنهم يختطف أمام أعينهم باسم الدين تارة وباسم المشروع الحضاري تارة أخرى.
هل تريدون حقا أن نعدِّد الأسباب؟
هل نبدأ من الانقلاب على الديمقراطية؟ ومن تلك اللحظة التي قرر فيها نفر قليل مصادرة إرادة شعب بأكمله وتنصيب نفسه وصيا على الوطن والتاريخ والمستقبل؟
أم نبدأ من إعدام وقتل السودانيين في رمضان؟ الضباط وطلاب معسكر العيلفون ومجزرة الاعتصام …الخ، من السنوات التي أصبح فيها الاختلاف مع السلطة جريمة؟ ومن المعتقلات وبيوت الأشباح والتعذيب الممنهج؟ أو من كشوفات الفصل والتشريد التي ألقت بعشرات الآلاف خارج الخدمة العامة لا لشيء إلا لأنهم لم يكونوا من أهل الولاء؟ أو من تخريب مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات للتمكين بدلا من أن تكون مؤسساتٍ لكل السودانيين؟
أم ننتقل إلى الحروب؟ وإلى القرى المحروقة؟ إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق؟ أم ننتقل الثوار الذين قتلوا في اعتصام القيادة وفي المظاهرات السلمية أم ننتقل إلى الملايين الذين حملوا ما استطاعوا حمله من ذكريات وأطفال ووثائق ثم ساروا في طرق النزوح الطويلة بحثا عن مأوى؟ أم من النساء اللواتي دفعن من أجسادهن ومن أعمارهن ثمن تلك الحروب؟ أم إلى الأطفال الذين كبروا في المعسكرات أكثر مما كبروا في البيوت؟
أم نتحدث عن الفساد؟ وعن الأموال التي ضاعت؟ وعن الموارد التي نُهبت؟ أم نتحدث عن وطن كان يملك من الإمكانات ما يكفي ليعيش أهله بكرامة فإذا به يساق من أزمة إلى أخرى حتى صار الفقر واليأس جزءا من حياة الناس اليومية؟
أم نتحدث عن استخدام الدين مطيةً للحكم؟ وعن تحويل المقدس إلى درع سياسي؟ وعن خلط الدعوة بالسلطة حتى أصبح نقد الحاكم عند البعض وكأنه نقدٌ للدين نفسه؟
ثم بعد كل ذلك تتساءلون لماذا يكره الناس الكيزان؟
لكن لعل أكثر ما يكشف جوهر المشكلة ليس السؤال نفسه، بل الطريقة التي يُطرح بها. فالصحفي عادل الباز لم يناقش أفكار النور حمد أو رشا عوض أو أم سلمة الصادق، ولم يحاول تفنيد آرائهم بالحجة والبرهان. لقد اختار الطريق الذي اعتاده الكيزان طويلًا، طريق السخرية الشخصية والتقليل من الآخرين، والاستهزاء بالمخالفين.
وهي ليست حادثةً معزولة أو زلة قلم وانما هي لغة عرفها السودانيون جيدا وهي لغة الاستعلاء على الخصوم ولغة التنابز والتشويه. تلك اللغة التي تصور المعارضين وكأنهم مرضى أو حمقى أو خونة أو مأجورون أو عملاء
لسنواتٍ طويلة لم يكن المطلوب عند الكيزان أن يناقشوا خصومهم، بل أن يسخروا منهم ويحتقروهم ويجردوهم من أي قيمة أخلاقية أو وطنية. فحين كان الناس يشكون من الظلم كان بعضهم يسخر وحين كان الناس يفقدون وظائفهم كان بعضهم يبرر وحين كانت الأمهات يبكين أبناءهن كان بعضهم يطالبهن بالصبر من أجل المشروع.
واليوم بعد كل هذا الخراب لا تزال ذات اللغة حاضرة، لغة الاستخفاف بآلام الناس والعجز عن الاعتراف بمسؤولية الذات.
