السودانيون في بداية القرن العشرين: “شعب متوحش” … بقلم: بدر الدين حامد الهاشمي

 

 

وقعت بالصدفة على تقرير سري كتبه أحد أساطين الإدارة البريطانية في السودان وهو اللورد كرومر (1841 – 1917م) في بدايات الحكم الاستعماري الثنائي، وتحديداً في 1904م. وكان ذلك التقرير السري أحد التقارير المعنونة: “تقارير عن الإدارة المالية وأحوال السودان في عام 1904م” وتم طبعه في الخرطوم بواسطة ف. نمر وشركاؤه. واللورد كرومر – لمن لا يعرفه – هو مبعوث جلالة ملكة بريطانيا العظمى والقنصل العام المقيم بالقاهرة، والذي بعث ليكون حسيباً ورقيباً على إدارة أموال مصر (المثقلة بالديون) بعدما عبث بها الخديوي إسماعيل، وبعد الفوضى التي أعقبت ثورة عرابي الشهيرة.

وفي هذا الجزء من التقرير (والذي نشر في مجلة الدراسات السودانية في مارس من عام 2001م في صفحة واحدة تحت عنوان Sudanquote  يتحدث التقرير عن أحوال السكان المحليين في الجنوب والشمال في بدايات القرن العشرين. وما جاء في التقرير مثير للغيظ وداع إلى الكراهية… الغيظ من تعالي هؤلاء المستعمرين وعنصريتهم وتكبرهم، والكراهية لهم ولعدوانهم وتعديهم على شعوب الأرض في قارتنا السمراء. بيد أنه لا بد من الاعتراف بأن قراءة معاكسة أخرى قد تدفع البعض منا للاقتناع بكل أو بعض ما ورد في التقرير، إذ أنه يذكر من “الوقائع” و”الحقائق” (من وجهة النظر الاستعمارية) ما قد يجعلنا نتذكر كيف كنا وكيف أصبحنا. وهذا بالطبع يثير السؤال المكرور عن فضل (مستحق أو مزعوم) للاستعمار (الأبيض) على الشعوب (السوداء)، وكيف أن الدفوعات المكرورة  عن أن الاستعمار (الأبيض) قد غزا ديار قوم متحضرين متدينين منتجين عاملين، لهم صناعتهم المتقدمة وزراعتهم المتطورة ليس لها في الواقع ما يسندها من دليل أو سند، وأن الرجل الأبيض قد رُزئ بشعوب همجية متوحشة، وتحمل (مشكوراً) عبء تمدينها، ونقلها إلى عالم جديد سعيد به كل وسائل التطور والتقدم والراحة، وتتوفر فيه خدمات تعليمية وصحية لم تكن في خيال أو متناول تلك الشعوب (السوداء).

يقول التقرير في مبتدأه أن عدداً كبيراً من سكان السودان (خاصة في المديريات الجنوبية) هم من المتوحشين الوثنيين. وهم جنس كريم (fine race). بيد أن فيهم بربرية وهمجية كثيراً ما تلازم تلك الشعوب المتوحشة. وليست هنالك استثناءات كثيرة لهذا القول غير أماكن قليلة زارها في الأعوام الماضية السير صمويل بيكر، ومكان آخر حيث أقيمت إرسالية نمساوية. لم يكن لهؤلاء السكان المحليين أي اتصال مع العالم الخارجي خلا ما حدث مؤخراً من “تجارب مريرة” مع القبائل العربية التي كانت تغير على قراهم، وتقتل كثيراً من سكانها وتخطف من تبقّى منهم كعبيد.

يميز التقرير قليلاً بين سكان شطري السودان فيقول عن سكان السودان في غير المديريات الجنوبية أنه يصعب القول بأنهم متوحشون تماما، إذ أنهم كانوا متقدمين بخطوة صغيرة على الجنوبيين في ميدان الرقي والتحضر. ولا غرو إذ أنهم قد اعتنقوا الدين الإسلامي، ولكن ظلوا على تخلفهم عن ركب الحضارة، لا يفصل بينهم وبين التوحش إلا خيط رفيع. وليدلل كاتب التقرير على صحة ما يقول يسرد هذه الحكاية القصيرة التي حدثت في 1903م والتي قصَّها السكرتير القضائي السيد بونهام كارتر عن أخلاق وعادات أولئك الناس. تقول الحكاية إنه كان رجل يدعى وداعة ود غريب يسكن في سنار قد اتهم بقتل ابن عمه واسمه حامد ود غالي. وعند اعتقاله أدلى المتهم بالتصريح التالي: “لقد كان الناس يضجون بالشكوى من ابن عمي هذا لأنه يخرب زراعة جيرانه عن طريق السحر. لقد حذرته مراراً وتكرراً من أفعاله تلك، بيد أنه ظل سادراً في غيه. فلم أجد بُداً من أن أطرق بابه وأنصحه بالعدول عن فعائله المشينة تلك. لم يقبل نصحي، بل انتزع مدية وهاجمني. رددت على هجومه بطعنتين من مدية طويلة كنت أحملها، فأرديته قتيلا”.

