اود أن اشكر اللجنة الموقرة التي كلفت بالإعداد لهذه الاحتفالية لدعواتها لي للمشاركة، وها أنا ذا افعل، كما قال الشاعر
ابني أبينا نحن أهل منازل * أبدا غراب البين فيها ينعق
نبكي على الدنيا وما من معشر * جمعتهم الدنيا ولم يتفرقوا
اين الأكاسرة الجبابرة الأولى * كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه * حتى ثوى فحواه لحد ضيق
معلوم أن الحركة اليسارية في السودان بدأت أواسط الأربعينيات من خلال حركة تقدمية كانت لها رؤى مختلفة عما كان سائدا في الساحة السياسية آنذاك.
وقد برزت الحركة اليسارية وسط جيل من المثقفين الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات المصرية آنذاك، حيث كانت حركات التحرر تستهوي عقول الشباب وعواطفهم، فجذبت إليها نخبة من طليعة المثقفين إلى فضاء السياسة، وظهرت إلى الوجود القومية العربية وحركة البعث الاشتراكي.
ومن جانب آخر كان اليسار واضحا في موقفه من التيارات التقليدية حتى تخلقت من رحمه الجبهة المعادية للاستعمار التي تحولت لاحقا إلى الحزب الشيوعي السوداني، الذي عرف منذ نشأته بكفاح الطبقة العاملة، وذلك في سعي حثيث لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعبئة الموارد لصالح الأمة حسب رؤاه.
هذا، وقد لاقى الحزب في مسيرته تلك كثيرا من العنت والتجني من قبل النظم الحاكمة في فترات مختلفة، وفي سبيل تلك المرامي دفعت قيادته ثمن ذلك سجونا وبعدا وتشريدا في الآفاق بسبب صلابة مواقفهم وثباتهم على المبدأ، وفي هذا قال الشاعر:
كل أفق تضيق به أسيرا * سعة الأفق أن تكون طليقا
بحكم معاصرتها لتلك الفترة من تطور الحركة السياسية، فقد شهدنا بروز زعامات عديدة من طلائع المثقفين، وكان الراحل نقد من بين تلك القامات السامقة التي حظيت بالاحترام والإعجاب والقبول، لما اتصف به من اعتدال وسعة في الأفق ورحابة في الصدر.
وتجلت مواهبه العديدة كزعيم وطني له إسهاماته في التصدي لقضايا الجماهير وانحيازه لطبقة العمال والسعي بينهم لرفع الوعي الذي هو سبيل التقدم.
وظل نقد مدافعا شرسا عن مصالح المستضعفين وقائدا تنظيميا وسياسيا تميز بالجرأة والشجاعة وعرفته محافل السياسة مفكرا اشتراكيا عميق النظر، صاحب رؤى من مدرسة ترى أن العروبة والإسلام والتقاليد مكونات أصيلة للفكر السوداني، وبذا تميز الحزب بنهج سوداني خاص قربه من وجدان الشعب السوداني.
لم أكن من جيل نقد، فقد سبقني بأعوام، كما لا أزعم أنني من أصدقائه، لكننا عرفناه في ساحات العمل العام.
وأود أن اشهد هنا أنني قرأت له واستمعت اليه في حوارات وسجالات وندوات ولمست فيه كثيرا من مواهب الزعامة كم حاور لبق، ساخر، لا تعجزه الطرفة.
كان نقد حسن الاستماع مع مساحة واسعة للغير وكثير من التسامح والصبر على أذى الحمقى والمتنطعين والمهووسين وحارقي البخور، ولعمري تلك من آيات الكبار.
يحكى عن الراحل نقد، انه في احد فترات اختفائه حضر مرة إلى أخته التي كانت مدرسة في مدرسة وسطى للبنات في ولاية النيل الأبيض، وكانت تبدو عليه آثار الإرهاق عندما استقبلته.
وطلبت شقيقة نقد من ناظر المدرسة أن يستضيفه في منزله للمبيت، وليلتها بقي نقد في منزل الناظر حتى الفجر، وعندما تفقد الناظر فراشه صباحا لم يجده، ووجد رسالة من نقد يعتذر فيها للناظر عما سببه له من قلق وإزعاج، وكان نقد وقتها مطاردا بشدة من قبل قوات الأمن.
وكما قال أبو الطيب المتنبي
ذراني والفلاة بلا دليل * ووجهي والهجير بلا لثام
تعود أن يغبر في السرايا * ويدخل من قتام في قتام
ولما صار ود الناس خبا * جزيت على ابتسام بابتسام
ولم أر في عيوب الناس شيئا * كنقص القادرين على التمام
Omer Mahmoud [omezeez@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم