تجربتي مع أنفلونزا الخنازير .. بقلم: كمال الدين بلال

           

kamal.bilal@hotmail.com

بعث لي صديق رسالة مستفسراً عن سر انقطاعي عن الكتابة الراتبة عن المنظمات والمحاكم الدولية لأكثر من شهر وسأل مازحا ما إذا كان السبب يرجع لمعلومة توفرت لديّ بأن «لويس أوكامبو» قد صرف النظر عن ملاحقة ملف السودان؟، رددت عليه بأنها غيبة إجبارية بسبب إصابتي بالأنفلونزا المكسيكية، وأخبرته بأن الأنفلونزا وانقطاع انسكاب مداد حبري جعلاني أشعر بأنني مت لبعض الوقت وأن هدباء ابنة نزار قباني قد صدقت حين قالت (إن أبي مات حينما توقف عن الكتابة). فأرسل لي صديقي رسالة أخرى أظنه قصد منها أن يعرف إذا ما زلت حيا طلب فيها أن أصف له تجربتي مع الأنفلونزا، فوعدته بأن اكتب مقالاً مكسيكياً يكون عن أسباب انقطاعي عن الكتابة في زمن الأنفلونزا على وزن رواية الكاتب المكسيكي «غابرييل غارسيا ماركيز» الحب في زمن الكوليرا، فها أنا أفي بوعدي.

شعرت في صباح أحد الأيام بمبادئ التهاب بسيط في الحلق وعطس متواصل ثم توالت عليّ أعراض أشبه بأعراض الملاريا من فتور وصداع ووجع عضلات وحمى بقشعريرة (وحاجات تانية حامياني) يسميها البعض ظلما وبهتانا باسم (طه القرشي)، وكان اغرب شيء في هذا المرض هو جعله أنفي يسيل حتى أثناء النوم. فبادرت بالاتصال بالرقم المجاني الذي خصصته الحكومة الهولندية للاستفسار عن الأنفلونزا المكسيكية، فرد عليّ موظف أخبرني بكل برود بعد أن وصفت له الأعراض التي أشعر بها بأن ما أعاني منه هو (ست الاسم) المكسيكية وذلك دون تحليل للدم أو غيره، فسألته وقد تسارعت ضربات قلبي عن الخطوة القادمة، وكنت أظن أنه سيخبرني بأنه سيرسل سيارة إسعاف تنقلني إلى (كرنتينة) في جزيرة معزولة، ولكن سألني عما إذا كنت أعاني من أمراض أخرى تتعلق بالقلب أو السكري، فنفيت ذلك، فطلب مني أن ألازم المنزل وأكثر من شرب السوائل والراحة والتوجه للمستشفى في حالة عدم انخفاض درجة الحرارة بالمسكنات. وانتهت المكالمة بالنسبة لي وكأنها صدور حكم بإعدامي.

كنت أعلم أن المرض قد وصل في هولندا إلى مرحلة الوباء الخفيف حيث بلغت عدد المصابين (350) حالة وبلغت الوفيات (17) حالة، فقمت باتخاذ عدة خطوات احترازية خاصة وأنني اسكن في لاهاي دون عائلتي المتواجدة في السودان، فأبلغت شقيقي الأكبر «جلال» في السودان عبر الهاتف بالأمر تهيئة لما هو محتمل، وقمت بتحديث وصيتي الشرعية، وأخرجت كرت التأمين الذي يلزم إحدى شركات التأمين بنقل جسماني إلى السودان، وهو أمر يفرط فيه كثير من المغتربين بحيث يتعبون أصدقائهم أحياءاً وأمواتاً. وبعد ذلك بدأت في استرجاع شريط حياتي في هولندا منذ قدومي إليها قبل خمسة عشر عاما وأنا مقبل على الحياة كلي فتوة وشباب وتخيلت نفسي وأنا مدبر إلى مكان (مخموشتي)  في صندوق مغلق بلا حنوط ولا برش، والمخموشة لمن لا يعرفها مرتبطة باعتقاد تقليدي راسخ بأن الله عز وجل أخذ قبضات من تراب الأرض ليخلق منها أبونا أدم وأن كل شخص يموت لا بد وأن يدفن في نفس المكان الذي (خمش) الله تعالى منه ترابه حتى تلتحم الأرض وتعود كما كانت في أول الخلق، وربما هذا يتماشى مع ما أثبته العلم بأن المادة لا تفنى ولا توجد من عدم، وهنالك اعتقاد آخر مرتبط بمكان دفن الحبل السري للمولود يبرر به البعض حنين الشخص لموطن مولده.