ولهذا فإن مثل هذا الخطاب لا يثير الغضب فقط ولكن يعيد فتح الذاكرة و يذكّر الناس بسبب إضافي من أسباب نفورهم من الكيزان ومشروعهم الذي لم يكتفِ بمصادرة الحقوق ولكن أصر كذلك على إهانة ضحاياه والسخرية من جراحهم أيضا
ثم يخرج من يسأل بعد كل ذلك: لماذا يكره السودانيون الكيزان؟ وكأن الخراب الذي يحيط بالبلاد لا يكفي جوابًا وكأن ملايين النازحين لا يكفون جوابا وكأن المقابر الممتدة عبر سنوات الحرب لا تكفي جوابا وكأن البيوت التي هُدمت والمدن التي احترقت والأحلام التي دُفنت تحت الركام ليست جوابا بحد ذاتها.
الحقيقة أن ما تسمونه داء العداء للإسلاميين ليس مرضا في نفوس السودانيين، ولكنه جرح عميق في جسد وطن. إنه ذاكرة شعبٍ أُجبر على أن يدفع أثمانا باهظة من عمره ودمه ومستقبله.
كل أسرةٍ تقريبا تحمل قصة قتيل أو معتقل أو مفصول أو معذب أو نازح أو مفقود أو شاب ضاع مستقبله أو أم ماتت وهي تنتظر عودة ابنها. لذلك ليس غريبا أن يبقى هذا الجرح مفتوحًا إلى ما شاء الله.
الغريب حقًا أن يأتي من كان جزءا من المأساة ليسأل الضحايا عن سبب الألم.
نعم، ربما يكون ما نشعر به داءً كما تقول لكنه ليس الداء الذي أصاب السودانيين ولكن هو الداء الذي أصاب السودان كله يوم جعلتم السلطة فوق الوطن والحزب فوق الدولة والمصلحة فوق الحقيقة.
وكل أم ثكلى وكل قبر بلا شاهد وكل طفل حملته الحرب إلى المنفى وكل مدينة تحولت إلى أطلال كانت شاهدا جديدا على ذلك الداء. ولهذا لن يشفى السودانيون بالنسيان لأن النسيان ليس عدالة.
لن يشفى هذا الجرح بالسخرية من الضحايا لأن السخرية ليست اعتذارا ولن يلتئم بمجرد مطالبة الناس بتجاوز الماضي لأن الماضي لم يمضِ أصلا فهو ما زال يعيش بيننا في وجوه النازحين وفي قوائم المفقودين وفي البيوت الخالية وفي الخراب الممتد على امتداد البلاد.
ومن العدل أن يسأل ضحاياكم: كم أما يجب أن تبكي؟ وكم بيتا يجب أن ينهار؟ وكم طفلا يجب أن يكبر بعيدا عن مدينته؟
وكم قبرا يجب أن يحفر؟ حتى تدركوا أن القضية لم تكن يوما سوء فهم ولا حملة كراهية ولا داء أصاب الناس فجأة.
لقد كان وطنا ينزف أمام أعين أهله وكان شعبا يستغيث فلا يجد إلا مزيدا من الخطب والشعارات وكانت أحلام أجيال كاملة تدفن بصمت. ولهذا لا يزال السودان حتى اليوم يمشي مثقلًا بخساراته وبآلام اهله ويمضي لا لأنه لا يريد أن ينسى بل لأنه لا يستطيع.
فبعض الجراح لا تمحى من الذاكرة وبعض الأوطان تبقى تنزف طويلا بعد أن يسقط الجلادون من السلطة. وبعض الأحزان تكون أكبر من الغفران وأعمق من النسيان وأثقل من أن تحملها الكلمات.
نعم، ربما يكون ما نشعر به أشبه بالداء كما تقولون. لكنه ليس الداء الذي أصاب السودانيين وانما هو الداء الذي زرعتموه أنتم في جسد هذا الوطن طوال عقود. فكل مقبرة جماعية وكل أم ثكلى وكل مدينة منكوبة وكل طفل نام جائعا أو هاربا من الرصاص كانت جرعة جديدة منه. وإذا كان داء فعلًا فأنتم من زرع أسبابه في الأرض السودانية عاما بعد عام حتى صار جزءا من الوعي الجمعي لشعب كامل.
لا تسألوا لماذا يكرهكم السودانيون، ولكن اسألوا أنفسكم أولًا: ماذا فعلتم بالسودان حتى أصبح هذا السؤال يُطرح أصلا؟
الله المستعان
عبدالله جعفر
abdalla_gaafar@yahoo.com