علَّق السيد بونهام كارتر على إفادة الرجل المتهم بالقتل بقوله: “إن شهادة المتهم بالقتل ليس لها ما يدعمها أو يدلل عليها. يبدو أن السبب الرئيس وراء ارتكابه للجريمة هو خوفه من السحر”.

يقول التقرير في مختتمه بأن وقتاً طويلاً ينبغي أن يمر قبل أن يستوعب “هؤلاء الناس” الأفكار التي تسود في المجتمعات المتمدنة/ المتحضرة أو شبه المتحضرة، وأن تجد القبول عند كافة طبقات الشعب، والتي يمكن اعتبار “وداعة ود غريب” ممثلا لها.

لا شك أن ذلك التقرير، عند النظر إليه بمنظار اليوم سيعد تقريراً به من الهوى والميل والتحيز ما تنوء بحمله الجبال الراسيات. فليس من المقبول إنسانياً ولا الصحيح سياسياً الآن وصف بشر بالهمجية والتوحش لمجرد أن طرائق عيشهم وسلوكهم ومعتقداتهم الروحية تخالف ما ألفته في بلادك. ثم من أعطاك الحق في أن تصنف البشر بحسب نظرتك (الأحادية) إلى همج متوحشين، وآخرين أقل همجية وتوحشا؟ ومن نصبك مدعياً وقاضياً ومحامياً في آن معاً لتحكم بين الناس وتصنفهم؟ ولم لا تدعهم في حالهم، أو تقنع – كبعض المصلحين من الدعاة والمبشرين – بالدعوة بالحسنى لديانتك السمحاء دون جيوش غازية، واستغلال لثروات البلاد وأهلها.

ولم نسيت عند قولك بأن إغارة “العرب” على القبائل “المتوحشة” في الجنوب كانت هي مدخل تلك القبائل للعالم الخارجي أن تذكر أن تلك التجارة البغيضة مارسها العرب (وهذا جرم تاريخي عظيم ينبغي الاعتراف به، وعدم المراوغة في الإقرار به، والتكفير عنه)، ومارسها أيضاً غيرهم من بعض السكان المحليين ومن البيض أيضا. وإن كانت تجارة الرقيق بغيضة لذلك الحد (وهي بلا ريب كذلك) فلم أقرها غوردون عند عودته الثانية (والأخيرة) للخرطوم، ودعا بالصوت العالي وهو يخاطب سكان الخرطوم للإبقاء عليها، وهو من بنى سمعته على محاربتها…أم هي “الانتهازية المتأصلة” في أقبح صورها.

أما حكاية جريمة القتل التي ارتكبها “وداعة ود غريب” في سنار فهي تجسيد حي لبؤس منطق المستعمر، الذي لا يلتفت لعورات نفسه، ويجهد نفسه فوق طاقتها ليبين للناس مدى توحش أولئك السود الأوباش المفرط! فمن تلك القصة التي لا يبدو أنها جريمة بشعة أو غير عادية كما حاول اللورد كرومر تصويرها، إذ أن البشر (من كل الأصناف والألوان منذ آدم وحواء) قادرون على ارتكاب ما هو أفظع منها ما لا يقاس. فما هي الفظاعة المفرطة الشاذة في قتل رجل لقريبه بمدية (حتى وإن بدم بارد) مقارنة بما نقرأ ونسمع وبصورة يومية راتبة في الصحف والتلفاز؟ وماذا عن قتل الآلاف بغاز الخردل خلال الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م) ومحرقة اليهود والغجر بواسطة النازية (الشديدة البياض والتحضر) خلال الحرب العالمية الثانية (1939 -1945م).

مما يسر المرء ويفرحه أن تلك صفحة (سوداء) في تاريخ المستعمر الأبيض قد تم طيها، وتجاوزها الناس من المتحضرين المتمدنين (الأول) وممن تم إدخالهم (لاحقاً) طوعاً أو قسراً في سلك التحضر والتمدن… بيد أن التاريخ يجب أن لا ينسى، وأن لا نكف عن تذكر مقولة علقت بذاكرتي من زمن الطفولة وكانت تذاع من إذاعة أم درمان في عصر كل يوم في “برنامج الجنوب” أيام الفريق عبود في الستينات… كان المذيع يكرر بصوت جهير لا ينسى وبعربي جوبا: “عشان ما ننسى، لازم نعرف الحقيقة”!

نقلا عن “الأحداث”

عن بدر الدين حامد الهاشمي

بدر الدين حامد الهاشمي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً