ضبابية مؤشرات الاداء الاقتصادي

 

د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم

   

اصدرت وزارة المالية و الاقتصاد الوطني بيانا يشتمل علي مؤشرات الاداء الاقتصادي في السودان للربع الاول من العام 2009م. اشار البيان الي انخفاض معدلات التضخم الي 11% مما كان عليه في نهاية العام السابق ، كما توقع البيان ان يصل الرقم الي رقما احاديا بنهاية العام وقد توقع البيان ان يصل النمو في الناتج المحلي الاجمالي بنهاية العام الحالي الي 4%. من جانب اخر تحدث البيان عن جملة من الاجراءات و التدابير اللازمة لانفاذ موازنة العام الحالي علي صعيد تحصيل الايرادات و ضبط و ترشيد الانفاق العام  مع الإشارة لاستهداف اجراء تعديلات هيكلية و تنفيذية مختلفة من اجل تعزيز و تقوية القدرات البشرية و الفنية لادارة الموارد و الانفاق في حدود سقوف محددة و ضبط و ترشيد الانفاق العام و الالتزام بالصرف حسب الميزانية المجازة ” اجراس الحرية ، السبت ، 9-5- 2009م”. امر ايجابي ان تصدر وزارة المالية مثل تلك البيانات و ان يتم تعميمها علي الصحف حتي يعلم الجميع حقيقة الاداء الاقتصادي لكل فترة من فترات مراجعة الاداء المالي و من المعروف ان المتابعة حسب ربع السنة من الاجراءات المعمول بها في مختلف دول العالم لمتابعة تنفيذ الموازنة العامة ، و هذا في حد ذاته و من حيث المبدأ تقليد حميد.

  لكن ما هي دلالات تلك الارقام ؟ و متي يكون انخفاض معدل التضخم ايجابيا؟ بالتأكيد لا يعتبر اطلاق الارقام هكذا و بشكل مجرد امر مهما او يحمل دلالات ايجابية او اشارات مطمئنة للسوق. ربما كان الامر جيدا من الناحية السياسية او في مخاطبة الرأي العام غير المتخصص و الذي لا دراية له بلعبة الارقام و خداعها. يعتبر الانخفاض في معدلات التضخم ايجابيا اذا كان هناك ثبات في ” العوامل الاخري” المؤثرة علي النشاط الاقتصادي مثل العرض الاسمي و الحقيقي للنقود و الطلب عليها و استقرار معدلات الدخل مع ثبات الرقم القياسي للاسعار. يضاف لذلك تحقيق المؤشرات الاساسية المعتمدة في الموازنة العامة الخاصة بمعدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي و الذي حددته الموازنة العامة للعاام 2009 عند إجازتها ب 6% مع معدل مستهدف للتضخم حدد بنسبة 8%. يلاحظ ان أي من تلك المؤشرات لم يتم تحقيقه ( معدل التضخ 11% و معدل النمو المتوقع 4%) و بالتالي فان الاستنتاج الأساسي حول انخفاض معدل التضخم للربع الاول من العام المالي 2009 لا يكون نتيجة لجودة مؤشرات الاداء في الاقتصاد السوداني و انما نتيجة للركود الذي يعاني منه الاقتصاد و للشح في السيولة و تراجع القوة الشرائية الامر الذي يفسد أي ايجابية لمعدل التضخم الذي سجل 11% بل تعتبر هذه النسبة مع مؤشرات الركود الاقتصادي السائدة الان نسبة مرتفعة جدا.

 ملاحظة اضافية و هي ان مقارنة مستوي التضخم للربع الاول من العام الحالي قد تمت مع الربع الاخير من العام السابق 2008 بدلا عن المقارنة مع الربع الاول منه ، و كما هو معروف فان فترة المقارنة التي تم اعتمادها شهدت تراجعا في الاداء الاقتصادي بسبب الاثار الناجمة عن الازمة المالية العالمية و تراجع اسعار البترول  و يعطي ذلك اشارات سالبة للقياس من الناحية الاقتصادية ان لم تشر الي سوء نية حول الاستنتاج المراد الوصول اليه ، اذ من المتبع حتي هنا في السودان ان تتم المقارنة مع الفترة المناظرة من العاام السابق.

   لا بد من اعتماد مؤشرات واضحة و مقنعة و من الافضل ان تصدر تلك البيانات عن الجهاز المركزي للاحصاء كمؤسسة مختصة بدلا عن صدوره من وزارة المالية و بنك السودان التي تتهم من جهات اخري بتحسين صورتها. للتدليل علي ذلك نذكر بالإجراءات المتسلسلة التي اتبعها بنك السودان المركزي حول تعديل الحسابات الحرة و تنظيم سياسات الاستيراد و تحديد كميات النقد الاجنبي المطلوبة لمقابلة الالتزامات الخاصة بالتجارة الخارجية و إجراءات ضخ السيولة. يقول السيد هاشم هجو نائب اتحاد اصحاب العمل ” موقع النيلين نقلا عن صحيفة الرأي العام ، 24- 2 – 2009 ” يقول في اشارة الي تلك الاجراءات ” .. لابد من التدخل لمعالجة مشاكل شح السيولة و حالة الانكماش التي تعاني منها الأنشطة الاقتصادية و معالجة مشاكل تراكم المديونيات ….و غيرها من مستحقات رجال الاعمال حتي يتمكنوا من مزاولة نشاطهم …” و اعتبر السيد هاشم هجو ” .. الاجراءات التي اتخذها البنك المركزي …. من شأنها ان تزيد المشاكل و الأعباء علي رجال الاعمال” ( المصدر نفسه) . تلك صورة من صور ردود الافعال علي الاجراءات الحكومية. اذا كان الامر اكثر وضوحا في ما يتعلق بالاجراءات النقدية و متابعة اثارها فان الوضع في السياسة المالية اكثر تعقيدا و بالتالي فان مثل تلك البيانات ذات الارقام المجردة تجعل الوضع حول الاداء المالي اكثر ضبابية نسبة لارتباطه بمؤشرات معقدة و تجمع بين الجانبين المالي و النقدي و يتأثر و يؤثر علي جميع القطاعات الاقتصادية اضافة لارتباطه بمستويات الحكم المختلفة في الشمال و الجنوب و تداخله مع المفوضيات التي اقرتها اتفاقيات السلام الشامل. من هنا ندعو الي الدقة و المنهجية الواضحة المستندة الي معايير تحليل الاداء المالي و التي تلاقي ” القبول العام” من حيث الدلالة الاقتصادية ، ذلك حتي تتمتع المؤشرات المشار اليها في البيانات بالمصداقية التي تمكنها من الصمود. 

عن د. حسن بشير

د. حسن بشير

شاهد أيضاً

اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)

أ.د. حسن بشير محمد نور كان سيد انسانا حقيقيا بسيطا جدا مليئا بالحب والجمال وكان …

اترك تعليقاً