عرض ونقاش: الوليد محمد الأمين
صدر هذا الكتاب أو قل الكتيب، أو التقرير- كما سماه واضعاه، في طبعته الأولى، وأظنها الوحيدة، في يوليو 1987م. وعلى الغلاف المبسط نجد ترويسة علوية، أو عنوانا فرعيا في الأعلى: (انتهاكات حقوق الانسان في السودان 1987م”). بينما العنوان الرئيس كان: (مذبحة الضعين- الرق في السودان). وعلى الرغم من أن الدار الناشرة أو الطابعة للتقرير غير مذكورة في الكتاب، ولم يُشَر إليها، فنجد الدكتور عشاري أحمد محمود قد كتب قصة طباعة الكتاب ونشره، في مقال له منشور على غير موقع على الشبكة العنكبوتية بعنوان: (قصة طباعة كتاب مذبحة الضعين – الرق في السودان ونشره وتوزيعه). ومن ذلك نعلم أن السيدة سعاد إبراهيم أحمد، التي وصفها عشاري ب “الشيوعية العظيمة”، و”المسئولة عن مطبعة الزهراء في الخرطوم”، كانت قد وافقت على طباعة الكتاب بعد قراءته دون تردد – كما ذكر عشاري. ولكن ذلك لم يحدث، فبعدها بيومين أو ثلاثة، يقول عشاري، إنه عرف أن “رجال الحزب من أولاد العرب” – كما سماهم- و”بحكم العلاقة بالمطبعة فيما يبدو، رفضوا رفضا باتا طباعة الكتاب في مطبعة الزهراء”. فاعتذرت سعاد، مع تبيين موقفها أن الكتاب يجب أن يتم نشره بأية طريقة أخرى. وأضاف أنها، أي السيدة سعاد، قد سلمته بلا مقابل مالي، جميع لوحات الطباعة المُعدَة كاملة، وهي ذات اللوحات الطباعية التي تم استخدامها لطباعة الكتاب في مطبعة النور فيما بعد. مطبعة النور هذه كان مديرها شابا وصفه عشاري بأنه لم يتجاوز السادسة والعشرين، ولم تكن له علاقة بالسياسة بمعناها الساري، وأردف أنه أبدى حماسة رائعة لنشر الكتاب، بعد قراءته لمسودته. لم يذكر السيد عشاري اسم الشاب مدير مطبعة النور وقتها، ولكنه قال إنه سيثبت اسمه لاحقا، ولا أعلم إن كان ذلك قد حدث أم لا. معضلة أخرى واجهت مؤلفي أو معدي الكتاب تمثلت في توفير التكلفة المالية لنفقات الطباعة، وهي ما تدبراها آخر الأمر بالحصول على سلفة على مرتبيهما من جامعة الخرطوم التي كانا يعملان بها وقتها، ولكن ذلك ذاته تم بعد لأي وجهد وتفاصيل ذكرها الدكتور عشاري في مقالته المشار إليها. وعوداً إلى وصفه رجال الحزب بأولاد العرب (والحزب هنا يشير إلى الحزب الشيوعي السوداني كما يبدو من سياق الكلام)، فالجدير بالملاحظة أن السيدة سعاد هي ذاتها من بنات العرب بالمعنى السائد في السودان. وفي الحقيقة فلا أظن أن رفض أولئك الأشخاص لطباعة الكتاب كان لكونهم ممن وصفهم بأولاد العرب، لعدد من الأسباب ليس أقلها أن الحزب الشيوعي السوداني كان ولفترات طويلة حزباً سودانياً عابراً للإثنيات والأعراق في السودان. وغالب الظن عندي أن ذلك تم لاعتبارات أخرى يعرفها الحزب العتيق، إن صحت رواية عشاري كما كتبها، وإن صح أن الحزب تدخل بوصفه حزبا، وأن ذلك لم يكن ذلك سلوكا فرديا لبعض عضويته. غير أن ذلك لا يبرر بالطبع تغافل أولئك النفر بموقفهم ذلك عن فظاعة الجريمة. وعطفاً على ذلك فلم أجد في التقرير إشارة من المؤلفين إلى موقف الحزب الشيوعي نحو الجريمة الفظيعة ضد الدينكا والتي عرفت بعد ذلك بمذبحة الضعين. بحثت كذلك عن موقف الجبهة الإسلامية حزب المعارضة الأكبر وقتذاك فلم أجد إشارة لموقفها هي ايضاً سوى ما ذكره عشاري من أن الجبهة الإسلامية بقيادة علي عثمان (محمد طه) في المعارضة، لم يفعلوا شيئا وتصنعوا عدم العلم. غير أن عشاري يعود مرة أخرى في كتابه اللاحق الذي أصدره بعد سنوات من التقرير الأول تحت عنوان (مذبحة الضعين- الذكرى السادسة والثلاثون 28 مارس 1987-28 مارس 2023)، يعود – عشاري- مرة أخرى لاستخدام وصف أولاد العرب؛ حيث هم في هذه المرة أعضاء البرلمان في الخرطوم الذي صوّت أعضاؤه، “الإسلاميون أولاد العرب” بحسب وصفه، ضد مقترح نائب من جبال النوبة للتحقيق في المذبحة. وهذا التصويت يقول عشاري في موضع آخر من كتابه بأنه كان وفق توجيه من السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء وقتها للبرلمانيين من حزبه ومن الحزب الاتحادي الديمقراطي الشريك في حكومته. الصادق نفسه يذكر الكتاب أنه برّر المجزرة على أنها انتقام مستحق ضد جون قرنق، وذلك في حديثه إلى راديو لندن المذاع في 31 مايو 1987م. وعلى كل حال فقد خص عشاري في كتابه السيد الصادق بعنوان مخصص سماه (دفاع الصادق المهدي عن المذبحة).
وعودا إلى الكتاب- التقرير، فهو كما يتضح من اسمه عبارة عن تقرير أو تحقيق فيما سماها المؤلفان بالمذبحة. وهي المقتلة التي تعرض لها الآلاف من المدنيين من قبيلة الدينكا الجنوب سودانية، في منطقة الضعين. من المعلوم بالطبع أن الدينكا هم أكبر القبائل عددا في دولة جنوب السودان التي استقلت عن السودان القديم في العام 2011م، بل إنها كانت كذلك أكبر القبائل السودانية قاطبة قبل انفصال الجنوب. أما منطقة الضعين وهي المركز التاريخي لقبائل الرزيقات، والقريبة لجنوب السودان، فقد كانت ملجأ للكثيرين من الفارين من الحرب في جنوب السودان وقتها. ونعرف من الكتاب أنه كان هناك وجود مستقر للدينكا في المنطقة، فقد كانت لهم أحياؤهم التي يسكنون فيها، وكذلك الكنيسة التي يمارسون فيها شعائرهم، وهذه الأخيرة، أي الكنيسة، يذكر الكتاب أنها أقيمت على أرض تبرع بها أحد أعيان الرزيقات.
يقع التقرير في نحو 77 صفحة، والنسخة المتوفرة الكترونيا سيئة التصوير وبعض صفحاتها غير واضحة، ولكن النسخ الورقية من الكتاب غير متاحة الآن، حسب علمي وبحثي على الأقل. وربما كان ذلك للظروف المحيطة بطباعة الكتاب كما ذكرنا أعلاه، وكذلك الظروف السياسية في السودان وقتها، إضافة إلى العدد المحدود من النسخ التي تمت طباعتها باللغة العربية. كما أن الكتاب أو التقرير لم تصدر منه طبعة ثانية بعد طبعته الأولى قبل قرابة الأربعين سنة، وإن كان الدكتور عشاري قد أصدر منفرداً كتابا آخر كما ذكرنا أعلاه في العام 2023م، تحت العنوان (مذبحة الضعين- الذكرى السادسة والثلاثون 28 مارس 1987-28 مارس 2023) فيما يزيد قليلا على المائة من الصفحات. سيكون عرضنا ونقاشنا في هذا المقال للتقرير في نسخته الأولى الصادرة في العام 1987م، وكذلك لكتاب الدكتور عشاري الصادر في العام 2023م، ذلك أن الكتاب اللاحق لعشاري هو بمثابة امتداد وإضافة للتقرير الأول.
احتوى الكتيب – التقرير، على تمهيد، فمقدمة تحدثت عن مدينة الضعين، موقعها وأهميتها، والوجود الحكومي فيها، وكذلك عن الدينكا في الضعين وعن كنيستهم. قُسِّم الكتاب بعد ذلك إلى ثلاثة فصول كانت عناوينها كالتالي: المذبحة، وعدد ضحايا المذبحة، ثم جذور المذبحة. وكل قسم أو فصل من هذه الفصول الثلاثة حوى عناوين فرعية هو الآخر. تلى ذلك “الخاتمة”، ثم: “الرق في السودان مرة أخرى”، ثم أخيرا: “خرائط”.
في التمهيد للكتاب عدّد المؤلفان أسباب إصدارهما للكتاب الذي سمياه بالتقرير، من ذلك ما وصفاه “باعتقاد راسخ في أهمية تصدي المثقفين لانتهاكات حقوق الانسان في السودان”. وفي الحقيقة فهذه النقطة بالذات من الأهمية بمكان، فتخاذل المثقفين السودانيين، والمتعلمين منهم على وجه العموم إلى حد كبير، عن دورهم في التنوير والتصدي لسوءات مجتمعاتهم، هو بعض أسباب تخلف السودان وانحداره لما وصل إليه. ليس ذلك بالسبب الرئيس أو الأهم بالتأكيد، ولكنه من الأسباب المهمة. زاد الأمر سوءً والطين بِلّةً تماهي عدد مقدر من هؤلاء المثقفين مع السلطات الحاكمة، الدكتاتورية وغير الوطنية في غالب الأحوال، واستعداد هؤلاء المثقفين للخيانة بأبخس الأثمان. ولكن المسألة بالطبع ليست بهذه البساطة، فثمة تداخل متشعب ومعقد بين المثقف والقبيلة، والمثقف والسلطة، والمثقف والسلطات المجتمعية المحلية، خاصة في المجتمعات الأقل تمدينا. تداخل ومصالح غير معلنة ألقت بظلالها على موقف الكثيرين في السودان من المذابح والحروب التي ما فتئت تحدث في البلاد. وللتدليل على ذلك يمكنك النظر إلى الحرب الأخيرة المشتعلة الآن في السودان. فقطاع لا يستهان به من المثقفين السودانيين يتعامى عن التوصيف الحقيقي للحرب بوصفها حرباً بين جنرالين مرة، وحرباً لاستعادة السلطة مرة أخرى، وغير ذلك من التوصيفات، في تعام واضح عن الفيل داخل الغرفة. انظر كذلك لزهد الكثيرين منهم في الحديث عن الانتهاكات التي طالت أهاليهم الأقربين بحجة الحفاظ على سلم اجتماعي متوهم، وغير ذلك.
يحدد الكتاب تاريخ وقوع المذبحة بيومي 27 و28 مارس من العام 1987م، وقد كان ذلك عهد الديمقراطية الثانية في السودان، وكان رئيس الوزراء وقتها هو السيد الصادق المهدي.
من الواضح أنه لا الديمقراطية أجدت في السودان، ولا حكم العسكر نفع!
يذكر التقرير أن أكثر من ألف شخص (أكثر من ثلاثة آلاف في كتاب عشاري اللاحق) من النساء والأطفال والرجال من قبيلة الدينكا قد قتلوا وحرقوا على أيدي مواطنين من عرب الرزيقات- الذين يرد وصف قبيلتهم في التقرير بأنهم كبرى قبائل السودان الوافدة من غرب افريقيا في القرن السابع عشر وربما قبله- ومن قبائل أخرى في المدينة؛ ضد الدينكا، الذين يرد وصفهم بالمجموعة الوطنية الإثنية العرقية الدينية اللغوية. أما الحكومة فقد سعت جاهدة، بحسب المؤلفين، للتعتيم على ما جرى، وإلى إصدار تصريحات مضللة عما حدث. من ذلك أن السيد الصادق المهدي، رئيس الحكومة المنتخب ديمقراطيا وقتها، كان قد برر المذبحة بأنها حدثت كرد فعل انتقامي من قبل عرب الرزيقات على هجوم كان شنه الجيش الشعبي لتحرير السودان على منطقة سفاهة الواقعة على بحر العرب- كيير.
ولكن الخلاصة في الأمر كما ترد في التقرير، وفي الكتاب من بعده، أن الرزيقات قتلوا في يوم المذبحة، السبت 28 مارس، ما يقارب ال 3000 شخصاً وربما أكثر، وجرحوا مئات الأشخاص، واختطفوا أعدادا غير معروفة من الأطفال، لا سيما الفتيات، لأغراض الاستغلال رقيقا، واعتدوا بالاغتصاب الجنسي على عدد غير معروف من الضحايا النساء والأطفال، كما أنهم كذلك أخفوا قسريا عددا غير معروف. ومن ريع تجارة الرق التي مورست على المئات من الأطفال والفتيات، يذكر عشاري- تمكن الجناة الرزيقات من إرسال أبنائهم إلى المدارس والجامعات.
لم تكن مذبحة الضعين هي الأولى، ولكنها كانت الأفظع، أو على الأقل الأكثر فظاعة مما تم توثيقه. فغزوات الرزيقات على الدينكا كانت متواترة من قبل ذلك. يشير عشاري إلى أنه في منتصف الثمانينات كان شباب من الرزيقات في المدرسة الثانوية بالمدينة في ذلك الوقت يتركون مدارسهم للمشاركة في غزوات النهب وقنص الرقيق في دار الدينكا في منطقة شمال بحر الغزال. ربما تجدر الملاحظة هنا إلى تكرر هذا النمط مرة أخرى في الحرب الأخيرة، حيث انضم الكثيرون من طلاب المدارس الثانوية والجامعات، بل وحتى بعض اساتذتها، إلى قوات الدعم السريع بدوافع عرقية. صحيح أن مثل هذا الانضمام لم يكن بدعا، ففي حروب السودان وغيرها يترك الكثيرون حياتهم المدنية للانضمام إلى المجهود الحربي، حدث ذلك في حرب الجنوب في السودان وفي غيرها، ولكن الفرق هنا في الانضمام للحرب لدوافع عرقية، لا لأجل قضية معينة. هذا بالطبع إن لم نعتبر أن الدافع العرقي وكراهية الآخر والسعي لقتله ونهبه، هو قضية في حد ذاته.
كما أن الضعين لم تكن هي مسرح المذبحة الأول والوحيد، فتحت العنوان الجانبي “لاحظوا التماثل بين مذبحة الضعين ومذبحة بابنوسة” في كتابه اللاحق، يقول عشاري إنه “كذلك وبدعم وزير الدولة للدفاع برمة ناصر، وذلك في بداية العام 1986م، اشترك المسيرية مع الرزيقات في غزوات ضد الدينكا المدنيين في منطقة شمال بحر الغزال”. وبرمة ناصر المنضم لقوات الدعم السريع في حربها الأخيرة ضد الجيش السوداني وغالب السودانيين، خارج مناطق سيطرتهم على الأقل، والتي لا تزال مستمرة في البلاد حتى الآن، والمنضم كذلك – أي برمة ناصر- لحكومة الدعم السريع التي أعلنها في دارفور وعاصمتها نيالا، برمة ناصر هذا يصفه عشاري بأنه مسئول مع آخرين “مرتشين” بمنح “الجناة الكبار، الجنجويد والعسكر مقترفي نفس الجرائم ضد الإنسانية في وضعية مذبحة 3 يونيو 2019م، عفوا مطلقا” والنص بين الأقواس لعشاري. ومذبحة 3 يونيو المشار إليها هنا كما هي معروف هي المجزرة التي ارتكبت ضد المعتصمين السلميين أمام بوابات القادة العامة للجيش السوداني إبان ثورة ديسمبر 2018م.
قبل ذلك بزمن يذكر الكتاب أنه كانت هناك تلك المذبحة في دار المسيرية في نهاية فبراير 1965م، ويومها بحسب تقرير الشرطة، كما يذكر عشاري، فقد اقتحمت جموع غفيرة من النساء والأطفال المسيرية مركز الشرطة الذي تجمع فيه الجنوبيون طلبا لحماية الحكومة، وكانت النسوة والأطفال مسلحين بالكيروسين والكبريت، وصبوه فوق الجنوبيين العزل وأشعلوا فيهم النيران. ويومها رفض جميع سكان بابنوسة، بحسب الكتاب، المساعدة في إطفاء النيران، ورفضوا المساعدة في حفر القبور لدفن الضحايا. المقتطف المذكور عن هذه المذبحة في الكتاب يشير عشاري إلى أنه بعض ما جاء في رسالة من أشار إليه بالدكتور عبد الباسط، في فصل من رسالته للدكتوراة في علوم الانثروبولوجيا بجامعة كنيتيكت الأمريكية في العام 1982م.
من الواضح أن الرزيقات وإن كان لهم القدح المعلى في تلك الجرائم، فهم ليسوا وحدهم. إذ ورد ذكر المسيرية، كما ورد ذكر قبيلة المعاليا في كتاب عشاري اللاحق أيضاً تحت عنوان جانبي منفصل: (لا تنسوا مشاركة قبيلة المعاليا في تجارة الرقيق). وفيه يذكر الكتاب أنه في العام 1999م، كان المعاليا يحتفظون بألف وسبعمائة من الأطفال والفتيات والنساء الدينكا في وضعية الرق، وكانت القبيلة وافقت على مضض، كما ذكر الكاتب، على تحرير الرقيق، بعد أن فُرض عليها ذلك بواسطة اليونيسيف، المنظمة الأممية التي ذكرت في تقاريرها أن المشروع تعثر لأسباب، منها مثلا أن المعتمد الإسلامي حينها في عديلة، رفض تحرير فتاة من الدينكا وادعى بالاحتيال أنها قد أسلمت فلا يمكن أخذها إلى دار الدينكا.
وعوداً إلى التقرير الصادر في العام 1987م، يذكر المؤلفان في المقدمة أنهما اعتمدا في كتابة التقرير على روايات عشرات شهود العيان الذين نجوا من المذبحة، حيث زاروهم والتقوا بهم في نيالا وفي كاس وفي الخرطوم، بالإضافة إلى زيارتهما لمدينة الضعين نفسها حيث وقعت المذبحة بحسب وصفهما، كما أنهما، وكما يذكران، قاما بجولة على المواقع التي جرت فيها المذبحة وصوراها. ونجد في الكتاب عددا من الصور أشار عشاري إلى أنها التقطت، مع استثناءات قليلة، بواسطة رفيقه سليمان بلدو. يظهر في بعضها بعض الأطفال الناجين من المذبحة في معسكر كاس، وصورة لحوش البوليس حيث تم حرق أكثر من سبعمائة من الدينكا، وصورة لمحطة السكة الحديد في الضعين، وصورة لحلة السكة الحديد التي تم تنقيل الدينكا إليها من المدرسة الغربية، وصورة لمركز شرطة الضعين وصورة لسور كنيسة الضعين تظهر فيها غرفة رئيس الكنيسة. إضافة إلى ذلك يذكر المؤلفان أنهما تحدثا مع شخصين من شهود العيان الناجين كانا يبحثان عن أطفالهما “المحتجزين لدى بعض أسر الرزيقات في المدينة” بحسب النص المكتوب. كذلك يذكران حديثهما إلى شخصين من الرزيقات المحاميد شهدا المذبحة. وعلى ذكر الشهود، فسأورد في نهاية هذا المقال شهادة واحد من الجنوبيين من طلاب جامعة الزعيم الأزهري، وخريجيها بعد ذلك، كان قد عاصر جزء من تلك الأحداث.
تنضح روايات شهود العيان الناجين من المقتلة بالكثير من الفظائع التي لا يتصورها العقل، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما رواه واحد من الشهود، إذ حكى عن شاب من الدينكا قتل وقطعت “بيضاته”، أي خصيتيه، لعرضها على الحكّامة. والحكّامات في تلك المجتمعات هن النساء اللواتي يشجعن الرجال على القتال، وهو تقليد قديم لدى تلك القبائل، ولكنه ظل مستمرا حتى تاريخه كما شهدنا في الحرب الأخيرة بين قوات الدعم السريع التي عمادها الأساس من تلك القبائل وبين الجيش السوداني، ومن بعده، وربما قبله، وضد السكان العزل في الشمال. أما السيدة تيجوك نوت أني، التي قتل زوجها أمامها واختطفت طفلتها الرضيع من بين يديها، فتحكي تفاصيل الحرق بالنار، وغير ذلك من قصتها التي لم تنته وقت إعداد التقرير، إذ كانت لا تزال تبحث عن أطفالها الخمسة المفقودين في الضعين بالبحث عنهم من بيت إلى آخر. فرانسيس أتيينق شاهد آخر نجا ولكن أسرته لم تنج، إذ وجدهم آخر الأمر جثثا هامدة ملقاة أمام إحدى عربات القطار، أطفاله الثلاثة، وزوجته التي وجد النار المشتعلة وقد “أكلت كرعين بتاع المرة”، كما نقل عنه!
يذكر التقرير بالتفصيل بدايات المذبحة وما تم فيها، ويمكن الرجوع إلى تلك التفاصيل في الكتاب بالطبع، ولكن بعض ما حدث باختصار أن الدينكا تم تجميعهم بواسطة السلطات المحلية المغلوبة على أمرها وضعيفة الحيلة في ذلك الموقف هي ذاتها، تم تجميعهم في السكة الحديد وإركابهم عربات القطار الذي كان مزمعا أن يتحرك بهم نحو مدينة نيالا. ولكن الذي حدث أن الضحايا تم حرقهم داخل عربات القطار التي احتموا بها من الهجوم، حيث تم إشعال النيران تحت عربات القطار الحديدية، ومن حاول الخروج من أولئك البؤساء تم قتله، فمات الكثيرون قتلا وحرقا وضربا بالعصي وبالرصاص. وتم تهديد سائق القطار الذي حاول ربط العربات الموجود بها الدينكا فلم ينجح في ربط العربات، كما أن المعتدين كانوا قد وضعوا الحواجز على قضيب القطار. واحدة من عربات القطار ذُكر في التقرير أنه كان بها أكثر من مائتي شخص من الدينكا تم حرقهم جميعا بعد أن ألقيت عليهم حزم القش ومراتب القطن المشتعلة. أما في نقطة البوليس التي تجمع بها أكثر من خمسمائة من الأشخاص بحسب التقرير، فقد قام المعتدون برش الجاز على الدينكا داخل النقطة، ومن بعدها ألقيت عليهم الجوالات المشتعلة بالنار فتم حرقهم أحياء، وذكر التقرير أن شاهد عيان قال إن النار ظلت مشتعلة في هؤلاء البشر حتى صباح اليوم التالي.
على المستوى الرسمي يذكر التقرير أنه في واحدة من جلسات الجمعية التأسيسية (البرلمان) في الخرطوم، كان السيد سيد أحمد الحسين وزير الداخلية يتحدث عن الوضع الأمني في السودان، مركزا على اختطاف التلميذة أميرة عبد الحكم (الصحيح أن اسمها أميرة الحكيم- وكانت قصة اختفائها قد شغلت المجتمع حينها وقتا طويلا باعتبارها من الجرائم غير المألوفة في عاصمة البلاد في ذلك الوقت، وانتهت القضية بالعثور على المذكورة مقتولة). الشاهد هنا حسب التقرير أن أحد النواب من جنوب كردفان اعترض الوزير وطلب الرد على التساؤلات عما جرى في الضعين. ولكن السيد الوزير رد بأن عدد من قتلوا في الضعين لم يتجاوز ال 182، مشيرا إلى أن عدد المواطنين الذين قتلهم التمرد في سفاهة، “كان كبيرا جدا جدا”! قبل ذلك، وكما يذكر التقرير، فإن حاكم إقليم بحر الغزال بجنوب السودان، السيد وليام أجال دينق، كان قد صرح بأن القتلى في الضعين لا يتجاوز عددهم ال 300. والحاكم هذا هو من الدينكا كما يذكر التقرير. وعلى ذكر وزير الداخلية، فيذكر التقرير أنه عندما حدثت المذبحة، فإنه كان موجودا في مدينة نيالا لغرض إجراء صلح بين القمر والفلاتة! ولكنه لم يقم بزيارة الضعين. ولك أن تتأمل في هذه الجغرافيا العجيبة والتاريخ المتكرر برتابة قاتلة، فمحاولات الصلح بين تلك القبائل في تلك الأنحاء لا تزال تجري على أيامنا هذه، بل هي لم تتوقف من أصله لفترة طويلة.
أما السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء وقتها فقد فسّر المذبحة- بحسب التقرير- بأنها كانت نتيجة دواعي الانتقام على هجوم قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان على منطقة سفاهة الواقعة على بحر العرب – كيير. لقد كان السيد الصادق بحسب التقرير كثيرا ما يشير إلى ضرورة فهم واستيعاب الواقع القبلي في المنطقة الحدودية، ما يعني – بحسب المؤلفين- استخدام القبائل ضد بعضها، وهي الإستراتيجية التي يرى المؤلفان أن اللواء معاش فضل الله برمة ناصر، عضو المجلس العسكري وقتها والمنتمي لقبيلة المسيرية، دافع عنها. ثم بعدما أصبح السيد الصادق رئيسا للوزراء، تبنى هذه السياسة بصورة أكثر وضوحا، بل إنه عين اللواء فضل الله برمة وزير دولة للدفاع! ومن حينها يذكر التقرير، كما تذكر مصادر أخرى، اتجهت الحكومة إلى دعم قوات قبيلة المسيرية المعروفة بالمراحيل بأسلحة أكثر فتكا مما لديها، وشجعت تكوين المليشيات من عرب الرزيقات وسهلت حصولهم على السلاح والذخيرة. اللواء معاش برمة المذكور هنا هو ذاته من ذكرنا أعلاه انحيازه في الحرب الأخيرة إلى قوات الدعم السريع – التطور التاريخي لقوات المراحيل التي أسسها- ضد الجيش السوداني. لقد انحاز في آخر الأمر إلى عرقه وإثنيته في مثال واضح على أن العرق أقوى من الوطن، بل ومن الدين ذاته، لدى البعض. ومما يجدر ذكره هنا أن السيد برمة وقت انحيازه الأخير لقوات عشائره كان يشغل منصب رئيس حزب الأمة القومي، المنصب الذي شغله السيد الصادق المهدي حتى وفاته في العام 2020م.
إن تاريخ السودان يدور في ذات الدوائر كما يبدو!