أجمل ما في تلك التجربة القاسية الخطرفات التي قادتني إليها هضربة الحمى الخلاقة فكما هو معلوم فإن كل شيء ترتفع حرارته يضيء وتكون له ومضات، فقد جعلت الحمى خيالي يرتاد بعض الأفاق البرزخية، فقد تلبستني قناعة غريبة بأنني أصبحت مكسيكيا وأنني متزوج من مكسيكية تمشيا مع مبدأ بنحب من بلدنا ما من برة البلد (بالمكسيكي أكيد يا مرسي) فالجنس للجنس رحمة، وكنت أتحدث مع أبنائي باللغة الأسبانية وهم يشجعون فريقنا القومي بزيه الأخضر الجميل وهم في سكرتهم بفوز يعمهون. وأخطر جزء من تلك الهلوسة كان وسواس شيطاني يراودني بأن صلاتي لن تكون مقبولة حيث أصبح أحد مكوناتي الجينية نجس، فهذه الأنفلونزا تسمى أنفلونزا الخنازير كون فيروسها تمت حضانته في الخنازير النجسة، وقد قادني هذا الشَّكّ الديكارتي غير النبيل إلى أقصى درجات الإيمان التعبدي بأداء الصلاة كمودع بعد الاستعاذة بالله من همزات الشياطين. وقد أستمرت تلك الأنفلونزا اللعينة ضيفة ثقيلة على جسدي لمدة سبعة أيام عجاف، واستمرت معي تداعياتها بعد أن تماثلت للشفاء عشرة أيام حسوما، حيث فقدت حاستي الشم والذوق، فكنت أسرف في العطر احتياطاً واكل الطعام واجباً وحسادةً لا شهيةً.          

أصدرت بعد تأكدي من طبيعة مرضي قرارا صارماً بعدم فتح باب بيتي لأي زائر كان حتى لا أتحمل وذر مرضه أو مرض عائلته، وقد ترتب على تعطيلي لسنة عيادة المريض كثرة اتصالات أصدقائي بي تلفونيا وذلك لدرجة انتفى معها معنى الراحة المطلوبة، وكثرت نكاتهم الظريفة وتباينت مواقفهم من الأمر، فمنهم من أقسم أنه سمع أثناء محادثتي صوت خنزير صغير (وللمعلومة فإن الصوت الذي يصدر عن الخنزير يقال له قباع الخنزير وأبن الخنزير الصغير يقال له خنوص)، وقد أتصل بي أحدهم وأخبرني بأن زوجته جهزت لي شوربة لذيذة سيقوم بإحضارها ووضعها أمام الباب من وراء حجاب، وكان أشجعهم من دخل عرين الأسد مقنعاً يحمل لقمة تبدو شهية بملاح روب مدنكل وذلك دون أن يرفع شاله عن أنفه وفمه طوال زيارته القصيرة. ومن سخرية القدر أنني أصبحت بعد تماثلي للشفاء غير معني على المستوى الشخصي باللقط الذي يثار حول الآثار السلبية للتطعيم الوقائي من المرض مثل التأثير على فحولة الرجل، فقد كون جسمي حائط صد طبيعي يمنحني مناعة منه لو فكر معاودة الكرة. والطريف في الأمر أنني صرت مرجعاً في الأنفلونزا لكل سوداني في المدينة، فأصبح كل من يشعر بمبادئ نزلة أو زكمة خفيفة يتصل بي للاطمئنان عملاً بالحكمة القائلة اسأل مجرب ما تسأل طبيب.            

    

لاهاي

عن كمال الدين بلال

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً