مناظير الإثنين 26 أكتوبر 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- بعد أن كان للسودان اليد الطولى في إنتاج وتصدير الصمغ العربي في العالم قبل الحرب، تدحرج الآن إلى الهاوية، واحتلت مكانه دول أخرى، مثل تشاد ومصر وجنوب السودان، التي يصل إليها الصمغ السوداني عبر التهريب، وتقوم بإعادة تصديره باعتباره من انتاجها، وهكذا يخسر السودان إنتاجه وأسواقه ومركزه وسمعته، بينما تدمر الحرب وتقتل وتشرد السودانيين، وتقدم موارد السودان في طبق من ذهب للمهربين واللصوص والإنتهازيين !
- كان السودان قبل الحرب الوجهة الاولى والمفضلة لمعظم الشركات الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة والدول الاخرى لاستيراد الصمغ. أما اليوم، فقد ضاع كل شئ، وصارت تشاد وأفريقيا الوسطى ومصر وجنوب السودان وكينيا والكاميرون، بالإضافة الى لامارات والسعودية تتمخطر وتتبختر في العالم بالصمغ السوداني الذي كان يدر على السودان مئات الملايين من الدولارات قبل الحرب، ذهبت كلها الى غيرنا وذهبت معها أسواقنا وسمعتنا ومكانتنا في السوق العالمية !
- من الذي يتخيل أن تشاد التي كانت تأتي بعد السودان بكثير في مجال الصمغ العربي، إرتفعت صادرتاتها إلى الولايات المتحدة وفرنسا إلى أكثر من الضعفين منذ الحرب المشؤومة في السودان، وسيطرت على اسواق السودان في الخارج، وصارت الوجهة الأولى لدى الشركات المستوردة التي تبحث عن موردين يضمنون لها استمرار الإمدادات، وإذا وجدتهم في دول أخرى، فلن تنتظر إلى ما لا نهاية حتى يستعيد السودان استقراره، وحتى لو وقفت الحرب واستعاد السودان إستقراره، فلن يتمكن بسهولة من استعادة اسواقه ومركزه القديم حسب قواعد وأصول التجارة العالمية !
- يظن البعض أن الصمغ العربي مادة قليلة الأهمية، ولكنه مهم جدا في صناعات الأدوية والمشروبات الغازية والحلوى ومستحضرات التجميل، ويُستخدم في التركيبات الدوائية لتثبيت المكونات وتحضير المستحلبات والمعلّقات، وقد بلغت أهميته حداً دفع الإدارة الأمريكية إلى إستثناء الصمغ من العقوبات التجارية التي كانت مفروضة على السودان خلال حقبة النظام البائد !
- ولا تقتصر الخسارة على الإيرادت فقط، إذ فقد الكثيرون أعمالهم ومصادر دخلهم، وتعرضت مئات المخازن في مناطق الإنتاج للنهب، وأدى انعدام الأمن وتعطل التجارة إلى توقف الكثير من الأنشطة الزراعية، وتضررت غابات الهشاب والطلح وتدهورت البيئة بشكل كبير خاصة في كردفان ودارفور بسبب القطع الجائر للحصول على الحطب والفحم والمال، ومن المعروف أن اشجار الصمغ تحتاج الى اكثر من خمسة اعوام لبدء انتاج تجاري معقول، والى أكثر من سبعة اعوام سنوات حتى يبلغ الإنتاج مستوى جيداً.
- تقع مسؤولية مل هذه الخسائر الفادحة على طرفى الحرب، خاصة مليشيا الدعم السريع التي تسيطر على مساحات واسعة من مناطق الصمغ العربي، تمارس فيها القطع والنهب والابتزاز والتهريب، وعلى السلطة التي ترفض وقف الحرب وتعجز في نفس الوقت عن حماية الإنتاج والتجارة وملاحقة التهريب، والاتصال والتفاهم مع الدول والشركات التي يصلها الصمغ السوداني عبر التهريب، كما انها تشارك أو تتغاضى عن تهريب الصمغ من المناطق التي تسيطر عليها!
- يجب ان يفهم الذين يحرضون على الحرب، أنها لا تعني تدمير المدن والقتل والتشريد فقط، بل فقدان مصادر الرزق والاسواق العالمية ومكانة السودان في الاقتصاد العالمي، وأبز مثال على ذلك الصمغ العربي الذي كان يجلب للسودان مئات الملايين من الدولارات في كل عام، وأصبح اليوم جزءاً من الحرب، يستفيد منه المهربون والدول الاخرى، بينما يدفع السودانيون الثمن.
