رأسمالية المساهمة ، الي اين؟

د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم

   بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و النظام الاشتراكي التابع له في اوربا و مع ظاهرة العولمة ظهر مصطلح جديد في العالم الرأسمالي هو ” رأسمالية المساهمة ” . تتمحور فكرة تلك الاسمالية حول العمل في بورصات الاوراق المالية بشكل يعظم المنافع المتبادلة بين المتعاملين و يزيد من حركة التحويلات النقدية اليومية و من حركة دوران النقود بشكل يماثل الاف المرات مقارنة بحركة السلع المادية. سمة تلك الاسواق ( الاسواق المالية او اسواق النقد و راس المال ) هي الهزات المتلاحقة و الصدمات و الازمات و الانتعاش و الانهيار ، تلك هي حياة الاسواق المالية. رغم ذلك فراسمالية المساهمة لعبة مقبولة من جميع الاطراف المشتركة فيها ، ليس هناك ربح مضمون او امتياز ادبي . هنا لا المدراء التنفيذيون و لا المؤسسات المالية الكبري و لا الشركات العملاقة بقادرة علي السير عكس الرياح التي تملأ اشرعة الاسواق. الكل خاضع لقواعد السوق ، لكن قواعد السوق نفسها غير محددة و لا ثابتة و انما تخضع لشيء يشبه المزاج. مع دخول التقنيات الحديثة ضمن قواعد اللعب تمددت طاولات المقامرة ، لم تعد هنالك حدود تضبط قواعد اللعب و انما هنالك التنقلات الحرة و التدفقات الحرة و المضاربات التي لا كابح لها. ارتبط مفهوم رأسمالية المساهمة بمفهوم ” الاقتصاد الجديد ” و هو اقتصاد عالمي كل النشاطات المحركة له و المتأثرة به عليها ان تتطور و ان تواكب مجريات التبادل العالمي الحر في مختلف مجالات السياسات المالية و النقدية و احكام التجارة الخارجية من حواجز جمركية و اصلاح ضريبي و الاجراءات التنظيمية و الحمائية و الضوابط النقدية. لكن كل تلك النظريات و المفاهيم الي اين وصلت و ما هي نتائجها؟ يبدو ان هنالك الكثير من الالتباس علي المستوي الدولي فيما يتصل برأسمالية الدولة و النطاق العالمي  و سير العولمة و تسارعها ماليا و تجاريا و تقنيا. هنالك  أقوالا كثيرة حول ” النمط الراسمالي الجديد “و حول ” رأسمالية المساهمة “، لكن خلافا لما نظر له سابقا بان العالم سيشهد توسعا هائلا في نطاق الطلب لن تحد منه ( الاهتزازات المالية التي لا يمكن تجنبها ) و لا ( الركود المتقطع ) الذي يمكن توقعه اقتصاديا و ان النمط الرأسمالي الجديد سيمضي قدما و يتطور علي المدي الطويل. خلافا لكل ذلك جاءت الأزمة المالية العالمية و ما جرته من ازمة اقتصادية عميقة مصحوبة بركود غير مسبوق ، جاءت  بما لم يتوقعه احد و تخطت جميع التوقعات الاقتصادية و اطاحت برؤي المدراء التنفيذيين و المحللين في مجالات الائتمان و الاستثمار. في هذا الاطار ما هي قدرة منظري الرأسمالية الحديثة  و رأسمالية المساهمة في تحديد ملامح العالم ما بعد الازمة المالية؟ و ما هي المعايير التي سيتم الاستناد اليها ؟ و ما هو مصير رأسمالية المساهمة المعتمدة علي توريق الاصول و توريق الديون و تضخيمها؟ ما هو مصير ثالوث رأسمالية المساهمة في التحكم في المسار الاقتصادي العالمي؟ ذلك الثالوث المكون من رأي عام ، اعلام و القضاء ، كيف له ان يسود علي المستوي الوطني و العالمي؟ هنالك انقسام حاد في العالم الرأسمالي حول تلك الموضوعات اهم جبهاته تقوية المؤسسات و احكام  الرقابة و تعظيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي . هنالك جبهة اخري في التجارة الخارجية و اجراءات المنافسة و السلوك المالي و البيئة و الصحة و اخلاقيات التعامل. بالتأكيد فان تحديد ملامح الخلاف و الانقسام في الرأي العالمي لما يجب ان يحدث بعد الخروج من الازمة المالية سيكون الان شبه مستحيل و لكن نتائج الحوارات و الملتقيات و المؤتمرات الدولية تعطي مؤشرات حول ملامح الطريق الذي يجب علي العالم السير فيه لتجنب كوارث مماثلة في المستقبل. هنا يحتاج العالم لارادة سياسية جديدة و لافكار بناءة تحد من السلوك السيء للراسمالية المالية او رأسمالية المساهمة و يبقي الرهان معقودا علي جهود الدول الصاعدة  و النامية في بناء مرتكزات سياسية و اقتصادية و اجتماعية جديدة تقوم علي بنية مؤسسية جديدة او اصلاح المؤسسات القائمة بشكل جذري لتكون في مصلحة جميع شعوب العالم و ليس 15% من مجمل سكان المعمورة.

mnhassanb@yahoo.com

عن د. حسن بشير

د. حسن بشير

شاهد أيضاً

اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)

أ.د. حسن بشير محمد نور كان سيد انسانا حقيقيا بسيطا جدا مليئا بالحب والجمال وكان …

اترك تعليقاً