من الشهادات كذلك شهادة السيد مانجوك جينيق مانجوك، الذي وصف إحدى هجمات الرزيقات على قريته في التقرير بالقول إن “الرزيقات دا لمن قام شهر 2 جا بشيلو السكر. بشيلو لباس بتاع نسوان …أي حاجة هناك في بلدنا شالوه. بتاع الموية البشربوا بيهو دا كلو شالوه”. ربما كان من لزوم ما لا يلزم أن نشير إلى الممارسات التي حدثت في الخرطوم وفي الجزيرة في الحرب الأخيرة، وكواحد من سكان الخرطوم أقول إن المعتدين واللصوص والنهابين سرقوا حتى ملابسنا الداخلية السفلية (اللباسات في قول مانجوك أعلاه). ذلك بالطبع عدا ملاءات الأسِرّة والمراتب وملاعق الطعام وكل شيء، كل شيء حرفيا. لقد تم حفر الأرضيات الاسمنتية وشق الحوائط لاستخراج أسلاك النحاس الموصلة للكهرباء وسرقتها. ومن الممارسات التي ذكرت في التقرير وتكررت في الحرب الأخيرة كذلك هي ممارسة احتلال بيوت سكان المناطق المحتلة واستيطانها، بل إنهم في الحرب الأخيرة وبطول المدة، تذكر بعض الروايات أنهم تزاوجوا فيها وربما تناسلوا! وكذلك حالات الاغتصاب وسبي الفتيات والنساء مما هو موثق بصورة أكبر في الحرب الأخيرة. يذكر عشاري نقلا عن شهود العيان أن الرزيقات في غزواتهم ضد الدينكا في جنوب السودان كانوا ينهبون جوالات الذرة والدجاج وملابس النساء المستعملة وحتى الصحون وأكواب شرب الماء.
يوثق التقرير كذلك لهروب قوات الشرطة واختفائها من المشهد، ولانتزاع مريض من سريره في المستشفى ومن بعد ذلك قتله. وفيما خص المستشفى فقد قامت نساء الرزيقات بحسب ما ذكر في التقرير- بمهمة منع المصابين من الدينكا من دخولها. وكانت نساء منهن قد قُلن للبوليس وفق رواية أحد الشهود، إنهن قادرات على تصفية الحساب مع البوليس إن هو حمى الدينكا. يوثق التقرير كذلك لممارسة من فساد الأجهزة النظامية في السودان، فأحد العساكر المكلفين بحراسة العربة الخشبية في السكة الحديد، طالب بمبلغ خمس جنيهات من كل واحد من الدينكا الموجودين بالعربة!
على الصعيد الحكومي يذكر التقرير أن الدكتور آدم موسى مادبو وزير الطاقة وقتها (والمنتمي لقبيلة الرزيقات)، زار المدينة بعد المذبحة للتحقيق، ولكنه لم يقدم غير إشارات مبهمة حول الأحوال الأمنية. وذكر لوكالة الأنباء السودانية سونا بعد شهر من المذبحة، أنه كوّن لجنة من ناظر وعمد وأعيان قبيلة الرزيقات والقوات النظامية وبعض الإداريين للتحقيق في حوادث بحر العرب والضعين. الدكتور مادبو المذكور هنا هو والد الدكتور الوليد مادبو صاحب الكتابات العديدة في ذم الشماليين ووصفهم بأقبح الألفاظ واتهامهم بالعنصرية وغير ذلك، وله عدة كتب ومؤلفات، واحد منها هو “دارفور المستوطنة الأخيرة- ريثما يتم الجلاء”، وفيه يتهم الشماليين بارتكاب الفظائع ضد قبائل دارفور من الزرقة وغيرهم، فتأمل.
ورغم أن الفاعل الأساسي في المذبحة، وفيما قبلها من المرارات التاريخية ضد الدينكا في تلك المناطق هم من قبيلة الرزيقات كما يذكر التقرير، فالتقرير يشير كذلك إلى أنه كان من ضمن المشاركين في المذبحة من وصفهم بأفراد قليلون من قبائل أخرى مثل الجوامعة والهوسا. يذكر التقرير كذلك ما تم من اختطاف عدد غير معروف من الأطفال والفتيات الدينكا لاسترقاقهم، وأن عمليات بيعهم كانت مستمرة في نيالا.
وفي مسألة الرق، يخلص التقرير إلى أن الرق أصبح مؤسسة في مجتمع الرزيقات، حيث أن “الدينكاوي في المخيلة الجماعية للرزيقات وفي العقل الثقافي الرزيقي”، بتعبير الكتاب، “هو شيء وليس انسانا”. رغم ذلك ما تفتأ الانتلجنسيا الجنوب سودانية وفي مناطق أخرى من السودان تتهم سكان السودان الشمالي باسترقاق أجداهم لهم، بل وتحميل الأحفاد وزر ذلك، إن صح بالطبع.
